سورية والعقد الاجتماعي.. كيف نبني هوية جامعة تحمي التنوع وتمنع التقسيم؟
عاشت بلاد
الشام، منذ فتح دمشق ثم القدس، بوصفها ولاية أصيلة من ولايات الدولة الإسلامية
الموحدة، ممتدة الجغرافيا، واسعة الآفاق، وفي هذا الفضاء الرحب، تشكّل مجتمع متنوع
الأعراق والقوميات، متعدد الأديان والطوائف، يسوده التآلف والتكامل في ظل نسيج
حضاري متماسك صبغ الغزاة الذين استقروا فيه بثقافته وعاداته وقيمه وأساليب عيشه.
العقد الاجتماعي بسورية تشكّل عبر تفاهم
تاريخي عميق بين مكونات المجتمع حول قواعد العيش المشترك
ولما جاء
الاستعمار الأجنبي حاملًا ثقافة التجزئة، قسَّم سورية إلى عدة دويلات على أسس
طائفية ومناطقية -رغم أنَّ المكون العربي المسلم يشكِّل الأغلبية الديمغرافية في
جميع أنحاء الجغرافية السورية- انتفض السوريون واستعادوا وحدتهم السياسية كاملة،
قبل خروج المستعمر الفرنسي بـ10 سنوات، في دلالة جلية على رسوخ فكرة الوحدة في
الوجدان الجمعي السوري.
الاستبداد وتشويه الذاكرة الوطنية
إن هذا التاريخ
الطويل من الوحدة والتآلف يشكّل ردًا عمليًا وحاسمًا على دعوات التنافر والاختلاف
التي سعى النظام السابق إلى ترسيخها على مدى أكثر من 6 عقود من القهر والاستبداد.
فقد عمل النظام
البائد بصورة ممنهجة على تفكيك المجتمع، وتأجيج المخاوف بين مكوناته، وتشويه
الذاكرة الوطنية، وتصوير التنوع بوصفه تهديدًا وجوديًا، في حين كان الاستبداد ذاته
العامل المركزي في تمزيق النسيج الاجتماعي وتقويض الثقة بين السوريين.
استعادة الوعي والعقد الاجتماعي بين السوريين
واليوم، وبعد أن
استعادت سورية حريتها وطُرد آخر الطغاة من أرضها، تقف البلاد عند مفترق طرق تاريخي
بالغ الحساسية بين من يجهل -أو يتجاهل- التاريخ ويطالب بصياغة عقد اجتماعي جديد،
ويحاول مصادرة قرار المكون الذي ينتمي إليه دون انتخابات أو دليل صادق، ومن يدرك
أن تاريخ التوافق والتلاحم بين السوريين كفيل -بعد نفض غبار العقود الماضية
والخروج من الصندوق الذي فرضه النظام البائد- باستعادة أقدم وأمتن عقد اجتماعي
عرفته المنطقة، عقد نُسج بالدماء والتضحيات، وضمّ جميع مكونات المجتمع السوري،
ونبذ كلَّ من شذّ عنه وانقلب على قيمه الجامعة ممن ارتهن للخارج أو كان أداة في يد
النظام السابق.
.. ويجب أن
يرسّخ وحدة البلاد ويكفل الحقوق والواجبات ويحترم الخصوصيات الثقافية والاجتماعية
للجميع
العقد الاجتماعي محور إعادة تأسيس الدولة
تشكّل العقد
الاجتماعي في سورية عبر تفاهم تاريخي عميق بين مكونات المجتمع حول قواعد العيش
المشترك، وحدود السلطة، وحقوق الأفراد والجماعات وواجباتهم، وفي سورية اليوم، لا
يمكن لأي عقد اجتماعي قابل للحياة أن يتجاهل 3 حقائق جوهرية:
1- أن
الاستبداد، لا التنوع، كان العامل الأساسي في تفكك المجتمع وإضعاف روابطه
الداخلية.
2- أن الدولة
السابقة تعمّدت تفتيت الشعب السوري وتخويفه من بعضه بعضاً، لتسهيل إحكام السيطرة
وإدامة الحكم.
3- أن المجتمع
السوري، الذي عاش متآلفًا ومتعاونًا آلاف السنين قبل الفتح الإسلامي وبعده، لن
تعيقه عقود الفساد والتفتيت التي تسبب بها النظام البائد.
وانطلاقًا من
هذه الحقائق، فإن العقد الاجتماعي الذي ينبغي استعادته يجب أن يرسّخ وحدة البلاد،
ويكفل الحقوق والواجبات على قدم المساواة، ويحترم الخصوصيات الثقافية والاجتماعية
ضمن إطار وطني جامع لا يقبل الإقصاء ولا يسمح بالتفكك.
المواطنة أساس دستوري يكرّس المساواة
الكاملة بين جميع المواطنين أمام القانون دون أي تمييز
شكل النظام السياسي ومستقبل الحرية
يُعد النقاش حول
شكل النظام السياسي من أكثر القضايا حساسية في سورية الجديدة، لما له من أثر مباشر
على مستقبل الحرية ومنع عودة الاستبداد، ومعالجة جميع المخاوف التي تسببت بها
العقود الستة الماضية وهي:
1- مخاوف
الأكثرية من «ثورة مضادة» تعيد إنتاج نظام جديد يستبد بالأكثرية ويفتك بها، ويعيد
ذاكرة القتل والتشريد والألم، أو من عودة نظام يلبَس ثوبها لكنه يرتهن للخارج
ويتنكر لحقيقة التطلعات والآمال التي رفعها الشعب السوري وعبَّر عنها منذ اليوم
الأول للثورة السورية من خلال: التمسك بالإرث الديني والحضاري للأمة تحت شعار «قائدنا
للأبد سيدنا محمد» مع إدراك أنَّ هذا الإرث يحمي حقوق جميع مكونات الشعب السوري
وهو ما يظهره بوضوح شعار «واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد».
2- مخاوف
الأقليات من استبداد الأكثرية وقمع الحريات السياسية والاجتماعية والدينية
للمكونات العرقية والدينية المختلفة في سورية، أو من انتشار ثقافة الثأر وتجاوز
الرغبة بالانتقام حدود الأشخاص إلى الفئات التي كان يستخدمها النظام الساقط للضغط
والسيطرة على المجتمع والدولة.
معالجة المخاوف بين النص والتطبيق
وأمام جميع تلك
المخاوف المشروعة، يبقى التعويل على التطبيق العملي الحل الأكثر قابلية للتأثير
والإقناع، وهنا نجد أنَّ السلطة الثورية الحالية عبَّرت إلى حد بعيد عن تطلعات
الأكثرية العربية المسلمة، بقدر ما شكَّلت الضامن الحقيقي لحماية المكونات الأخرى،
وقد أثبتت ذلك عملياً خلال الأيام الأولى للتحرير عبر التطبيق العملي لشعار «نصر
لا ثأر فيه».
ثمَّ التوافق
التام بين مخرجات لجنة التحقيق الحكومية في أحداث الساحل وما ذهبت إليه اللجنة
الدولية المعنية بالملف ذاته، كما تبقى حرية التعبير الضامن الحقيقي لجميع الأطراف
والمكونات.
الدستور.. حماية التنوع دون تفتيت الدولة
لا يكمن التحدي
الدستوري في سورية في ضمان الحقوق فحسب، بل في تحقيق توازن دقيق بين الاعتراف
بالتنوع المجتمعي ومنع الانقسام السياسي، ويقوم هذا التوازن على مرتكزات أساسية،
في مقدمتها:
1- المواطنة
أساس دستوري يكرّس المساواة الكاملة بين جميع المواطنين أمام القانون دون أي
تمييز.
2- الاعتراف
بالخصائص الحضارية والثقافية لجميع مكونات المجتمع، دون التفريط بحقوق الأكثرية
التي صودرت طويلًا في ظل النظام السابق.
تطبيق اللامركزية الإدارية بوصفها وسيلة
لتعزيز وحدة الدولة وتقوية مؤسساتها لا مدخلاً لتفكيكها
اللامركزية الإدارية لا التفكيك السياسي
يمكن للامركزية
الإدارية أن تمثّل أداة فعالة لتحقيق العدالة التنموية وتعزيز المشاركة المحلية،
شريطة أن:
- لا تتحول إلى
كيانات سياسية مغلقة.
- تبقى السيادة
والقرار الإستراتيجي بيد الدولة المركزية.
- تُنظَّم
بدستور واضح يمنع النزعات الانفصالية.
وبهذا المعنى،
تُفهم اللامركزية الإدارية بوصفها وسيلة لتعزيز وحدة الدولة وتقوية مؤسساتها، لا
مدخلًا لتفكيكها.
وهنا نجد أن سورية
اليوم تقف أمام فرصة تاريخية نادرة لإعادة بناء ذاتها، لا على أنقاض الماضي وحده،
بل على جذور عميقة من الوحدة والتعايش والتكامل، فالعقد الاجتماعي المنشود ليس
قطيعة مع التاريخ، بل استعادة واعية لأفضل ما فيه، وتحرير له من تشوهات الاستبداد.
بين دستور جامع،
ونظام سياسي متوازن، وسردية وطنية صادقة، يمكن للسوريين أن يؤسسوا دولة حديثة
تستمد قوتها من تنوعها، وتحصِّن حريتها بوحدة مجتمعها، لتعود سورية –كما كانت عبر
القرون– فضاءً للوفاق، لا ساحة للانقسام.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً