صفات زياد بن أبيه القيادية.. حين غلب العقلُ النسبَ وصنعت الكفاءةُ المجدَ

صفات زياد بن أبيه القيادية.. حين غلب العقلُ النسبَ وصنعت الكفاءةُ المجدَ

قال الذهبي: زِيَادُ بنُ أَبِيهِ، كَانَ مِنْ نُبَلَاءِ الرِّجَالِ رَأْياً وَعَقْلاً، وَحَزْماً وَدَهَاءً وَفِطْنَةً، كَانَ يُضْرَب بِهِ المَثَلُ فِي النُّبْلِ وَالسُّؤْدُدِ.. وَكَانَ كَاتِباً بَلِيْغاً، كَتَبَ لأَبِي مُوْسَى الأَشْعَرِيِّ زَمَنَ إِمْرَتِهِ على البصرة، وَكَتَبَ أَيْضاً لِلْمُغِيْرَةِ، وَلابْنِ عَبَّاسٍ، وَنَابَ عَنْهُ بِالبَصْرَةِ.

تكشف هذه السطور عن شخصية إدارية نشأت في بيئة شديدة التعقيد؛ فالبصرة في صدر الإسلام لم تكن مدينة عادية، بل كانت إحدى أهم حواضر الدولة الإسلامية الناشئة، وميدانًا لتداخل القبائل، وتنوع الثقافات، واتساع مسؤوليات الحكم والإدارة.

وتقدم شخصية زياد بن أبيه نموذجًا تاريخيًا لسؤال متكرر في حياة الأمم: كيف يصعد الإنسان في مجتمع تقاس فيه المكانة أحيانًا بالانتساب، بينما يمتلك هو أدوات أخرى لصناعة التأثير؟ فمسيرة زياد تكشف عن حضور العقل الإداري، وقوة البيان، والقدرة على إدارة الناس والملفات، مع ضرورة قراءة الشخصية ضمن سياقها التاريخي دون تحويلها إلى صورة مثالية مطلقة أو إغفال ما وقع منه لاحقًا من مواقف سياسية محل نقد عند المؤرخين.

كيف انتصر العقل الإداري على النسب الاجتماعي؟

لم تكن البصرة في عصر الخلفاء الراشدين مجرد مدينة جديدة، بل كانت مشروعًا حضاريًا متكاملًا، نشأت بوصفها قاعدة عسكرية ثم تحولت إلى مركز علمي واقتصادي وإداري، وكان واليها يحتاج إلى رجال يفهمون طبيعة المجتمع المتغير، ويجمعون بين معرفة القبائل، وضبط المال، وإدارة الجند، وصياغة المكاتبات، في هذا المناخ ظهر زياد بن أبيه، وكان من الصعب على رجل بلا عصبية قبلية ظاهرة أن ينافس أصحاب الأحساب والأنساب في مجتمع عربي يولي الانتماء الاجتماعي أهمية كبيرة، لكن هذه الظروف نفسها صنعت لديه دافعًا لبناء قيمة أخرى، هي قيمة القدرة، فقد كان طريقه إلى المكانة يمر عبر إثبات أنه الرجل الذي تحتاجه الإدارة، وأن عقله يمكن أن يعوِّض ما فقده من عناصر الحماية الاجتماعية.

والناظر في التربية القرآنية للشعوب يجد أنه لم يجعل النسب معيار التقويم والتفاضل، بل جعل التقوى هي الميزان، حيث قال تعالى: (إِنَّ ‌أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)، وعن أَبِي نَضْرَةَ قال، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا ‌لَا ‌فَضْلَ ‌لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى»(1)، فقد نقل الإسلام معيار التفاضل من العصبية والنسب إلى التقوى والعمل الصالح، وإن بقيت المجتمعات البشرية تحمل اعتبارات اجتماعية مختلفة بحسب الزمان والمكان.

كيف حوَّل زياد بن أبيه النقص الاجتماعي إلى طاقة إنجاز؟

من أبرز الجوانب اللافتة في شخصية زياد قدرته على إعادة تشكيل موقعه النفسي داخل المجتمع، فالرجل الذي لا يملك سند النسب القبلي المعتاد كان أمام خيارات متعددة؛ أن يستسلم لشعور النقص، أو يدخل في صراع دائم مع المجتمع، أو يبحث عن مجال آخر يفرض فيه ذاته، ويبدو من مسيرته أنه اختار طريق الكفاءة، وهذا قريب من مفهوم قرآني عام في بناء الإنسان؛ فالله تعالى يذكر قصة يوسف عليه السلام حين انتقل من حال الاستضعاف إلى التمكين بسبب العلم والقدرة، بقوله عز وجل: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى ‌خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: 55)، فلم يقدم نفسه بالنسب أو القوة المجردة، وإنما بامتلاكه صفتين أساسيتين؛ الحفظ والعلم، وهذا المعنى يظهر في مسيرة زياد؛ فقد بنى قيمته على العقل والكتابة والإدارة.

وعندما نرجع إلى مجتمع الصحابة الكرام نجد أن الصحابي الجليل عبدالله بن أم مكتوم يحول النقص الجسدي إلى طاقة دافعة إلى الإنجاز، حيث لم يمنعه فقدان البصر من أن يكون مؤذناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستخلفه على المدينة إذا خرج للغزو، وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب أصر ابن أم مكتوم على الخروج إلى الجهاد في معركة القادسية، وطلب أن يُسندوا إليه مهمة حمل راية المسلمين، وقال مقولته الشهيرة: ادْفَعُوا إِلَيَّ اللِّوَاءَ فَإِنِّي أَعْمَى لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفِرَّ ‌وَأَقِيمُونِي ‌بَيْنَ ‌الصَّفَّيْنِ(2).

إنه يجسد المعنى الكبير للعبور من النقص إلى الكمال، وتحويل العجز إلى قوة تجلب الانتصار.

وفي الواقع المعاصر، نجد أن كثيراً من أصحاب الإنجازات الكبرى لم يبدؤوا من ظروف مثالية، لكنهم امتلكوا القدرة على تحويل العقبات إلى حوافز للتعلم والبناء، فليست البدايات وحدها التي تحدد مكانة الإنسان، وإنما طريقة استجابته لما يواجهه.

هل تكفي المعلومات في صناعة النجاح الإداري؟

وصف الذهبي، زيادًا، بأنه كان من النبلاء؛ رأيًا وعقلًا وحزمًا ودهاءً وفطنة، وهذه الكلمات ليست أوصافًا مترادفة، بل تحمل طبقات من المعاني:

  • الرأي: القدرة على تصور الحلول قبل وقوع المشكلات.
  • العقل: ضبط النظر وربط الأسباب بالنتائج.
  • الحزم: الانتقال من التفكير إلى التنفيذ.
  • الدهاء: فهم تعقيدات الواقع وموازين القوى.
  • الفطنة: سرعة إدراك ما لا يظهر مباشرة.

وهذه الصفات جوهر الإدارة الناجحة؛ فالقائد لا يحتاج فقط إلى معلومات كثيرة، بل يحتاج إلى قدرة على ترتيب المعلومات وتحويلها إلى قرار.

واستعمال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه لم يكن قائماً على النسب القبلي، أو المكانة الاجتماعية، أو الوفرة المالية، أو حتى السبق في الدين؛ وإنما كان التوظيف بناء على المهارات التطبيقية، ويدل على ذلك ما جاء في حديث الأذان عن عبدالله بن زيد قال لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ، قَالَ: وَتَقُولُ: إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

فَلَمَّا أَصْبَحْتُ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرْتُهُ، بِمَا رَأَيْتُ فَقَالَ: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، ‌فَإِنَّهُ ‌أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ»(3).

واختصاصه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلالاً وعدوله عن ابن زيد الذي رأى الرؤيا، كان للعلة التي ذكرها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: «فإنه ‌أندى ‌منك ‌صوتاً»، قيل: أرفع، ويحتمل أن يكون معناه أحسنُ، ففيه أنَّه يختار للأذان أصحاب الأصوات النَّدِية المستحسنة(4).

وعندما تولى أبوبكر الصديق الخلافة ولّى خالد بن الوليد قيادة الجيش وفيه من أسلم قبله بسنوات، وذلك لما رأى فيه من مهارة عسكرية قادرة على تحقيق الانتصار.

وفي المؤسسات الحديثة، ليست المشكلة دائمًا في نقص المعلومات، بل في غياب العقول التي تحسن تحليلها واتخاذ القرار، فالمعرفة الحقيقية ليست جمع الأخبار، بل امتلاك القدرة على فهمها وتوجيهها.

لماذا يكون الرجل الثاني أحيانًا صانع القرار الحقيقي؟

تكشف سيرة زياد بن أبيه عن نوع مهم من القيادة، وهي القيادة من موقع المساندة قبل القيادة من موقع الصدارة، فكاتب الوالي في ذلك العصر لم يكن موظفًا ناسخًا، بل كان قريبًا من صناعة القرار؛ يكتب المراسلات، ويضبط الملفات، ويعرف دقائق الإدارة، ولهذا فإن قول الذهبي: «وناب عنه بالبصرة» يحمل دلالة إدارية مهمة؛ فالنيابة لا تُمنح إلا لمن بلغ درجة عالية من الثقة والكفاءة، وهذا يذكرنا بقاعدة شرعية وإدارية مهمة: التفويض لا يكون على أساس القرب فقط، وإنما على أساس الأمانة والقدرة، قال تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ ‌الْقَوِيُّ ‌الْأَمِينُ) (القصص: 26)؛ أي قويٌ على العمل، مؤتمن فيه، فاجتماع القوة والأمانة معيار الاختيار الناجح.

وفي الواقع، قد يكون الرجل الثاني في مؤسسة ما هو الأكثر تأثيرًا؛ لأنه يملك المعرفة التفصيلية، ويفهم حركة العمل، ويعرف نقاط القوة والضعف، فليست المكانة دائمًا في الواجهة؛ فقد يكون التأثير الأكبر في موقع الإدارة العميقة للملفات.

كيف وظّف زياد بن أبيه الخطابة والبلاغة في إدارة الجماهير؟

واجه زياد بن أبيه تحديًا اجتماعيًا كبيرًا؛ كيف يدير مجتمعًا قبليًا واسعًا؟ لم يكن الاعتماد على القوة وحدها كافيًا، لأن المجتمعات لا تستقر بالقهر المجرد، وإنما تحتاج إلى هيبة مقنعة ونظام واضح، وهنا يظهر أثر البلاغة التي وصفه بها الذهبي بقوله: «وكان كاتبًا بليغًا»، ونقل عن الشعبي قوله: مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَخْطَبَ مِنْ زِيَادٍ(5)، فاللغة في الدولة ليست مجرد وسيلة نقل، بل أداة قيادة؛ فالخطاب الجيد يوضح القرار، ويجمع الناس، ويمنح السلطة صورة منطقية.

وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم ما للبيان من قوة تؤثر في الناس، فعن ‌عَبْدِاللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «‌إِنَّ ‌مِنَ ‌الْبَيَانِ ‌لَسِحْرًا»، أَوْ «إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ»(6).

وفي عصرنا نجد أن القائد الذي لا يحسن التواصل قد يفشل في إيصال أفضل الأفكار، بينما يستطيع صاحب البيان الواضح بناء الثقة حول مشروعه، فالكلمة ليست زينة للقائد، بل من أدوات صناعته للتأثير.

لماذا يعد القلم أداة سياسية توازي قوة السيف؟

في الدولة الإسلامية المبكرة، كان الكاتب يمثل جزءًا أساسيًا من جهاز الحكم، فالرسائل الرسمية، والعهود، والمكاتبات بين الولاة والخلفاء، كلها تحتاج إلى عقل يعرف كيف يصوغ المعنى، ولهذا ارتبطت البلاغة بالسياسة والإدارة، ولم يكن زياد صاحب قلم فقط، بل صاحب فهم لطبيعة الكلمة وموقعها، فالقلم أداة سياسية توازي قوة السيف.

ومما يدل على أهمية القلم والكتابة في إدارة الدولة الإسلامية المبكرة ما كان من اختيار الخليفة عمر بن الخطاب للسائب بن الأقرع ليرافقه في حسم أمور الغنائم الكبرى، قال الطبري: بعث عمر بْن الخطاب رضي اللَّه عنه السائب بْن الأقرع، مولى ثقيف، وكان رجلاً ‌كاتباً ‌حاسباً، فقال: الحق بهذا الجيش فكن فيهم، فإن فتح اللَّه عليهم فاقسم على المسلمين فيأهم(7).

ففي قوله: «وكان رجلاً كاتباً حاسباً» دليل على أهمية صاحب القلم والحساب في ضبط أمور الدولة المالية والسياسية وتسييرها جنباً إلى جنب مع قادة الجيوش.

وفي الواقع، نجد أن الإعلام المؤسسي اليوم يقوم على المعنى نفسه؛ صياغة الرسالة، وإدارة الخطاب، وبناء الصورة العامة، فمن يملك القدرة على صياغة الأفكار يمتلك جزءًا من القدرة على توجيه الأحداث.

لماذا يبقى أثر الكفاءة بينما تندثر الأسماء الموروثة؟

كشفت شخصية زياد بن أبيه عن نموذج إداري لافت في التاريخ الإسلامي؛ فهو رجل لم يعتمد على عنصر واحد في بناء حضوره، بل جمع بين المعرفة والبيان والحزم وفهم المجتمع، فالمؤسسات لا تقوم فقط على الأسماء الكبيرة، بل على العقول القادرة على تحويل الفكرة إلى نظام، والقرار إلى واقع، والإنسان قد يرث اسمًا، لكنه لا يرث دائمًا أثرًا؛ أما الكفاءة إذا اجتمعت مع الأمانة فإنها تصنع حضورًا يتجاوز حدود الزمن.

والناظر في الأسس الحضارية التي أقام عليها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أصول الدولة الإسلامية الكبرى يجد أنه رفض تفضيل أبناء الخليفة وأقاربه على عامة الناس، بل رفض التفضيل إلا للكفاءة النافعة للإسلام وأهله، فلم يطلب تولية أحد أبنائه من بعده، وقد وصف علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذا الموقف العظيم بقوله: فأخرج منها نفسه وولده، ‌ولو ‌كانت ‌محاباة ‌منه ‌لآثر ‌بها ‌ولده(8).

من خلال ما سبق، يتبين أن الأمم لا تُبنى بالأنساب وحدها، وإنما بالعقول التي تعرف كيف تدير، والكفاءات التي تحسن تحويل المعرفة إلى أثر.

الهوامش
  • 1 مسند أحمد، بسند صحيح (23489).
  • 2 الطبقات الكبرى (4/ 159).
  • 3 سنن أبي داود بسند صححه الألباني (499).
  • 4 إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 240).
  • 5 سير أعلام النبلاء (4/ 476).
  • 6 صحيح البخاري (5767).
  • 7 تاريخ الطبري (4/ 116).
  • 8 تاريخ الخلفاء: السيوطي، ص 138.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة