كرسي المختار الثقفي وصناعة رموز الوهم
كيف تُصنع رموز الوهم؟ كرسي المختار بن أبي عبيد الثقفي
يكفي ان تقول بعض الكلمات لا تخشيى فيها الله وتلقيها على الجموع لتصنع الوهم في الجموع
عَنْ طُفَيْلِ بْنِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ: كَانَ لِي جَارٌ زَيَّاتٌ لَهُ كُرْسِيٌّ،
فَاحْتَجْتُ فَقُلْتُ لِلْمُخْتَارِ(1): إِنِّي كُنْتُ أَكْتُمُكَ
شَيْئًا، وَالْآنَ أَذْكُرُهُ.
قَالَ: وَمَا
هُوَ؟ قُلْتُ: كُرْسِيٌّ كَانَ أَبِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ، كَانَ يَرَى أَنَّ فِيهِ
أَثَارَةً مِنْ عِلْمٍ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! لِمَ أَخَّرْتَهُ؟ فَجِيءَ بِهِ
وَعَلَيْهِ سِتْرٌ، فَأَمَرَ لِي بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَدَعَا بِالصَّلَاةِ
جَامِعَةً، فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُمَمِ
الْخَالِيَةِ أَمْرٌ إِلَّا وَهُوَ كَائِنٌ فِيكُمْ، وَقَدْ كَانَ فِي بَنِي
إِسْرَائِيلَ التَّابُوتُ، وَإِنَّ فِينَا مِثْلَهُ، اكْشِفُوا هَذَا، فَكَشَفُوا
الْأَثْوَابَ، وَقَامَتِ السَّبَائِيَةُ(2).
فَرَفَعُوا
أَيْدِيَهُمْ، فَأَنْكَرَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، فَضُرِبَ، فَلَمَّا انْتَصَرُوا
عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ افْتُتِنُوا بِالْكُرْسِيِّ، وَتَغَالَوْا فِيهِ،
فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ، وَنَدِمْتُ، فَلَمَّا زَادَ كَلَامُ النَّاسِ، غُيِّبَ،
وَكَانَ الْمُخْتَارُ يَرْبِطُهُمْ بِالْمُحَالِ وَالْكَذِبِ، وَيَتَأَلَّفَهُمْ
بِقَتْلِ النَّوَاصِبِ(3).
يمثل هذا الخبر
صورة من صور الصراع السياسي والاجتماعي الذي شهدته الكوفة في العقود الأولى بعد
الفتنة الكبرى، حيث تداخلت مشاعر الحزن والانتقام والبحث عن الشرعية مع اضطراب
المواقف السياسية وتعدد الجماعات المتنافسة.
وتكشف الحادثة،
كما رواها أهل الأخبار، جانبًا من طريقة توظيف الرموز في أوقات الأزمات، حين يصبح
المجتمع أكثر قابلية للتعلق بالأشياء التي تمنحه شعورًا بالتماسك والاصطفاف.
ولا تهدف
القراءة العلمية لهذه الرواية إلى تجاوز حدود النص التاريخي أو بناء أحكام على
النيات الخفية، فالله وحده يعلم السرائر، وإنما تتناول السلوك الظاهر كما ورد في
الخبر، وتبحث في آليات التأثير التي تظهر من خلاله: كيف يُصنع الرمز؟ وكيف تتحول
الأشياء العادية إلى أدوات تعبئة؟ وكيف يمكن للعاطفة الجماعية أن تؤثر في ميزان
التفكير؟
لماذا تنجذب المجتمعات المأزومة إلى الرموز المصطنعة؟
كانت الكوفة في
تلك المرحلة مدينة ذات تركيبة معقدة؛ فقد اجتمعت فيها تيارات سياسية وقبلية وفكرية
مختلفة، وكانت واقعة مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما قد تركت أثرًا عميقًا في
الوعي الجمعي لدى كثير من أهلها، وفي مثل هذه البيئات التاريخية التي تجتمع فيها
الصدمات الكبرى مع الصراع على النفوذ، يظهر احتياج نفسي قوي إلى الرموز التي تمنح
الجماعة تفسيرًا لما حدث، أو أملًا في المستقبل.
فالإنسان لا
يعيش بالأحداث المجردة فقط، بل يحتاج دائمًا إلى معانٍ يربط بها تجاربه، وقد يكون
الرمز في أصله شيئًا بسيطًا، لكنه يكتسب قوته من القصة التي تحيط به ومن المشاعر
التي ترتبط به، وخير مثال على ذلك حال تلك المرأة من الأنصار في يوم «أُحد»؛ حين
فجعت بمقتل أبيها وأخيها وزوجها وابنها في المعركة، ولكنها حين رأت النبي صلى الله
عليه وسلم سالماً تجاوزت مصابها العظيم وعقدت أملها وثباتها برؤيته، وقالت: «بأبي
أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب»(4).
إنَّ الناحية
العاطفية إنْ لم تكن منضبطة بالجانب الشرعي استطاع أن يحركها في اتجاهات قد تعود
على المجتمع في غير نفع بل ربما بضرر كبير، فالمرأة عندما جنبت عاطفتها الغريزية
التي من المفترض أن تسأل عن أبيها وزوجها وأخيها لكي تسأل عن النبي صلى الله عليه
وسلم، لم تفعل ذلك لكي تصل إلى غاية ما، بل لأن العاطفة توجهت وتعدلت وفق المنهج
الرباني، فلم تلفت عاطفتها إلا للنبي صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا تظهر
خطورة استغلال اللحظات الحرجة؛ لأن الجماعة المجروحة قد لا تبحث دائمًا عن الدليل
الأقوى، بل قد تنجذب إلى الصورة التي تمنحها شعورًا باليقين والانتصار، ولهذا كانت
الفتن عبر التاريخ بيئة خصبة لظهور الرموز المصطنعة والدعاوى التي تتغذى على
الاحتياج النفسي قبل البرهان العقلي.
كيف حل الإخراج المشهدي محل الحجة والبرهان؟
تكشف الرواية عن
عناصر واضحة في بناء التأثير؛ فلم يقدم الكرسي باعتباره قطعة أثاث عادية، بل أحيط
بسياق يغير طريقة استقبال الناس له، فقد ارتبط أولًا بعبارة «أثارة من علم»، ثم
جاء دفع المال الكثير، ثم الاجتماع العام، ثم الربط بقصة تابوت بني إسرائيل.
وهذه الطريقة في
صناعة المعنى تعتمد على قاعدة إنسانية معروفة؛ أن الأشياء لا تؤثر في الناس دائمًا
بحقيقتها، بل بالطريقة التي تُعرض بها وبالرموز التي تُربط بها، فالستر الذي يغطي
الشيء، والمشهد الجماعي الذي ينتظر كشفه، واللغة التي تربطه بتاريخ مقدس، كلها
عناصر تصنع حالة نفسية تجعل الجمهور مستعدًا لتلقي الرسالة قبل فحصها.
وقد حذر القرآن
الكريم من صور مشابهة حين ينساق الإنسان خلف الوهم بسبب التأثير الاجتماعي أو
النفسي، فقال تعالى: (فَاسْتَخَفَّ
قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (الزخرف: 54).
فالآية تشير إلى
أن التأثير على الجماهير قد لا يكون دائمًا بالقوة، بل قد يكون عبر صناعة تصورات
تجعل الناس يقبلون ما يقدم لهم دون تمحيص.
وقد روي عن عمر
بن عبد العزيز رحمه الله؛ أنه لما انصرف من دفن سليمان بن عبدالملك قُرّبت إليه
مراكب الخلافة المجهزة بالهالة والمظاهر ليركبها، فردّها ورفض التمسك ببهارج
الرموز المصنوعة حول السلطة وقال: «ما لي ولها؟ نحّوها عني، قرّبوا إليَّ بغلتي»(5)،
لم يحتج إلى زينة الملك التي رسمها ملوك سابقون له، بل أعاد سيرة الخلفاء الراشدين
وما التفت إلى ما قد يوقعه في فخ قد سقط فيه سابقوه.
وفي واقعنا
المعاصر، تظهر هذه الظاهرة بأشكال متعددة؛ فقد يتحول شعار أو شخصية أو منتج أو
فكرة إلى شيء فوق النقد بسبب الصورة المصنوعة حوله، لا بسبب قيمته الحقيقية، ومن
هنا تأتي أهمية بناء العقل الناقد الذي يميز بين قوة الحقيقة وقوة العرض.
لماذا يفشل الولاء المبني على صناعة الوهم؟
تكشف قصة
المختار جانبًا مهمًا من طبيعة القيادة في البيئات المضطربة؛ فالقائد الذي يتحرك
في مجتمع مأزوم يدرك أن الناس لا تحركهم الحسابات العقلية وحدها، بل تتداخل معها
المشاعر والذكريات والمخاوف والآمال.
لكن الفرق بين
القيادة الراشدة والقيادة القائمة على التلاعب هو أن الأولى تستخدم المعاني
الصحيحة لتقوية المجتمع، بينما الثانية تصنع معاني وهمية لضمان الولاء.
إن بناء الولاء
الحقيقي يحتاج إلى العدل والإنجاز والصدق، أما الاعتماد على الرموز المصطنعة فإنه
يجعل الجماعة مرتبطة بصورة وهمية قابلة للسقوط عند انكشاف الحقيقة.
فمن الآفات التي
يجب تجنبها صنَّاع الوهم والذين ربما يزرعون في المجتمع الوهم ويستغلون السذج
وعاطفة الناس لتمرير مخططاتهم وتنفيذها، فابن صياد الذي صُنعت حوله هالة من
الادعاءات والشبهات والربط بالمغيبات حتى افتتن به الناس، فجاءه النبي صلى الله
عليه وسلم لامتحانه وكشف حقيقة أوهامه، فقال له: «إني خبأت لك خبيئاً»، فقال ابن
صياد: هو الدخ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اخسأ فلن تعدو قدرك»(6).
وكان يبلغ النبي
صلى الله عليه وسلم خبره وما يدعيه من الكهانة ويتعاطاه من الغيب، فامتحنه النبي
صلى الله عليه وسلم ليبرز أمره ويختبر شأنه، وهنا يظهر أن القائد الواعي لا يترك
الآفات المجتمعية أو الخرافات تنتشر في المجتمع دون أن يضع لها حداً، بل يسعى إلى إغلاق
باب الانحرافات الفكرية التي لا وجود لها إلا في عقول فاسدة.
ولهذا، فإن
المؤسسات والمجتمعات الحديثة تحتاج إلى قادة يدركون قوة الرمز، لكنهم يوظفونه في
خدمة القيم لا في صناعة التبعية العمياء، فالهوية المشتركة أمر مهم، لكن تحويلها
إلى أدوات تمنع السؤال والمراجعة يفتح الباب أمام الانحراف.
لماذا حل الضرب والترهيب محل الحوار والنصيحة؟
من أبرز
الدلالات التي تكشفها الرواية موقف شبث بن ربعي حين أنكر ما رآه من تعظيم للكرسي،
فكان الرد عليه بالضرب، وهذه اللحظة لا تتعلق بشخص واحد فقط، بل تكشف آلية
اجتماعية تتكرر في كثير من البيئات حين تصبح الفكرة مرتبطة بهوية الجماعة، فيتحول
نقدها إلى تهديد يشعر به الأتباع.
فالمشكلة في مثل
هذه الحالات أن الإنسان لا يدافع عن الفكرة فقط، بل قد يدافع عن انتمائه إليها؛
ولذلك يصبح الاعتراض على الرمز عند بعض الناس كأنه اعتراض على الجماعة نفسها، ومن
هنا يبدأ تراجع التفكير النقدي؛ لأن الخوف من مخالفة السائد يغلب الرغبة في البحث
عن الحقيقة.
إن خولة بنت
ثعلبة رضي الله عنها حين استوقفت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في
الطريق وأغلظت له القول ونصحته، فلما أراد الجارود إسكاتها وقال: «قد أكثرت أيتها
المرأة على أمير المؤمنين»، زجره عمر ورفض إسكات صوتها الناقد، وقال: «دعها.. هذه
امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات«(7)، لا يسعى إلى الإسكات
والضرب ولا التعنيف ومواجهة الكلمة بالسيف إلا أن يكون ضعيف الحجة؛ قد أقام بنيانه
على شفا جرف هار، أما من أقام بنيانه على تقوى من الله واعتصم بحبل الله لا تزعجه
الكلمة، بل يفسح للكمة ويعطي لها مجالاً ويطلب أن يسمعها ولا يعترض على المتكلم.
وقد جاء الإسلام
بتعظيم المراجعة والنصيحة، ولم يجعل مكانة الأشخاص مانعة من بيان الحق، قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «إن الدينَ النصيحةُ، إن الدينَ النصيحةُ، إن الدينَ النصيحةُ»، قالوا:
لمَن يا رسولَ اللهِ؟ قال: «للهِ ولكتابِه ولرسولِه ولأئمةِ المسلمين وعامَّتِهم»(8)،
فالنصيحة ليست خصومة، بل هي وسيلة لحفظ الجماعة من الانحراف.
وفي الإدارة
والتربية والدعوة، تظهر هذه القاعدة بوضوح؛ فالبيئة التي تعاقب صاحب السؤال الصادق
قد تبدو أكثر هدوءًا، لكنها تفقد أهم أدوات الإصلاح، أما المجتمعات والمؤسسات التي
تسمح بالنقد المنضبط فإنها تملك قدرة أكبر على تصحيح الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات.
هل تبرر عدالة القضية استخدام الوسائل الباطلة؟
تظهر الرواية أن
المختار استطاع أن يجمع بين شعور جماعي حقيقي بالظلم والرغبة في الانتقام ممن
شاركوا في قتل الحسين رضي الله عنه، ووسائل رمزية تقوم على ما وصفه الراوي
بالارتباط بالمحال والكذب.
وهنا تظهر قضية
مهمة في دراسة الحركات التاريخية؛ فقد يحمل الإنسان شعارًا يراه مشروعًا، لكن ذلك
لا يعني أن كل الوسائل التي يستخدمها تكون صحيحة، فالأهداف لا تمنح الوسائل حصانة
أخلاقية، ولا يكفي صدق العاطفة لإثبات صحة الطريق.
وقد قرر القرآن
هذا الأصل بقوله تعالى: (وَلَا
تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:42)، فالخلط بين الحقائق والمشاعر يؤدي إلى اضطراب في ميزان الحكم، حيث
يصبح ما يخدم الجماعة مقبولًا ولو كان قائمًا على غير دليل.
ولهذا، فإن
الوعي الشرعي لا يكتفي بالسؤال: ما القضية التي يرفعها الإنسان؟ بل يسأل أيضًا: ما
الطريقة التي يسلكها للوصول إليها؟ وهل يبني مشروعه على الصدق والعدل أم على
استغلال العاطفة؟
متى يتحول التذكر المشروع للآثار إلى غلو؟
من القضايا التي
تكشفها قصة الكرسي قضية تعامل الإنسان مع الأشياء المرتبطة بالدين والتاريخ، فالأمم
تحتفظ بآثارها وذكرياتها، وهذا أمر طبيعي، لأن الإنسان بطبيعته يتأثر بما يذكره
بماضيه ورموزه.
لكن الفرق كبير
بين الاعتبار بالشيء واعتقاد ما لا دليل عليه فيه، فالاعتبار يوقظ المعاني
الصحيحة، أما الغلو فيحول الأشياء إلى بدائل عن الوحي والعلم.
وقد جاءت
الشريعة بسد أبواب الغلو؛ لأن التاريخ يشهد أن كثيرًا من الانحرافات بدأت من تعظيم
أشياء تتجاوز حدودها الطبيعية، قال الله تعالى في وصف قوم نوح: (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ
وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) (نوح:23)، وقد ذكر المفسرون أن هذه الأسماء كانت لأناس صالحين، ثم غلا قومهم
فيهم حتى عبدوهم.
وهذا يبين أن
الخطورة ليست دائمًا في الشيء ذاته، بل في انتقال العلاقة معه من التذكر والاعتبار
إلى التقديس والتعلق الذي يناقض ميزان التوحيد والعقل.
من كرسي المختار إلى خوارزميات المنصات الرقمية
رغم اختلاف
الأزمنة، فإن القاعدة الإنسانية التي تكشفها الرواية ما زالت حاضرة؛ فالأدوات
تغيرت، لكن آليات التأثير بقيت متشابهة، فالإنسان اليوم قد لا يتبع كرسيًا مغطى
بالثياب، لكنه قد يتأثر بصورة مصنوعة، أو مقطع مؤثر، أو شخصية تُقدم باعتبارها فوق
النقد.
الإعلام الحديث
يمتلك قدرة هائلة على صناعة الرموز، ولذلك يحتاج المجتمع إلى وعي يفرق بين الشهرة
والحقيقة، وبين الانتشار والقيمة، وبين التأثير الإعلامي والبرهان.
ومن هنا تظهر
أهمية التربية على التفكير المتزن؛ فالمطلوب ليس رفض الرموز كلها، لأن الرموز جزء
من بناء الهوية الإنسانية، وإنما المطلوب ألا تتحول الرموز إلى أدوات لتعطيل العقل
أو تمرير الأخطاء.
لماذا ينهار الاتباع القائم على الهالة العاطفية؟
تكشف هذه
الحادثة أن أسهل الطرق في جمع الناس قد لا تكون أفضلها، فصناعة الانفعال الجماعي
قد تمنح القائد قوة سريعة، لكنها تحمل في داخلها بذور الضعف؛ لأن الولاء الذي يقوم
على الوهم يحتاج دائمًا إلى مزيد من الوهم حتى يستمر.
أما الولاء
المبني على الثقة والعدل والوضوح فإنه أكثر ثباتًا، لأنه يرتبط بمبادئ لا بأحداث
مؤقتة، إن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه في غزوة «سيف البحر» حين فني الزاد،
لم يربط أتباعه بالأوهام أو الوعود الكاذبة، بل قام بجمع الأزواد والعدل في
تقويتهم تمرة، تمرة؛ بالحق والوضوح حتى قال جابر بن عبدالله في وصف حالهم: «فَكَانَ
يقُوتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلاً قَلِيلاً حَتَّى فَنِيَ»(9)، فبنى
ولاء جنده على الثقة والعدل الصادق.
ولهذا يحتاج
القائد الناجح إلى أن يسأل دائمًا: هل أتباعي مرتبطون بالهدف الصحيح أم بالصورة
التي صنعتها حوله؟ وهل أنا أبني مجتمعًا قادرًا على التفكير أم مجتمعًا يعتمد على
التلقي فقط؟
إن أعظم اختبار
للقيادة ليس عدد من يصفقون لها، بل قدرتها على تحمل السؤال والنقد، لأن الحقيقة لا
تخاف من المراجعة.
العقل القائم على البرهان حصن ضد الوهم
إن قصة الكرسي
في عهد المختار ليست مجرد حادثة من أخبار الفتن القديمة، بل تحمل دلالات تتجاوز
زمانها، فهي تذكر الإنسان بأن الأزمات قد تجعل المجتمعات أكثر استعدادًا لقبول
الحلول السريعة، وأن الحاجة إلى الأمل قد تجعل البعض يتعلق بأي رمز يَعِدُه
بالخلاص.
ومن هنا، فإن
حماية المجتمعات لا تكون فقط بالقوانين والأنظمة، بل ببناء الإنسان القادر على
التمييز، فالعقل الذي يعرف قيمة الدليل أقل عرضة للانخداع، والمجتمع الذي يحترم
النقد أقل قابلية للاستغلال، والقائد الذي يربط الناس بالمبادئ لا بالأوهام يترك
أثرًا أبقى من أي رمز مصنوع.
وهكذا تكشف لنا هذه الرواية أن أخطر ما يمكن أن يصنعه الإنسان ليس مجرد كذبة عابرة، بل منظومة من المعاني الوهمية التي تجعل الجماعة تدافع عن الوهم كما لو كان حقيقة، ولذلك يبقى العلم والبصيرة والرجوع إلى ميزان الوحي من أعظم وسائل حفظ الفرد والمجتمع من الانحراف.
الهوامش
- 1 المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفيّ، يأتي نسبه في ترجمة والده في الكنى ذكره، ابن عبد البرّ، فقال: يكنى أبا إسحاق، ولم يكن بالمختار، كان أبوه من جلّة الصّحابة، ويأتي في الكنى، وولد المختار عام الهجرة، وليست له صحبة ولا رؤية، وأخباره غير مرضية حكاها عنه ثقات مثل الشّعبي وغيره، وكان قد طلب الإمارة وغلب على الكوفة حتى قتله مصعب بن الزّبير بالكوفة سنة 67هـ، وكان قبل ذلك معدوداً في أهل الفضل والخير إلى أن فارق ابن الزبير، وكان يتزيّن بطلب دم الحسين، ويسرّ طلب الدّنيا، فيأتي بالكذب والجنون، وكانت إمارته 16 شهراً.
- 2 السبئية: قالوا بإمامة عليّ، وإنها فرض من الله عز وجل، وهم أصحاب عبدالله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر، وعمر، وعثمان، والصحابة وتبرأ منهم، وقال عبدالله بن سبأ: إن عليًا أمره بذلك، فأخذه عليّ فسأله عن قوله هذا فأقرَّ به، فأمر بقتله.
- 3 سير أعلام النبلاء (3/ 539).
- 4 حياة الصحابة -خروج الصحابة عن الشهوات- بكاء الصحابة عندما اشتهر أنه صلى الله عليه وسلم قتل وما صدر عنهم في وقايته (2/ 321).
- 5 كتاب صفة الصفوة (1/ 364).
- 6 أخرجه مسلم (2930) مطولاً باختلاف يسير
- 7 رواه الإمام عثمان الدارمي في الرد على الجهمية (79)، وذكره الذهبي في العلو (170) عن عمر بن الخطاب.
- 8 أخرجه النسائي (4199) واللفظ له، والترمذي (1926)، وأحمد (7954) باختلاف يسير.
- 9 أخرجه البخاري (5493)، ومسلم (1935).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً