قراءة تحليلية في سيرة أحد رجال الفتوحات الإسلامية، ودروس القيادة والثبات بعد الابتلاء من اليرموك إلى صفين

هاشم بن عتبة.. قراءة في صناعة القائد عند التحولات الكبرى

هاشم بن عتبة.. قراءة في صناعة القائد عند التحولات الكبرى

هاشم بن عتبة بن أبي وقاص الزهري، ويعرف بـ«المرقال»، من أمراء عليٍّ يوم «صفين»، ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد يوم «اليرموك»؛ فذهبت عينه يومئذ، وشهد فتوح دمشق، وكان معه راية الإمام عليٍّ يوم «صفين»، فقتل يومئذ، وكان موصوفاً بالشجاعة والإقدام، رحمه الله تعالى.

يمثل هذا الخبر المختصر نموذجًا لطريقة كتب التراجم في رسم الشخصيات الكبرى؛ فهي لا تسرد تفاصيل الحياة فقط، بل تلتقط لحظة الاختبار التي يظهر فيها معدن الإنسان، وهاشم بن عتبة (المرقال) يقف في منطقة تاريخية دقيقة؛ فقد جمع بين خبرة جيل الفتوحات الأولى، وتعقيدات المرحلة التي أعقبت اتساع الدولة الإسلامية وظهور الفتن الداخلية.

ومن هنا، فإن قراءة سيرته لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى دراسة الإنسان حين يواجه التحولات الكبرى؛ كيف يحافظ على وضوحه؟ وكيف تتحول الإصابة إلى دافع؟ وكيف يصبح القائد رمزًا يثبّت الآخرين؟

كيف تتغير متطلبات القيادة بين الفتوحات والأزمات الداخلية؟

كان هاشم بن عتبة من رجال المرحلة الانتقالية في التاريخ الإسلامي؛ فقد شهد أجواء الفتوحات الكبرى، وكان حضوره في «اليرموك» وفتوح دمشق شاهدًا على مشاركته في بناء الدولة الإسلامية خارج الجزيرة العربية.

ثم جاء زمن «صفين»، وهي من أكثر مراحل التاريخ الإسلامي حساسية وتعقيدًا، ولم يكن الاشتباك فيها مجرد مواجهة عسكرية، بل كان صراعًا سياسيًا واجتماعيًا بين رؤى مختلفة في إدارة مرحلة ما بعد مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.

في هذا السياق، ظهر موقف هاشم بوصفه موقف رجل اختار موقعه بعد اجتهاد وقناعة، فكان من قادة جيش عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وحمل الراية في المعركة حتى قُتل.

والدرس التاريخي هنا أن الشخصيات لا تُفهم خارج سياقاتها؛ فالقائد الذي ينجح في مرحلة الفتوحات ليس بالضرورة أن ينجح في مرحلة الاضطراب إلا إذا امتلك قدرة على قراءة الواقع والثبات على ما يراه حقًا، فإن قيمة هاشم بن عتبة التاريخية ليست في كثرة المعارك التي شهدها فقط، بل في انتقاله من ميدان الفتح إلى ميدان الأزمة مع بقاء صفة القيادة فيه.

مفهوم «المرقال» وسرعة العزم في تجاوز التحديات الجسدية

من أبرز ملامح شخصية هاشم بن عتبة ما وقع له في «اليرموك» من ذهاب عينه، فالإنسان عادة ينظر إلى فقد جزء من قدرته الجسدية باعتباره خسارة، لكن بعض النفوس تعيد تفسير الألم وتحوله إلى معنى، وهذا المعنى ينسجم مع القاعدة القرآنية في أن الابتلاء قد يكون بابًا للرفعة إذا صاحبه الصبر والثبات، قال تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) (البقرة).

لم تجعل الإصابة هاشم بن عتبة يتراجع عن دوره القيادي، بل بقي حاضرًا في ميادين الأحداث، وهذه صورة من صور الصلابة النفسية؛ إذ لا يعني الإيمان بالقضاء تعطيل الأسباب، بل إعادة بناء الإنسان بعد الصدمة؛ ومن هنا، يمكن فهم لقب «المرقال» بوصفه دالًا على سرعة الحركة والمبادرة، وهي صفة تتجاوز سرعة الجسد إلى سرعة العزم واتخاذ القرار.

وفي واقعنا المعاصر، تظهر هذه القاعدة في حياة أصحاب الخبرات الذين يواجهون خسارة أو فشلًا أو ظرفًا صعبًا؛ فالفارق ليس في وقوع الأزمة، بل في المعنى الذي يمنحه الإنسان لها، فالإنسان القوي ليس من لم يُصب، بل من استطاع أن يجعل إصابته جزءًا من قصة عطائه.

حضور القائد في الميدان.. رسائل صامتة لتثبيت الجند

كان حمل الراية في الجيوش القديمة وظيفة ذات معنى عميق؛ فالراية علامة تجمع، ومركز ثبات، ودلالة على اتجاه الجيش، ولذلك كان حاملها في مقدمة مواضع الخطر.

ويرتبط هذا المعنى بما جاء في السُّنة من عناية النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الراية في «خيبر»، حين قال: «لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» (رواه البخاري، ومسلم)، فالراية ليست مجرد قطعة قماش، وإنما رمز للثقة والمسؤولية.

وعندما حمل هاشم بن عتبة راية عليٍّ رضي الله عنه في «صفين»، فقد كان يقوم بدور نفسي وعسكري في وقت واحد؛ فثبات القائد أمام الصفوف يمنح الجنود قدرة أكبر على الثبات، وهنا يظهر نمط من القيادة يعرف بالقدوة العملية؛ فالقائد لا يطلب من الآخرين ما لا يقدمه بنفسه، حيث إن تقدمه في موضع الخطر كان رسالة صامتة أقوى من كثير من الخطب.

وقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يكون دائماً بين جنوده، بل ومتصدراً في لحظة الخطر، وهو ما وثقته روايات الصحابة رضوان الله عليهم ومنها ما رواه البَراءُ: كُنَّا واللَّهِ إذا احمَرَّ البَأسُ نَتَّقي به، وإنَّ الشُّجاعَ مِنَّا لَلَّذي يُحاذي به؛ يَعني النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم(1).

وفي المؤسسات المعاصرة، يحتاج القائد في الأزمات إلى الحضور لا الاختباء؛ فالعاملون يستمدون الطمأنينة من رؤية المسؤول حاضرًا في الملفات الصعبة، ومن هنا يظهر جلياً أن من أعظم أدوات القائد ليست سلطته فقط، بل قدرته على أن يكون أول من يتحمل تبعات القرار.

كيف تمنع الشخصيات الثابتة انهيار المجتمعات وقت الفتن؟

تتميز أزمنة الفتن بظاهرة اجتماعية خطيرة؛ وهي اضطراب المعايير؛ حيث يكثر التردد، ويصبح كثير من الناس أسرى للضغط العام، وفي مثل هذه الظروف تصبح مواقف الأفراد المؤثرين ذات أثر يتجاوز ذواتهم؛ لأن المجتمع يحتاج إلى نماذج واضحة تمنع الانهيار النفسي.

ولقد كان هاشم بن عتبة يمثل في معسكره صورة الثبات على الاختيار الذي تبناه، فتحول من مجرد مقاتل إلى رمز، وهذه سُنة اجتماعية متكررة؛ أن الجماعات تتأثر بالأشخاص الذين يجسدون القيم أكثر مما تتأثر بالكلمات المجردة، يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ) (آل عمران: 200)، فالرباط ليس فقط في ميادين القتال، بل في معنى الثبات على المبادئ عند اضطراب الأحوال.

وقد رأينا موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه غداة حادثة الإسراء والمعراج، فحين اضطربت معايير المجتمع المسلم وتحول الأمر إلى أزمة وارتد ناس ممن كانوا قد آمنوا وسعوا بالتشكيك، ثبت أبو بكر كالطود وثبت الله المؤمنين بقوله الحاسم: لئن كان قال ذلك لقد صدَقَ، قالوا: أو تُصَدِّقُه أنه ذهب الليلةَ إلى بيتِ المقدسِ وجاء قبل أن يُصبِحَ؟ قال: نعم إني لَأُصَدِّقُه فيما هو أبعدُ من ذلك، أُصَدِّقُه بخبرِ السماءِ في غُدُوِّه أو رَوْحِه(2)، فثبّت به الله الجماعة وسمي «الصِّدِّيق».

وفي واقع الأسرة والتعليم والدعوة، يحتاج الناس إلى نماذج عملية؛ فالأب الذي يثبت عند الأزمة، والمعلم الذي يحافظ على رسالته، والداعية الذي يتحلى بالحكمة، كلهم يحملون راية معنوية، فالمجتمعات لا تستقيم بالأفكار وحدها، بل بأشخاص يجسدون تلك الأفكار.

التربية التي تصنع الرجال.. حين تتقدم المسؤولية على الراحة

إن اختبار صدق الإنسان في تمسكه بمبادئه لا يكون في وقت الراحة، وإنما يظهر صدقه في وقت الشدة والبأس، ومن أبرز المواقف في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم موقف بني هاشم، وبني عبدالمطلب (مسلمهم وكافرهم) عند تصادم راحتهم وعيشهم بمكة مع مسؤولية العهد وحماية النبي صلى الله عليه وسلم، فاختاروا المسؤولية ودخلوا شِعب أبي طالب محاصرين لثلاث سنين، وقطعوا عنهم الأسواق والميرة حتى بلغهم الجهد الشديد واقتاتوا على ما يصلهم سراً تضحية بالراحة في سبيل صدق العهد.

يقول ابن القيم موثقاً لهذا الموقف: «فلما رأت قريش أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلو والأمور تتزايد، أجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم، وبني المطلب، وبني عبد مناف، ألا يبايعوهم، ولا يناكحوهم، ولا يكلموهم، ولا يجالسوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف.. فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم إلا أبا لهب، فإنه ظاهر قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبني هاشم، وبني عبدالمطلب.. وبقوا محبوسين ومحصورين مضيقاً عليهم جداً مقطوعاً عنهم الميرة والمادة نحو ثلاث سنين»(3).

وسيرة هاشم بن عتبة (المرقال) تكشف عن معنى مهم في التربية الإسلامية؛ أن المعرفة الحقيقية ليست معلومات محفوظة، وإنما أثر يظهر عند الاختبار، والصحابة الذين تربوا على يد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن العلم عندهم منفصلًا عن العمل، ولهذا جاءت النصوص القرآنية بمدح الصادقين الذين يثبتون على العهد، قال تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 23).

وهنا لا بد لنا من وقفة؛ لا يعني هذا أن كل موقف تاريخي لا يحتمل النظر أو الاجتهاد، فمرحلة الفتنة من أعقد أبواب التاريخ الإسلامي، وقد اختلف العلماء في تقييم بعض تفاصيلها، لكن الثابت أن شخصياتها كانت تتحرك وفق اجتهادات ورؤى اعتقدت أنها تحقق مصلحة الدين والأمة؛ لذلك، فإن التربية العميقة تصنع إنسانًا يظهر معدنه عندما تتعارض الراحة مع المسؤولية.

لماذا تبقى بعض الشخصيات التاريخية بعد رحيلها؟ 

الأمم لا تبنى بالإنجازات المادية فقط، بل بالرموز التي تختزن المعاني الكبرى، وشخصية هاشم بن عتبة أصبحت جزءًا من الذاكرة التاريخية بسبب اجتماع صفات متعددة؛ الخبرة، والشجاعة، والاستمرار بعد الإصابة، وتحمل المسؤولية، والحضارات تحتاج دائمًا إلى أمثلة بشرية تربط القيم بالواقع؛ لأن القيم المجردة قد تبقى شعارات ما لم يرها الناس في حياة أشخاص، ولهذا فإن دراسة سير الرجال ليست بحثًا عن الماضي فقط، بل محاولة لفهم قوانين بناء الإنسان.

لقد علمتنا الحياة أن التاريخ لا يحفظ الأسماء بسبب طول أعمار أصحابها، بل بسبب قوة المعاني التي حملوها، وقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يخلد موقف شخصية زيد بن عمرو بن نفيل، الذي كان رمزاً إنسانياً حياً في قلب الجاهلية يجسد قيم الحنيفية والرحمة قبل البعثة، فكان يعيب على قريش ذبائحهم للأصنام، ويحيي الموؤودة فيقول للرجل إذا أراد قتل ابنته: «مه لا تقتُلْها أنا أَكفيكَ مؤونتَها فيأخذَها فإذا ترعرعت قالَ لأبيها: إن شئتَ دفعتُها إليْكَ وإن شئتَ كفيتُكَ مؤونتَها»(4)، فيحمي الفضيلة بنفسه، ولذلك لما سأل ولده سعيدٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن مصير والده كما جاء في الحديث الحسن: سأَلْتُ أنا وعمرُ بنُ الخطَّابِ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن زيدِ بنِ عمرٍو فقال: «يأتي يومَ القيامةِ أمَّةً وحدَه»(5).

كيف تصنع البصيرة فارقًا يتجاوز حدود عجز البصر؟

كان هاشم بن عتبة رجلًا فقد عينًا في ميدان المعركة، لكنه بقي صاحب رؤية وعزم، وهذه المفارقة سر بقاء قصته؛ فالعين ترى الأشياء القريبة، أما البصيرة فترى المعاني والغايات.

ومن خلال سيرته نتعلم أن القيادة ليست منصبًا، وأن الشجاعة ليست اندفاعًا، وأن الابتلاء ليس دائمًا نهاية الطريق، فقد يتحول الجرح إلى شهادة، والخسارة إلى خبرة، والموقف الفردي إلى أثر تاريخي طويل، فإن أعظم ما تتركه الشخصيات الكبيرة ليس عدد المعارك التي خاضتها، بل القيم التي بقيت بعدها.

الهوامش
  • 1 رواه مسلم (1776).
  • 2 الحديث متواتر، أخرجه الحاكم (4407)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (2/ 360) واللفظ لهما، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (69) مختصرًا.
  • 3 زاد المعاد في هدي خير العباد (3/ 27)، بتصرف يسير.
  • 4 حديث صحيح أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (3/ 291)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (771)، والحاكم (5859)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (2843) واللفظ لهم.
  • 5 أخرجه أبو يعلى (973)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (775)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (551) واللفظ لهم.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة