علمنة الإسلام.. أكبر من الطلاء السياسي للعلمانية

محمود سلطان

23 ديسمبر 2025

85

ما زالت العلمانية على المستويين المذهبي والحركي تمثل معضلة تخلف مع كل يوم مزيداً من الارتباك والفوضى داخل العقل المسلم، وحتى اليوم، باتت مصدرًا للانقسامات والتجاذبات، بين من يراها حلاً لأزمات المسلمين، ومن يراها الحملة التاسعة من الحروب الصليبية الثماني (1096 - 1291م) على العالم الإسلامي.

الإشكال هنا في كيفية التوفيق بين مكافحة العلمانية من جهة، والتحول الناعم للإنسان المسلم من جهة أخرى، إلى محض ترس في الميكنة العلمانية الجبارة حول العالم؛ يرفض العلمانية ثم ينتظم دون أن يدري في مكوناتها وتفاصيلها اليومية ليمسي وبمضي الوقت وبالتراكم إنسانًا علمانيًاً.

العلمانية ليست طلاءً سياسيًا على طبقة الجلد الخارجية للدولة؛ إنها تجريد الإسلام من فحواه السياسي والتحرري والحضاري والمقاوم، وحصره في حزمة من القيم والأخلاقيات (الدروشة) وحسب، بل إن خطورة العلمانية أنها تسللت حتى مع نسمة الهواء التي يتنفسها العالم، ورئته وتجري في شرايينه مجرى الدم.

في 5 مارس 2019م، أجرى موقع «سويس إنفو» حوارًا مع برونو جوساني، المنسق العالمي لمنظمة «TED» المتخصصة في تنظيم المؤتمرات حول الأفكار الجديرة بالتداول.

لاحظ المحاور تركيزه، خلال الحوار، على عبارة أن التكنولوجيا غير محايدة، فسأله: ماذا تعني بقولك: إن التكنولوجيا ليست محايدة؟

فقال: خذ على سبيل المثال إحدى التقنيات المجانية، كالشبكات الاجتماعية، التي يتم إنشاؤها على أسس سيكولوجية الإقناع أو علم نفس الإقناع من أجل التأثير على المستخدِمين وجعلهم أكثر اعتمادًا أو إدمانًا، بحيث يكون ما يُجمع من المعلومات الخاصة عن الشخص المستخدِم وسلوكه وأفكاره هو الثمن الذي يُدفع نظير الاستخدام، ويتم تصنيف وتبويب تلك المعلومات ثم بيعها لأصحاب الإعلانات الذين يقصفوننا فيما بعد بوابل من العروض الموجّهة، التي هي في العادة تجارية، وقد تكون سياسية أيضاً.

منتجات العلمنة

في العالم العربي والإسلامي، عادة ما نركز على التعريفات والمصطلحات المعجمية والمخططات الثقافية والممارسات الواضحة، وننسى أن العلمنة تتم من خلال منتجات حضارية يومية أو أفكار شائعة، وتحولات اجتماعية تبدو كلها في الظاهر بريئة أو مقطوعة الصلة بالعلمانية أو الإيمانية، ولكنها في واقع الأمر تخلق جواً خصباً مواتياً لانتشار الرؤية العلمانية الشاملة للكون، وتصوغ سلوك مَن يتبناها وتوجهه وجهة علمانية، على حد تعبير د. عبدالوهاب المسيري.

ولقد حاول الأخير أن يشرح لنا -المسلمين- هذا المعنى في أكثر من دراسة، وتكلم عن العلمانية الجزئية والشاملة، ثم تحدث ببراعة شديدة عن أخطر أنواع العلمانية؛ وهي التي سماها «البنيوية الكامنة»، وهي أخطرها على العالم الإسلامي ذاته.

العلمانية البنيوية، وكما أصَّل لها المسيري، كامنة وغير ظاهرة ويستبطنها الإنسان، دون أن يدري؛ ولذا، تجد جماعات ذات أيديولوجيات دينية، يتسم سلوكها ومفردات حياتها اليومية وثقافتها الجمعية بمضامين علمانية مستبطنة وغير ظاهرة.

على سبيل المثال، فإن كلمة المشروع ذاتها التي انتقاها مسلمون لـ«المشروع الإسلامي»، ليس لها أي أصول جينية من الإرث السلفي.

مصطلح «المشروع» تعبير مستورد من ثقافة الرأسمالية الغربية (الأسواق) القائمة على أسس اقتصادية علمانية محضة، والبعض تتبع أصولها، وتبين أنها قادمة من عالم المقاولات التجارية في فرنسا العلمانية.

الكلمة تلك، رغم بساطتها، فإن تتبعها له رمزيته الدالة على تغلغل العلمانية كروح، وبلا وعي، في الضمير الإسلامي الحركي، وهي وحدها تعزز رأي المسيري بأنه قد استغرقنا الخوض في المعنى الاصطلاحي للعلمانية واختزالها في النص الديني المسيحي «دع ما ليقصر لقيصر وما لله لله»، أو «فصل الدين عن السياسة»، أو أنها مؤامرة كونية على العالم الإسلامي، وما شابه، ولا نعي بأنها أسلوب حياة أكبر بكثير من فكرة المشروع الذي ما انفك المسلمون ينافحون عنه.

يقول المسيري شارحاً ذلك ببراعة: إن بعض المنتجات الحضارية التي قد تبدو بريئة تماماً تؤثر في وجداننا وتُعيد صيانة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم، إذ إن أولئك الذين يشاهد أطفالهم «توم وجيري»، ويرتدون «التِّيشيرت»، المكتوب عليه ملصق لكوكاكولا، ويشاهدون الأفلام الأمريكية (إباحية كانت أم غير إباحية)، ويسمعون أخبار وفضائح النجوم ويتلقفونها، ويشاهدون كماً هائلاً من الإعلانات التي تغويهم بمزيد من الاستهلاك، ويهرعون بسياراتهم من عملهم لمحلات الطعام الجاهز وأماكن الشراء الشاسعة؛ يجدون أنفسهم يسلكون سلوكاً ذا توجُّه علماني شامل، ويستبطنون عن غير وعي مجموعة من الأحلام والأوهام والرغبات هي في جوهرها علمانية شاملة دون أي دعاية صريحة أو واضحة.

وربما كان بعضهم لا يزال يقيم الصلاة في مواقيتها ويؤدي الزكاة، ويضيف: ونظراً لعدم إدراك البعض لأشكال العلمنة البنيوية الكامنة هذه، فإنه لا يرصدها؛ ولذا، يُخفق هذا البعض في تحديد مسـتويات العلمنة الحقيقية.

وعلى هذا، فقد يُصنَّف بلد باعتباره إسلامياً (مثلاً) لأن دستور هذا البلد هو الشريعة الإسلامية، مع أن معدلات العلمنة فيه قد تكون أعلى من بلد دستوره ليس بالضرورة إسلامياً ولكن معظم سكانه لا يزالون بمنأى عن آليات العلمنة البنيوية الكامنة التي أشرنا إليها.

تغلغل علماني

خطورة العلمانية إذن ليست في تجلياتها السياسية (فصل الدين عن الدولة) التي شغل بها المسلمون منذ صدور أول تنظير أزهري يؤسس لهذا الفصل، الذي قدمه الشيخ علي عبدالرازق في كتابه الصادم «الإسلام وأصول الحكم» عام 1925م، وإنما -كما قلنا آنفاً- بأنه رؤية شاملة للحياة وللكون، مضامينها الفلسفية تنتقل إلينا عبر أدوات تبدو محايدة مثل نوع الملابس وشكل المنزل والأثاث وأفلام السينما والإعلانات والسيارات والمولات الضخمة والأسواق والبنوك وما شابه، ولا تتم العلمنة على مستوى البيئة الاجتماعية والمادية البرانية وإنما تتغلغل لتصل إلى باطن الإنسان، إلى مستوى عالم الأحلام والرغبات.

وبطبيعة الحال، فإن المسلم الحالي، في بلده أو في غيره، هو جزء من هذه الميكنة العلمنة، وغير منفصل عنها، بالاستبطان والانتظام القسري، في الحياة الجديدة والحديثة التي صنعتها العلمانية، وجعلت الإنسان -أي إنسان- حتى لو كان أكثر المسلمين تشدداً وكراهية للعلمانية، جعلته علمانياً محضاً دون أن يدري!

نظن أن هذه هي مشكلتنا الآن مع العلمانية، أنا وأنت نحتاج إليها لكي نعيش ونأكل ونتنقل ونسافر ونعالج ونتعلم ونمارس حقوقنا المدنية والسياسية والدستورية، ونحتاجها في تعاطينا اليومي مع كل مفردات الحياة في بلدك وفي غيرها!

هذا هو التحدي الكبير والحقيقي للعالم الإسلامي، يتعين أن يكون على رأس أولويات المجددين والمصلحين المسلمين.

إننا لم نتخط بعد هذه العتبة، فيما نواجه اليوم إشكالاً أكبر، يتخفى بهدوء خلف ضجيج العلمانية، وهو ما أسماه المؤرخ ديفيد نوبل «دين التكنولوجيا» الذي هيمن وسيطر على مجمل الشؤون الإنسانية، وعزلنا عن مصادر المعنى والغاية والقيمة المنافسة، ثم استنفد نفسه تاركًا فراغًا ثقافيًا في غيابه.



اقرأ أيضاً:

العلمانية إلى تراجع

نقد العلمانية عند تشارلز تايلور

مصطلح «العَلمانية» بين النظرية والتطبيق.. أوروبا نموذجاً (1 - 3)

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة