شهر رجب.. بين تعظيم الشعائر وتقويم الأخلاق
جعل الله عدة
الشهور اثني عشر شهراً، فضل بعض أيامها على بعض كيوم الجمعة ويوم عرفة، وفضل بعض
الأشهر على بعض كالأشهر الحرم، وقد جعل سبحانه للدماء فيها حرمة، فلا تقام إلا
دفاعاً عن النفس وذوداً عن مقدسات المسلمين، يقول تعالى: (إنَّ عِدَّةَ الشُّهورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ
شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ
حُرُم ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ، فَلَا تَظْلِموا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُم) (التوبة:
36).
قال ابن كثير: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ
أَنْفُسَكُمْ) أي في هذه الأشهر المحرمة، لأنها آكد، وأبلغ في الإثم من
غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف، لقوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ
بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الحج: 25)(1).
وحددها حديث
النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع، فقال أبو بكرة رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات
والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو
الحجة والمحرم، ورجب، شهر مُضر، الذي بين جمادى وشعبان» (أخرجه البخاري، ومسلم).
وها هو شهر رجب
يهل علينا حاملاً معه بشريات الأيام الطيبة، في إشارة ليتهيأ المسلم ويستعد فيها
لاستقبال أيام الله فيعيد ترتيب العلاقة بينه وبين ربه، وفي السطور التالية سوف
نعرض لمنهجية الأخلاق المطلوبة في استقبال رجب وما يليه من أشهر كسلوك أخلاقي واجب
لاستقبال مواسم الطاعات الكبرى.
أولاً: خلق تعظيم ما عظمه الله:
أصل الأخلاق في
استقبال رجب المعظم أن يستقبله المسلم بتعظيم يليق بما عظمه الله سبحانه في قوله
تعالى: (ذَٰلِكَ وَمَن
يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: 32)؛
أي: أوامره(2)، ورجب من الشعائر الزمنية التي عظّمها الله عز وجل، ويجب
أن يكون التعظيم بالقلب والسلوك معاً، ومن مظاهر تعظيم هذا الشهر المبارك:
1- عدم
الاستهانة بالمعصية فيه: حيث إن رجب من الأشهر الحرم، وقد مر بنا كيف أن تلك
الأشهر ثواب طاعتها مضاعف، كما أن ثواب معصيتها مضاعف، ومعنى الحرم: أن المعصية
فيها أشد عقاباً، والطاعة فيها أكثر ثواباً، والعرب كانوا يعظمونها جداً حتى لو
لقي الرجل قاتل أبيه لم يتعرض له(3).
2- استشعار
رقابة الله في القول والفعل: والمراقبة هي أن يتيقن العبد باطلاع الله سبحانه عليه
في كل وقت وحين، يقول تعالى: (يَعْلَمُ
مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ
وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الحديد: 4)؛ وهو من الإحسان في العبادة؛ «أن تعبد
الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك» (متفق عليه)، فهو يجب أن يكون حال
المسلم، لكنه في الشهر الحرم أكثر وجوباً.
ثالثاً: خلق التوبة واليقظة القلبية:
وحين نقول خلق
التوبة، نقصد به التوبة التي هي عمل قلبي، أن تكون توبة سلوكية، تلزم صاحبها
بتغيير سلوكه وأخلاقه إن كانت تخالف تعاليم الإسلام وأوامره، قال شيخ الإسلام ابن
تيمية: «العبد دائمًا بين نعمة من الله تحتاج إلى شكر، وذنب يحتاج فيه إلى
استغفار، وكل من هذين من الأمور اللازمة للعبد دائمًا، فإنه لا يزال يتقلب في نعم
الله وآلائه»(4).
ومن مظاهر
التوبة في رجب:
1- مراجعة صادقة
للمسار الأخلاقي: فعلى المسلم أن يراجع علاقته برحمه، أبويه وأهله وأقاربه؛ هل
يصلهم؟ هل يبر والديه؟ هل يقوم بواجبه تجاه أخواته وإخوانه؟ علاقته بجيرانه،
علاقته بمرؤوسيه في العمل، علاقته مع الناس في المواصلات العامة والشارع، علاقته
بزوجته، هل يتقي الله فيها؟ وهكذا يجب أن يراجع سلوكه الكلي وينظر فيه قبل قدوم
رمضان فلا يتسع له صدره.
2- العزم على
الاعتراف بالذنب دون قبول تبرير: على الإنسان أن يعي أن من يواجهه بخطئه، خير له
ألف مرة ممن يوجد له مبرر لهذا الخطأ ويهونه عليه، فتبرير الذنب دافع لعدم التوبة
منه، ومدعاة للوقوع فيه مرات عديدة.
3- العزم على
التصحيح التدريجي: وهو التوبة الأخلاقية السلوكية، بأن يبدأ المسلم في تبديل
سلوكياته الخاطئة، فيبدأ بتصحيح العلاقة بوالديه، يصله ما بينه وبين أهله وذويه،
يتخلص من المال الحرام ويتوقف عن تعاطيه مثل الربا وغيره، يعود للمسجد، يعود
للقرآن والورد اليومي ولو ربع حزب في اليوم حتى يعتاد قراءة الجزء بالكامل،
التعامل برحمة مع الخلق، الصدقة وإن كانت بالقليل حتى يكتسب صفة الكرم والعطاء.
ثالثاً: خلق كف الأذى وضبط النفس:
من أهم خصائص
الشهر الحرام تحريم الظلم وتشديد النهي عن الأذى، فيقول تعالى: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ
أَنفُسَكُمْ) (التوبة 36)، والظلم هنا شامل: لظلم النفس بالمعصية، وظلم
الناس باللسان والفعل، وظلم الأيام المباركة بالاستهانة، ومن مظاهر كف الأذى وضبط
النفس:
1- ضبط الغضب: فعن
أبي هريرة أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: «لا تغضب»، فردّد،
قال: «لا تغضب» (رواه البخاري).
2- تهذيب الخطاب
خصوصاً في الفضاء الرقمي: فلا غيبة، ولا نشر للشائعات، ولا أحاديث مستفزة لمشاعر
الناس، ولا اطلاع على صور محرمة وغيرها من السلوكيات المرفوضة شرعاً على مواقع
التواصل الاجتماعي.
3- التخفف من
النزاعات والخصومات: وهو ما يتوافق مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من
سلم المسلمون من لسانه ويده» (متفق عليه).
رابعاً: خلق الصدق مع النفس:
إنه مما يجب أن
يخيف المؤمن، أن تكون عباداته صورية غير نابعة من قلبه، فتتحول دون أن يدري إلى
نفاق، وأن تتحول عباداته لطقوس دون أن تتغير أخلاقه، وقدوم شهر رجب يجب أن ينبهنا
لتلك المسألة، أن ننظر في صدورنا لنجدد النية ونعمل على أن تكون صادقة فالصدق في
الأقوال: استواء اللسان على الأقوال، كاستواء السنبلة على ساقها، والصدق في
الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة، كاستواء الرأس على الجسد، والصدق في
الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، واستفراغ الوسع، وبذل الطاقة، فبذلك
يكون العبد من الذين جاؤوا بالصدق، وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به تكون
صديقيته»(5).
خامساً: خلق الاستعداد والانضباط:
الاستقبال
الأخلاقي لشهر رجب لا يعني اختصاص الشهر بتغيير سلوكي ثم يعود الفرد لما كان عليه
بعدها، وإلا تحول الأمر لعبادة موسمية، بل هو إعادة تنظيم للسلوك العام في الحياة
ليصير صفة ملازمة، حيث يضبط وقته وفق العبادات اليومية، يقلل الفوضى السلوكية في
تصرفاته اليومية، يدرب النفس بالالتزام بالطاعات بتدريج حتى يبلغ ذروتها؛ باختصار،
تقويم السلوك اليومي في العمل والأسرة والقول والتعامل مع الناس.
إن استقبال رجب
يتمثل في بناء حالة أخلاقية واعية تعيد الإنسان للحالة التعبدية التي يجب أن يكون
عليها في رمضان وفي الحج لبيت الله الحرام، وبهذا لا يكون رجب لزيادة الطاعات
وحسب، وإنما يكون فرصة لإعادة صناعة الذات حتى يدخل شعبان مستعداً، ويبلغ رمضان متهيئاً،
مستقيم السلوك، سليم القلب، واضح البوصلة.
اقرأ أيضا
_______________
(1) تفسير
القرآن العظيم، ص880.
(2) المرجع
السابق، ص1273.
(3) التفسير
الكبير، المجلد (6)، ص41.
(4) التحفة
العراقية (1/ 79).
(5) مدارج
السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن القيم، ص258.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً