صرعى الوهم!

يتضمن التصميم شخصاً وسط أقنعة وظلال متداخلة وصورة للكاتب

صرعى الوهم.. الأديب والفيلسوف الهندي الشهير رابندرانات طاغور له مجموعة من الحكم والخواطر القصيرة قال في رائعة منها: سأل الممكن يوماً المستحيل: أين تقيم؟ فأجابه: في أحلام العاجز وأوهام القاعد(1).

يقرر العقلاء أن الوهم حجاب الحقيقة، وغشاء على عين البصيرة، يورث الخوف والقلق، ويضعف الإرادة والعزيمة، والوهم والوهن صنوان، فكم قتل الوهم منا! وكم كسر من إرادتنا، وكان حجر عثرة في طريق مسيرتنا! وما أكثر الأوهام في بحر الأحلام؛ أوهام العظمة، والأمراض، والتخيلات، والسعادة، والشقاء! فمن الناس من يرى كل سوداء فحمة، وكل بيضاء شحمة، ويستسمن ذا الورم، فإذا ما عطس قال: هذه عين ولو كان مزكوماً، وإذا ما أخفق في عمله أو دراسته قال: هذه عين ولو كان أغبى الناس وأكسلهم، قصارى القول وحماداه في قول نبي الله ومصطفاه: «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» (صحيح، 223).

صرعى الوهم.. الناس في أوهامهم سجناء

حقيقة الوهم اعتقاد فاسد ناتج من تصور خاطئ، وهو شعور ذهني يخالف الحقيقة والواقع، من أكبر الأمراض التي يعاني منها الإنسان، وأعمال الناس تأتي نتيجة لما في نفوسهم من المعتقدات والأفكار والتصورات، ولهذا قيل: الناس أسرى بأفكارهم ومعتقداتهم، ومن جميل ما خطت أنامل أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته الهمزية النبوية قوله:

لمــــا دعــوت الناس لبـــى عاقـــــــل    وأصـــم منــك الجاهلــــين نــداء

أبوا الخروج إليك من أوهامهم     والناس في أوهامهم سجناء(2)

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «الإنسان قد ينفر بطبعه عن المبيت في بيت فيه ميت، مع أنه يقطع بأن هذا الميت لا يتحرك، ولكنه يتوهم في كل لحظة أنه قد يتحدث أو يتحرك أو يصدر منه شيء يتخوفه»(3).

وكم شتت الأوهام من طاقات وبددت من جهود، وعطلت من أعمال، وخربت من بيوت! وآفة الوهم أنه يجعلك ترى الأشياء على غير حقيقتها فتصغر الكبير وتضخم الحقير، وسببه الغفلة والإغراق في الأشياء المادية.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) (التوبة: 38)؛ إنها ثقلة الأرض، ومطامع الأرض، وتصورات الأرض؛ ثقلة الخوف على الحياة، والخوف على المال، والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع، ثقلة الدعة والراحة والاستقرار، ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب، ثقلة اللحم والدم والتراب، والتعبير يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه(4).

وإن كان الوهم داء العاجزين وبضاعتهم التي لا تنفد، فعلى العقلاء أن يدركوا ذلك قبل فوات الأوان، فكيف به وقد فات وهْم غرقى في أوحال الوهم مع العاجزين؟!

قفازات الأوهام

الوهم يخدر العقول قبل الأجساد، وهو مرآة المنغصات ووقود المرعبات، وباب الاضطرابات، يعيش صاحبه في سجن من المخاوف والترهات، والقلق والشكوك والحسرات، داء يصعب التدخل لكبح جماحه إلا من الواهم نفسه، فرداً كان أو مجتمعاً، قال تعالى: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ {14} وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة).

وهو مرض نفسي يجعل الحقائق النافعة تبدو كأنها شائبة، وقفازات الأوهام وأقنعة اللا حقيقية تقتل الوعي ولا توقظ الضمير، ومنها مثلاً الوهم الأكبر؛ وهْم الخداع، والعمل لغير غاية حقيقة، يركض صاحبه خلف السراب حتى يدركه التعب والإنهاك دون نتيجة؛ قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (النور: 39).

أعمالهم كسراب في أرض مكشوفة مبسوطة، يلتمع التماعاً كاذباً، فيتبعه صاحبه الظامئ، وهو يتوقع الري غافلاً عما ينتظره هناك، وفجأة يتحرك المشهد حركة عنيفة، فهذا السائر وراء السراب، الظامئ الذي يتوقع الشراب، الغافل عما ينتظره هناك يصل فلا يجد ماء يرويه، إنما يجد المفاجأة المذهلة التي لم تخطر له ببال، المرعبة التي تقطع الأوصال، وتورث الخبال، ووجد الله عنده! الله الذي كفر به وجحده، وخاصمه وعاداه، وجده هنالك ينتظره! ولو وجد في هذه المفاجأة خصماً له من بني البشر لروعه، وهو ذاهل غافل على غير استعداد، فكيف وهو يجد الله القوي المنتقم الجبار(5)؟

ثم وهْم المثالية الزائفة واللهث وراء الشهرة وبريق الظواهر وزيف المظاهر؛ قال تعالى: (يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (الحديد: 14)، وما أكثر صرعى الوهْم في بحار الشهرة المزيفة!

ثم وهم التوقعات الخاطئة، واتباع الظن، قال تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (يونس: 36)، وغيرها كثير من قفازات الأوهام وبحار الأحلام، وحديث النفس بالمنام كفيل ليهلك أمة لا تعرف الإيمان، ولا تحيا بالقرآن، ولا تقتدى بالنبي العدنان.

أرض الحقائق

يقولون: إن الحقائق تبنى على الحزم واليقين لا الشك والتخمين، وتأثير الأوهام في حياتنا أكبر بكثير من تأثير الحقائق، وإن أردت النجاة والسلام من بحر الأوهام فهذه بعض المهام:

أولاً: العلم بأن الأوهام من الشيطان لتخويف ضعاف الإيمان؛ قال تعالى: (إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران: 175)، وقال جل ثناؤه: (إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (المجادلة: 10).

ثانياً: عش في حدود يومك وفي نطاق قدراتك وإمكانياتك ولا تكلف نفسك فوق طاقتها؛ (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق: 7).

ثالثاً: أقرب طريق لطرد الوهم بالفهم الصادق والعزيمة المتدفقة والتعلق بالله والفرار منه إليه، وكثرة الدعاء والأذكار، مع الحرص على تقوى الله تعالى فهي العدة عند البلايا، والسلوان عند الرزايا؛ (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق: 3).

وجماع القول: من فقد الإيمان والعقل سكنته الأراجيف والأوهام ليكون هشاً متهالكاً أمام عاديات الأيام.

وأخيراً، متى تصحو الأمة من أوهامها؛ لتستعيد مجدها وعزها؟ إن أمتنا تعاني من أوهام، أبرزها: وهْم الانتظار بلا عمل، والاكتفاء بالدعاء دون الأخذ بالأسباب، ووهْم المظهرية الجوفاء، ووهْم الاعتماد على الخصوم والأعداء، فكم علقت آمالها على غيرها فما حصدت إلا الخيبات، وما جنت إلا الشتات! وواجب الوقت في هذه الأيام العجاف أن يجتمع المسلمون في المشارق والمغارب على كلمة سواء لاسترداد مجد طال على غيبته الزمان.

الهوامش
  • 1 ديوان طيور ضالة حكمة (83).
  • 2 ديوان الشوقيات، ص49.
  • 3 مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم (47/ 2/).
  • 4 في ظلال القرآن (1656/ 3).
  • 5 المرجع السابق (2521/ 4).
الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة