نافذة على الأدب العالمي

صمويل جونسون.. نصفُ أعمى أبصر بالأدب

صورة تعبيرية للأديب صمويل جونسون.

في ليتشفيلد بإنجلترا، قريبًا من المدرسة التي تلقى فيها الكاتب جوزيف أديسون (1672-1711م) والممثل ديفيد جاريك (1717-1779م) تعليمهما، وُلد الكاتب الإنجليزي الكبير صمويل جونسون عام 1709 في بيت عتيق متواضع لكنه يحمل جاذبية الزمن القديم.

بدأ صمويل جونسون رحلته مع الآلام مبكرًا؛ إذ أُصيب في سن الثانية والنصف بالتهاب الغدد الليمفاوية الذي كان يسمونه (داء الخنازير). أخذته أمه إلى لندن في رحلة علاج لدى الملكة "آن" معتقدة - كسائر الإنجليز حينها - أن لمستها تشفي. وقد خبَّأت الأم في طيات ملابسها 10 دولارات خوفًا من اللصوص، فقد كانت تلك الدولارات هي كل ما تملك. واشترت الأم لابنها خلال سفرهما كوبًا وملعقة من الفضة ليستخدمهما في الطعام، وقد ظل الكوب معه حتى سنواته الأخيرة قبل أن يضطر لبيعه، في حين بقيت الملعقة معه حتى الوفاة.

لم تنفعه لمسات الملكة بشيء! بل زادت الطين بِلة وأصاب صمويل – إضافة إلى داء الخنازير – عمى نصفي جعله لا يرى لمسافات طويلة، بل لا يمكنه أن يميز صديقًا على بعد مترين، وزاد على ذلك أن وجهَه أصيب بتشوه لافت، فحرمته تلك الحوادث من اللعب مع أقرانه، ولم يجد له تسلية إلا القراءة التي قضى فيها غالب أوقاته.

التعليم بالكعك.. والسياط أحيانًا

قضى جونسون سنوات تعليمه الأولى في مدرسة تديرها الأرملة "دام أوليفر" التي كان لها فضل كبير عليه. وقُبيل رحيله من مدرسته إلى أكسفورد أحضرت له "أوليفر" هدية كانت عبارة عن كعكة زنجبيل، وقالت له مودِّعة: "كنت أفضل تلميذ لدي".

ومن المفارقات العجيبة أنه في مرحلة أخرى في التعليم اضطر إلى أن يتعلم اللاتينية على يد أستاذ قاسٍ عنيف كان يعلمه اللغة بطريقة مزعجة، فيفاجئه بأسئلة تعجيزية مثل أن يسأله - وهو لا يزال مبتدئًا - عن معنى كلمة "الشمعدان"، وبالطبع لم يكن الفتى يجيب، فكان ينهال عليه المعلم بالسوط وهو يخبره أنه يفعل ذلك لينقذه من "حبل المشنقة!".

صمويل جونسون.. ذاكرة من فولاذ

كان صمويل جونسون به بعض السجايا السلبية على رأسها الكسل، وكان يعرف ذلك في نفسه فكان يجاهدها بصفات أخرى إيجابية، فكان طموحه عاليًا للغاية، وهو ما قاده بعد ذلك إلى ما حققه من نجاح، خاصة أنه كان يمتلك عدة مواهب حفزته لذلك على رأسها شغفه العميق بالعلم والمعرفة، ثم ذاكرته الفولاذية المؤهلة.

ومن شواهد تلك الذاكرة – فيما يحكيه - أنه ذات صباح، في أثناء ارتدائه ملابسه، أعطته أمه كتابًا به دعوات وأوصته أن يحفظ بعضها ليصون بها نفسه، لكن ما كادت الأم تصعد السلم وتصل إلى الطابق الثاني في البيت حتى وجدته خلفها يخبرها أنه حفظ الأدعية بعدما قرأها مرتين فقط!

مطاردات الفقر

ترك جونسون الدراسة وعمره ستة عشر عامًا. قضى سنتين يساعد والديه في المنزل وفي الوقت نفسه يواصل تحصيله العلمي الذاتي بجهد كبير. وذات يوم أصاب والده مرض أقعده عن عمله في دكان الكتب في البلدة المجاورة، فطلب الأب من صمويل أن يذهب بدلًا عنه ليباشر العمل، لكن صمويل رفض طلب والده متمسكًا بكبريائه، وهو ما سيندم عليه بعد ذلك!

ولما بلغ جونسون التاسعة عشرة من عمره التحق بكلية "بيمبروك" في "أكسفورد". لكن لم يكن معه ما يكفيه لينفق على نفسه، فاضطر إلى أن يعمل خادمًا في الكلية نفسها لكي يتحصَّل على مصروفاته كما كانت تقتضي اللوائح حينها. واعتاد الشاب أن يذهب يوميًّا إلى صديقه "تايلور" ليأخذ منه المحاضرات التي فاتته، حتى اهترأ حذاؤه من كثرة السير، وبرزت منه أصابع قدمه ورآها المحيطون به، فخجل صمويل أن يذهب بعد ذلك إلى الكلية وانقطع عنها. وفي تلك الأثناء قام أحد الشباب الأثرياء بوضع حذاء جديد أمام حجرته كي يرتديه. لكن صمويل ألقى بالحذاء في كبرياء، فرغم حاجته الشديدة كان يأبى الصدقة. وظل الفقر يلاحقه طيلة أعوامه الثلاثة بالكلية، وبعد تلك المدة لم يعد لديه خيار إلا ترك الجامعة، خاصة وأن والده توفي في ذلك التوقيت متأثرًا بمرضه.

ومن بعد وفاة والده زادت تقلبات حياته وزاد فقره فسعى للحصول على وظيفة، لكن طلبه قوبل بالرفض بسبب دمامته التي قد تكون سببًا في سخرية الطلاب منه، فظل يبحث مجددًا حتى عثر بالفعل على وظيفة جديدة، لكنه لم يطل فيها؛ إذ لقي معاملة سيئة من المحيطين فغادرها بعد أشهر قليلة.

عروس أربعينية

في تلك المرحلة الغريبة التي كان يخرج فيها من تعثُّر فيدخل إلى آخر حتى وصل السادسة والعشرين من عمره صادفَه الحب في طرقات الحياة. الغريب أن المرأة التي أحبها كان أرملة ناهزت الثمانية والأربعين، أي تكبره باثنين وعشرين عامًا! لكن السن لم تقف حاجزًا بينهما؛ حيث عرض صمويل الأمر على أمه فوافقت على زواجهما بعد تردد. ومن الغريب أن ذلك الزواج كان سعيدًا للغاية واستمر حتى وفاة الزوجة.

ومن خلال مال زوجته القليل استطاع صمويل جونسون أن يؤسس مدرسة لتكون هي مشروعه المادي ومعينه على الحياة ليتفرغ معها للكتابة. وأعلن بالفعل عن استقبال الطلاب، لكن مرت الأيام ولم يأتِ إلى المدرسة سوى ثلاثة تلاميذ؛ وبناء عليه أفلس المشروع وأغلق المدرسة.

إلى لندن.. إلى الحلم

وسط ما كان يمر به من حالة يأس شديدة قرر جونسون الرحيل إلى لندن ليختبر قدرته هناك، وليرى هل يمكنه العيش بقدرته على الكتابة؟ ابتلعته المدينة الكبيرة سريعًا، لكنه أحبها رغم أنه كان يعيش بتسعة سنتات في اليوم، ثم لاحت له فرصة عمل فعرض نفسه على أحد الناشرين. لكن الناشر سخر منه وقال: "أفضل عمل لك أن تشتغل حمَّالا وتنقل الحقائب والصناديق للمسافرين". لم يحبطه الأمر بل نَظَم في تلك الفترة قصيدة بعنوان "لندن" تقاضى عنها أجرًا قدره خمسون دولارًا، وكان من بين ما كتبه من شكواه بالحروف الكبيرة " ذوو الطموح يتأخرون إذا أثقلهم الفقر".

وقد لفتت تلك القصيدة الأنظار إلى مقدرته الأدبية، حتى إن الشاعر الإنجليزي الشهير حينها ألكسندر بوب (1688-1744م) طلب من إدارة جامعة "دبلن" أن تمنح جونسون درجة الماجستير الفخرية كي يتمكن من إدارة إحدى المدارس، وليرتفع دخله إلى ثلاثمائة دولار ويتفرغ لإبداعه، فقوبل مقترح "بوب" بالرفض.

لكن من قلب تلك المحن والشدائد برزت روح البطولة والصمود لدى جونسون، وظل الرجل يحاول أن يوجد لنفسه مسارًا على طريق الناجحين. وعندما بلغ الأربعين من عمره نشر قصيدته "بطلان الأماني البشرية" ونال عنها خمسة وسبعين دولارًا وأجمع النقاد على أنها أفضل ما كُتب في بابها بالإنجليزية. ومن أشهر ما جاء في تلك القصيدة وصفه لما يصادف طالب العلم والأدب في هذه الحياة: "تأمَّل ما يتربص بحياة الكاتب من ابتلاءات: الكدح، والحسد، والفقر، والمذلة لصاحب السلطان، وهاجس السجن". وهي تُظهر بوضوح حجم ما قاساه في طريقه، وكذلك مدى صلابته.

نجاح مادي ومسرحية فاشلة

في مرحلة تالية من حياته كتب جونسون مسرحية "إيرين"، وقام بأدائها الممثل الإنجليزي الشهير "ديفيد جاريك"، ونال عنها ألف دولار، لكن المسرحية مُنيت بالفشل في أثناء عرضها لما كانت تحمله من تراجيديا غريبة على المجتمع الإنجليزي. وحين سأله أصدقاؤه عن حاله بعد صدمة الفشل هذه أجاب بثقة: "كالنصب التذكاري"، يعني أنه صامد ثابت لا يهزه الفشل.

ومرت أعوام تعرض خلالها لمرارات كثيرة في لندن، لكن الشهرة بدأت تقترب منه ويدق النجاح بابه بسرعة، بعدما عمل خلال عامين متصلين على إنتاج صحيفة أسماها "رامبلر" حققت نجاحًا وصدى كبيرين. وبحسب تعليقاته فقد كان أجمل ما تلقاه في تلك الفترة من إطراء هو ثناء زوجته عليه وسعادتها بما حققه، عندما قالت له: "لقد بلغت أقصى مراحل الإبداع" فسرَّه كلامها أكثر من أي مديح آخر تلقاه.

رحيل الحبيبة وإنجاز المعجم

لم تكد تمضي ثلاثة أيام على نشر العدد الأخير من المجلة، حتى صُعق جونسون بوفاة زوجته فجأة، فانكمش الرجل على ذاته الحزينة الكسيرة، واعتزل الناس والأمكنة، وألقى بنفسه بين ملفات العمل في قاموسه اللغوي في غرفته العلوية (العلّية) الضيقة متعمدًا بذلك أن يبتعد عن أي موضع في البيت يثير في روحه ذكرى حبيبته، وكان يقول: "في تلك الغرفة تحديدًا لم أرَ زوجتي قط". ومن شدة تعلقه بها وضع خاتم زفافهما في صندوق صغير ظل يحتفظ به إلى نهاية حياته.

وبعد عدة أعوام قضاها في عزلة وعمل ومشقة أخرج صمويل جونسون معجمه الشهير "قاموس اللغة الإنجليزية". وصحيح أنه ربح في مقابله نحو ثمانية آلاف دولار، لكنه اضطر إلى أن ينفق المبلغ كله أجورًا لمساعديه الستة الذين استعان بهم طوال تلك السنوات؛ فظل الفقر يطارده رغم ما حصده من شهرة ونفوذ.

ومن المُفارقات العجيبة أنه بعدما استغنى بنجاحه وشهرته عن دعم الجامعات والشخصيات المرموقة، وهو الدعم الذي كان يرجوه قبل ذلك بأعوام، قامت جامعتا "دبلن" و"أكسفورد" بمنحه درجاتهما العلمية الفخرية، بل إن الملك جورج الثالث دعاه بشكل شخصي إلى زيارة القصر الملكي بحفاوة كبيرة، وكان صمويل قبل ذلك بسنوات قليلة قد سُجن في دَين لا يتعدى ثلاثين دولارًا!

وفي سياق آخر عندما سأله صديقه الرسام "رينولدز (1723-1792م)" عن سر دقته اللغوية الشديدة، وكذلك بساطتها في الوقت نفسه، أجابه أن ذلك نتاج ممارسة طويلة قام بها في كل محفل ومجلس جمعه بالناس.

رواية من أجل الجنازة

كان جونسون في قمة شهرته، وكذلك في قمة احتياجه المادي عندما تلقى خبر وفاة أمه العجوز؛ فلم يكن يملك الرجل الشهير تكاليف جنازتها؛ فعزل نفسه سبع ليالٍ بعيدًا عن الناس، وظل يكتب باتصال حتى استطاع أن يُنجز روايته "راسيلاس"؛ فتقاضى عنها 500 دولار جهَّز بها جنازة أمه التي قال لها في خطاب وداعها: "لقد كنتِ أفضل أم، بل أحسبك أفضل امرأة في العالم، أشكرك على عطفك عليَّ وصبرك، وألتمس منك الغفران عن كل خطأ ظهر مني، وعن كل تقصير تجاهك".

نهاية عند دكان أبيه

بعد أن صار شيخًا كبيرًا وبلغ قمة مجده وعظمته، تذكر أن أباه كان قد طلب منه ذات يوم أن يقف مكانه في دكان الكتب لساعات معدودة، لكن كبرياء صمويل منعته؛ فبعد أن مضى كل هذا العمر ذهب صمويل جونسون إلى موضع الدكان كاشفًا رأسه تحت زخات المطر، وظل واقفًا في الموقع نفسه الذي كان يقف فيه أبوه نحو ساعة كأنه يعاقب نفسه على رفضه القديم مُعرِّضًا نفسه لسخرية المارَّة، معلنًا توبته عما اقترف.

وفي عام 1784م وافى صمويل جونسون الأجل، وهو في الخامسة والسبعين من عمره، ودُفن بمراسم تكريم تليق برحلته الطويلة في الحياة والكتابة وأقيمت له النُّصُب التذكارية في كاتدرائية "القديس بولس" وفي مسقط رأسه بمدينة "ليتشفيلد". وهكذا تحوَّل الصبي الفقير نصفُ الأعمى مشوهُ الوجه إلى أيقونة تَزيَّن بها القرن الثامن عشر الميلادي.

الهوامش
  • 1 هنا يحيا أوليفر جولد سميث (ترجمة) - https://mugtama.com/a/azxN8pB7
  • 2 أحد مقالات الكاتبة الأمريكية سارة بولتون في كتابها (Lives of Poor Boys Who Became Famous)، صدر الكتاب في طبعته الأمريكية الأولى عام 1885 عن دارThomas Y. Crowell & Co. Publishers ثم أعيد نشره عام 1947م، ولم يترجم إلى العربية حتى الآن، انظر أصل الكتاب من ص 34 – 36، مع بعض الاختصارات التي ألزمها التحرير.
الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة