أطفال فقراء صاروا مشاهير... هنا يحيا أوليفر جولد سميث.. سارة بولتون
في كتابها (أطفال فقراء صاروا مشاهير1) تستعرض الكاتبة الأمريكية سارة بولتون (1841-1916) رحلات شائقة على ضفاف الناجحين، من بينهم أصحاب أقلام بليغة رفيعة عانوا كثيرًا من عثرات الأدب وعذاباته لكنهم استطاعوا بعد جهد طويل وعرق نبيل أن يٌفسحوا لأنفسهم مكانًا في عالم الحروف. وكان من بين الذين رصدت المؤلفة حياتهم الكاتب والشاعر الأيرلندي أوليفر جولد سميث (1728 – 1774) صاحب "قس ويكفلد" وقصيدتي "المسافر" و"القرية المهجورة" ومسرحية "تذللتْ لتنتصر".
حياة على الحافة
على شاهد أحد القبور في فضاء هادئ شمال كنيسة فرسان المعبد مباشرة، كُتبت هذه العبارة الصغيرة "هنا يرقد أوليفر جولد سميث". إن مؤلف رواية "قس ويكفيلد" لا يحتاج إلى نصب تذكاري أعظم من ذلك فهو حي في قلوب الجمهور.
وُلد أوليفر جولد سميث في "بالاس" بأيرلندا عام 1728، وكان ابنًا لقس فقير يعمل في زراعة حقول الأثرياء ويساعد في أبرشية خارج نطاق عمله الديني بمقابل 200 دولار في العام يرعى بها أسرته المكونة من زوجة وسبعة أطفال.
وقد واجه الطفل أوليفر الموت حينما بلغ سن السادسة حيث أصابه مرض الجدري وترك ندوبًا في وجهه، وصار بسببها محطًّا لسخرية الفتيان مدة طويلة، وقد بدأ شغفه بالقراءة وهو في الثامنة من عمره، ثم بدأ في كتابة الشعر في هذه السن المبكرة. وقد حاولت أمه بكل السبل أن تُوجِد له مسارًا ليكمل تعليمه الجامعي لكن كانت الفرص ضئيلة للغاية.
وفي أحد الأيام، في حفل أقامه خاله (توماس كونارين) كان بعض الناس يرقصون، فإذ بالصبي يقفز وسطهم ويرقص، فانتبه العازف إلى قامته القصيرة ووجهه ذي الندوب فقال ساخرًا: "إيسوب"(هو صاحب الحكايات الخرافية اليونانية)، فأوجعت كلماته جولد سميث فردَّ على سخريته بسخرية مماثلة؛ حيث صاح: "يا أيها المنادون، نادوا بأعلى صوتكم، ها هو إيسوب يرقص وقرده يعزف"، فانخذل العازف وواصل عزفه.
فرحة لم تتم
كان جولد سميث في حياته الدراسية خجولًا للغاية، لكنه كان متفوقًا باستمرار، وقد أوشك الفقر أن يغادره أخيرًا عندما صار والده يتقاضى أجرًا أعلى، وبالتالي صار الطريق إلى الجامعة ممهدًا بعد طول انتظار. لكن لسوء الحظ تعثر الأمل مجددًا عندما تقدم عريس ثري إلى أخته وصار حتمًا عليها أن تقدم مهرًا 2000 دولار (بحسب الأعراف حينها) فتبَّخرت آمال أوليفر في التعليم.
واضطره الوضع الجديد إلى أن يلتحق بكلية "ترنيتي" كـ"طالب خادم" أي يتعلم ويُعفَى من الرسوم مقابل خدمات يؤديها في الكلية؛ لذلك ارتدى ثوبًا أسود خشنًا بلا أكمام وقبعة حمراء كشارة للخدمة وتولى كنس الساحات وحمل الأطباق، فتعرض بذلك لمعاملة سيئة كادت تفتك بطبيعته الحساسة. وبعد عام ونصف من بداية تجربته هذه توفي والده فجأة فانقطع ذلك الدخل المحدود عنه.
ولتجنب الموت جوعًا كتب جولد سميث الشعر الغنائي وباعه على الأرصفة الشعبية بدولار وربع الدولار، وكان يتسلل ليلًا ليستمع إلى أغانيه على ألسنة هؤلاء. والغريب أنه كان أحيانًا يتقاسم ذلك المبلغ الزهيد مع من هم أشد منه بؤسًا. بل إنه ذات ليلة باردة أعطى أغطيته لرجل لديه خمسة أطفال واستدفأ هو بأن حشر نفسه داخل مرتبته، حتى إنه عندما جاءه صديقه الذي اعتاد أن يُحضر له طعامه صباحًا لم يستطع أوليفر أن يتخلص من حشو المرتبة ليفتح له الباب، فقام صديقه باقتحام الغرفة.
رداء في مقابل الطعام
حصل أوليفر جولد سميث على منحة دراسية فأقام حفلة صغيرة في غرفته ابتهاجًا بهذه المناسبة، لكن انقلبت المناسبة إلى مصدر بؤس بعدما اشتبك مع مُعلم له في الكلية في تلك الحفلة، وقام المعلم بطرحه أرضًا ما جعل جولد سميث يترك الكلية في اليوم التالي، ويتجه إلى مدينة "كورك" وهو لا يملك في جيبه سوى 25 سنتًا، عاش بها ثلاثة أيام، ثم بدأ بعد ذلك ببيع معظم ملابسه تدريجيًّا في مقابل الطعام.
وعلى الرغم من أن جولد سميث لم يكن مؤهلًا للعمل في السلك الكهنوتي بطبيعة شخصيته إلا أن أهله دفعوه إلى ذلك ليوفر له ذلك العمل مصدرًا مأمونًا للرزق، لكن صِغر سنه حال دون قبوله في ذلك المسار فعمل لمدة عامين مساعدًا لأخيه هنري في مدرسة القرية، ثم عاود التقدم للعمل الكنسي لكنه رُفض هذه المرة بسبب مثوله أمام أسقف الأبرشية مرتديًا بنطالًا أحمر!
غناء على أبواب الفلاحين
بعد أن عمل جولد سميث معلمًا خاصًّا لمدة عام آخر أعطاه خاله مئتين وخمسين دولارًا ليستطيع الذهاب إلى دبلن ودراسة القانون، لكنه فور وصوله إلى هناك التقى صديقًا قديمًا أغراه بلعبة الورق فقامر أوليفر وخسر كل ما معه، فعاد إلى خاله مخذولًا معتذرًا عن فعلته. فمنحه مجددًا مبلغًا من المال استطاع أن يدرس به الطب لمدة عام في أدنبرة ثم حصل بعد ذلك على دخل إضافي من التدريس.
ثم تخلى عن ذلك، وسافر إلى إيطاليا ثم فرنسا، فكان يكسب قوته بالتسوُّل بالغناء والعزف على الفلوت أمام بيوت الفلاحين، وبعد ذلك عاد إلى إنجلترا - كان عمره حينها 28 عامًا - ولم يكن يملك سنتًا واحدًا، وهناك عاش وسط متسولي "أكس لين" وعرض نفسه على الصيادلة هناك ليعمل في تجهيز الضمادات أو يدق العقاقير، إلى أن أشفق عليه أحد الصيادلة ووظفه معه.
جولد سميث طبيبًا للفقراء
وأخيرًا استطاع جولد سميث بمساعدة زميل له أن يفتح عيادة طبية، لكن قلة قليلة كانت تأتي إليه لكونه طبيبًا غريبًا عن المكان، كذلك كان المرضى شبه معدمين. وذات يوم كان يفحص أحد العمال فلمحه العامل وهو يضع قبعته على صدره يواري بها رقعة في ملابسه، فأدرك العامل المريض فقر جولد سميث، فحفّزه ذلك أن يخبره بشأن سيده الأديب والناشر (صامويل ريشتاردسون: 1689-1761) صاحب الرواية القديمة الشهيرة "كلاريسا هارلو" وكيف أنه يرعى الأدباء الناشئين ويوفر لهم سبلًا للعيش، فتقدم جولد سميث على الفور إليه. وبالفعل صار يعمل مصححًا مطبعيًّا في "سولزبري كورت" بشارع فيليت ثم عُين بعد ذلك ناقدًا ومراجعًا في إحدى المجلات، لكنه كان ملزمًا أن يعرض عمله باستمرار على ناشر أمِّي وزوجته (مالكي المجلة) فاختلفوا وترك العمل.
مجددًا.. تحت خط الفقر
كان يعيش أوليفر في ذلك الوقت في علِّية (غرفة ضيقة تحت السطح) مثقلًا بالديون حتى إنه لا يجد ثمن اللبن، فاضطر إلى أن يحرر كتابًا من الباطن لصديق له من أيام الجامعة ونُشر الكتاب باسم الصديق، ثم شرع في تأليف كتاب له تحت عنوان (الآداب الراقية في أوروبا) وراسل قريبًا ثريًّا له ليساعده في نفقات نشره لكنه لم يعره اهتمامًا في ذلك الوقت، وهو ما ندم عليه ذلك الثري بعد ذلك، حينما ذاع صيت جولد سميث.
ومع انعدام الفرص في لندن، وعده أحدهم بمنصب في الهند الشرقية، فعاد إليه الأمل مجددًا في غرفته الضيقة في شارع فيليت التي لا تحتوي سوى على مقعد واحد ومحاطة بالأطفال والقاذورات. لكن لم يُوفِ صاحبُ الوعد بوعده فاضطر إلى التقدم إلى اختبار وظيفة مساعد طبيب في مستشفى قريب.
ولأنه لم يكن يملك ملابس نظيفة ليخرج بها إلى الشارع، رهن أجره المرتقب عن أربع مقالات في إحدى المجلات واشترى بدلة جديدة، ثمَّ حضر بها أمام لجنة الاختبار بالمستشفى لكنه رُفض. ومن اللافت أن أوليفر جولد سميث لو كان ظفر بأي من هذه الوظائف واستقر فيها لما عرف العالم عبقريته بعد ذلك.
الطريق إلى الدولار
بعد تلك الصدمة عاد أوليفر إلى غرفته ليكتب، ورهن ملابسه ليدفع للسيدة إيجار غرفته، التي كانت هي نفسها على وشك الطرد من هذا البيت البائس. واستطاع أوليفر في ذلك الوقت أن ينهي كتابه "حياة فولتير" ويبيعه بعشرين دولارًا، ونشر كتابه "الآداب الراقية في أوروبا" دون وضع اسمه عليه، فهاجمه النقاد لمحتوى كتابه الجديد، وحينئذ بزغ نجم أوليفر جولد سميث، ثم أصدر كتابه "مواطن العالم" قدم فيه نقدًا ساخرًا لطيفًا للمجتمع وقد لاقى نجاحًا أيضًا، وصار الدكتور جونسون (المقصود به الأديب الإنجليزي الكبير صمويل جونسون 1709-1784) منذ ذلك الحين صديقًا له وضمه إلى ناديه (النادي الأدبي) مع رينولدز (الرسام الإنجليزي: 1723-1792) وبورك (السياسي والمفكر الأيرلندي إدموند بورك: 1729-1797) وغيرهم من الشخصيات البارزة، وفي ذلك التوقيت نشر جولد سميث قصيدته "المسافر" وحققت مبيعات هائلة.
ومع ذلك التحول الجديد انتقل جولد سميث للإقامة قرب كنيسة فرسان المعبد – وهي الأماكن التي صارت تحمل اسمه فيما بعد – وصار لأول مرة يطل على بساتين وأزهار، ورغم ذلك ظل فقيرًا؛ إذ كان ينفق كل ما يصل إلى يديه من مال بطريقة سفيهة؛ حتى إن مؤجرة سكنه استصدرت ضده حكمًا بالسجن لعدم سداد إيجار غرفته، وما إن سمع الدكتور جونسون ذلك حتى أسرع لزيارته وأعطاه مالًا وأخذ منه مخطوطة "قس ويكفيلد" وباعها لناشر بمائتي دولار. وكان ذلك العمل حصاد جهد كبير وقد استقبله العالم بحفاوة لائقة، وعلى إثر ذلك النجاح صارت بعض مقالاته تُطبع عشرات المرات. فيا له من تحول كبير مقارنة بأيام غرفة السطوح!
وبعد ذلك بخمس سنوات نشر جولد سميث قصيدته "القرية المهجورة" بعد أن قضى عامين يُنقحها حرصًا منه على أن تكون كل كلمة مختارة هي الأفضل من بين المفردات، وفور نشرها قام الألماني جوته (1749-1834) بترجمتها إلى الألمانية؛ حيث كان أحد أشد المعجبين برواية "قس ويكفيلد" لجولد سميث.
ثم ألف جولد سميث كتبًا متوالية في التاريخ، فكتب عن تاريخ إنجلترا والرومان واليونان وعدة مسرحيات كان أشهرها "She Stoops to Conquer" (تذللتْ لتنتصر)، إضافة إلى عدة مجلدات عن "تاريخ الأرض والطبيعة الحية" كان يتقاضى عن كل مجلد 500 دولار إلا أنه رحل قبل استكماله.
نهاية قلم.. وعزاء الفقراء
رغم ترقِّي حاله المادي فقد ظل جولد سميث مثقلًا بالديون ومنهكًا من كثرة الأشغال؛ إذ كان يعمل أحيانًا حتى الصباح ولا يغادر مكتبه لأسابيع متتالية إلى أن توفي وهو في الخامسة والأربعين من عمره، وقد أضناه صراعه مع الحياة.
وحين واراه الثرى في شهر أبريل من عام 1774 ازدحمت باحة "بريك كورت" ودرجات السلم بالفقراء الذين كان يرعاهم ويصاحبهم.
ويقع نصبه التذكاري في زاوية الشعراء بدير "وستمنستر" وهو أعظم تكريم يمكن أن تقدمه إنجلترا لجولد سميث، فصحيحٌ أنها تركته في صراع مع الحياة حتى أوشك أن يموت جوعًا إلا أنها كرّمته في نهاية الرحلة؛ وقد استطاع سميث أن يمد أثره في العالم بجهده الطويل وذوقه الرفيع وطيبته التي تضاهي في جمالها عبقريته العظيمة.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً