علم الشر السياسي.. عندما يتولى المرضى النفسيون السلطة!

جمال خطاب

14 يونيو 2026

131

علم الشر السياسي.. عندما يتولى المرضى النفسيون السلطة!

أمضى عالم النفس البولندي أندرو لوباتشيفسكي سنواته الأولى في معاناة من الاحتلال النازي لبولندا، ثم تلى ذلك مباشرةً المعاناة من وحشية الاحتلال السوفييتي بعد الحرب، وقد دفعته تجربته تلك ومعاناته من هذه الأهوال إلى تطوير مفهوم «الحكم المرضي»، الذي يقع للأمم والشعوب عندما يشغل المرضى المصابون باضطرابات الشخصية (وخاصةً السيكوباتية) مناصب السلطة(1).

علم الشر

كرّس لوباتشيفسكي حياته لدراسة الشر البشري، وهو مجال أطلق عليه اسم «علم الشر»، أراد أن يفهم لماذا يبدو أن الأشرار يزدهرون بسرعة، بينما يكافح الكثير من الأخيار والأخلاقيين من أجل تحقيق النجاح.

أراد لوباتشيفسكي أن يفهم لماذا يصل أصحاب الاضطرابات النفسية بسهولة إلى مناصب السلطة ويستولون على حكومات الدول، ولأنه كان يعيش تحت نظام مرضي، فقد خاطر كثيرًا بدراسة هذا الموضوع، فقد أُلقي القبض عليه وعُذِّب على يد السلطات البولندية، ولم يتمكن من نشر كتابه «علم الشر السياسي» الذي كان بمثابة نتاج حياته، وكتبه في خمسينيات القرن الماضي، إلا بعد فراره إلى الولايات المتحدة خلال ثمانينيات القرن العشرين.

يُعتبر الاستبداد، بلا شك، من أكبر المشكلات التي واجهتها البشرية عبر التاريخ، فالتاريخ عبارة عن سلسلة متواصلة من الصراعات والممارسات الوحشية، حيث تتصارع الجماعات البشرية على الأرض والسلطة والممتلكات، وتغزو بعضها بعضاً ويقتل بعضها بعضاً، وفي استعراضه لمسار التاريخ البشري من العصور القديمة وحتى القرن العشرين، تحدث المؤرخ أرنولد توينبي عن شعور مروع بالخطيئة يتجلى في شؤون البشر.

المرضى يقودون البشرية

هناك رأي يقول: إن هذا لا يعود إلى كون أكثر البشر وحشيين وقساة بطبيعتهم، بل إلى أن قلة منهم -وهم المصابون باضطرابات الشخصية- يتسمون بالوحشية والقسوة، والأنانية المفرطة، وانعدام التعاطف، ولطالما سيطرت هذه الأقلية على السلطة، وتمكنت من إصدار الأوامر أو التأثير على الأغلبية لارتكاب الفظائع نيابة عنها.

السلطة والاضطرابات النفسية

تعاني نسبة قليلة من البشر من اضطرابات الشخصية، كالنرجسية والاعتلال النفسي، ويشعر المصابون بهذه الاضطرابات برغبة جامحة في السلطة، فالشخصية النرجسية تتوق إلى الاهتمام والتأكيد الدائمين، وتشعر بتفوقها على الآخرين وحقها في السيطرة عليهم، كما تفتقر إلى الرحمة والتعاطف؛ ما يجعلها قادرة على استغلال الآخرين وإيذائهم بلا رحمة في سبيل تحقيق طموحها للسلطة.

ويشعر المختلون نفسياً بشعور مماثل بالتفوق وانعدام الرحمة والتعاطف، لكن الفرق الرئيس بينهم وبين النرجسيين أنهم لا يشعرون بنفس الدافع نحو الاهتمام والإعجاب، فإلى حد ما، يُعدّ دافع الإعجاب بمثابة رادع لسلوك النرجسيين، إذ يترددون في فعل أي شيء قد يجعلهم غير محبوبين، أما المختلون نفسياً فلا يكترثون لمثل هذه المخاوف.

الأصحاء لا يرغبون في السلطة

على النقيض، فإن الأشخاص الذين يتمتعون بمستوى عالٍ من التعاطف والرحمة لا يهتمون عادةً بالسلطة، وهؤلاء يفضلون التواجد على أرض الواقع، والتفاعل والتواصل مع الآخرين، بل قد يرفضون عرض منصب رفيع لأنهم يدركون أن المكانة العالية ستعزلهم عن الجماهير (مع أن هذا جزء من جاذبيتها بالنسبة للمريض النفسي المفتقر للعاطفة)؛ لذا، تبقى مناصب السلطة متاحة للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية، أو على الأقل ممن لديهم طموح عالٍ وقسوة جارفة، حتى وإن لم يكن لديهم اضطراب نفسي كامل.

وعلى مر التاريخ، وصل هؤلاء المرضى المضطربون نفسيًا كثيراً إلى القمة، ولكن أحياناً، قيّدت المجتمعات الإقطاعية ما قبل الصناعية وصولهم، إذ كانت السلطة غالبًا ما تُورث بالولادة لا تُكتسب بالجهود الفردية، وقد كان زوال النظام الإقطاعي بلا شك خطوة إيجابية نحو مزيد من المساواة والديمقراطية، لكن كان من آثاره الجانبية السلبية أنه منح المختلين نفسيًا والنرجسيين فرصًا أكبر للوصول إلى مناصب السلطة.

يستخدمون الديموقراطية ثم يحاولون تدميرها

وكما يشير إيان هيوز، في كتابه المهم «العقول المضطربة»، فإن جوهر الديمقراطية محاولة حماية عامة الناس من هذه الأقلية المضطربة نفسيًا، كانت هذه الفكرة المحورية للدستور الأمريكي ووثيقة الحقوق، وقد تم وضع المبادئ والمؤسسات الديمقراطية للحد من سلطة الأفراد ذوي السلوكيات المرضية.

لهذا السبب، كما يشير هيوز أيضًا، يكره القادة المرضيون الديمقراطية(2)، فبمجرد وصولهم إلى السلطة، يبذلون قصارى جهدهم لتفكيك المؤسسات الديمقراطية أو تشويه سمعتها، بما في ذلك حرية الصحافة وشرعيتها. (هذا أول ما فعله هتلر عندما أصبح مستشارًا لألمانيا، وهو ما فعله حكام مستبدون مثل فلاديمير بوتين، وفيكتور أوربان رئيس المجر، وهو أيضًا ما يحاول الرئيس دونالد ترمب فعله).

وعلاوة على ذلك، يعجز القادة المرضى تمامًا عن فهم مبادئ الديمقراطية، لأنهم يرون أنفسهم متفوقين، وينظرون إلى الحياة على أنها صراع تنافسي يستحق فيه الأكثر قسوة السيطرة على الآخرين.

جذب المرضى وطرد الأصحاء

لكن الاعتلال والمرض النفسي في تلك الحالات لا يقتصر على الأفراد فقط، ولكن القادة المرضى، كما أشار لوباتشيفسكي، يجذب دائمًا مرضى آخرين يعانون من اضطرابات نفسية يغتنمون الفرصة لاكتساب النفوذ، وفي الوقت نفسه، ينسحب تدريجيًا الأفراد الذين يتمتعون بالأخلاق والتعاطف والإنصاف، فإما أن يُنبذوا أو يبتعدوا طواعية، مُرتاعين من تفاقم الفساد المحيط بهم، ونتيجة لذلك، تميل الأنظمة الاستبدادية، مع مرور الوقت، إلى الترسخ والتطرف.

وهذا لا يعني أن كل من ينضم إلى حكومة استبدادية يُعاني من اضطراب في الشخصية، فبعض الناس قد يتمتعون ببساطة بطموح عالٍ وانعدام للتعاطف دون أن يُعانوا من حالةٍ مرضية قابلةٍ للتشخيص، بينما قد ينجرف آخرون وراء زعيمٍ مُختلٍّ تتوافق أهدافه مع أهدافهم.

عيوب بالجملة

يُشكّل انجذاب الكثيرين إلى الديماجوجيين والغوغاء ذوي الكاريزما جزءًا كبيرًا من المشكلة، ويتجلى ذلك في جاذبية الرئيس ترمب، رغم عيوبه الواضحة -نرجسيته المُفرطة، وانعدام تعاطفه، ونظرته المُشوّهة والمُضلّلة للواقع- التي تُشير إلى اضطرابه الشخصي، نفسيًا، يُشبه هذا إلى حدٍّ كبير انجذاب المُرشدين الروحيين، الذين غالبًا ما يجذبون ولاءً أعمى من الأتباع، رغم سلوكهم غير الأخلاقي والاستغلالي.

إن انجذابنا إلى الزعماء الروحيين والديماجوجيين دافع متأصل للعودة إلى حالة الطفولة حيث كنا نوقر آباءً نراهم قادرين على كل شيء ومعصومين من الخطأ، وكأنهم قادرون على تحمل المسؤولية الكاملة عن حياتنا وحل مشكلاتنا بطريقة سحرية، في الوقت نفسه، يدفع جنون العظمة القادة المرضى نفسيًا إلى شيطنة الجماعات الأخرى، ويخلق شعورًا مُسكرًا بالهوية الجماعية ذات الهدف المشترك.

الحماية من الحكام المرضى

هل الولايات المتحدة مُعرّضة لخطر الوقوع تحت سيطرة نظام حكم مرضي؟ للأسف، أعتقد أن هذا قد حدث بالفعل.

فعلى الرغم من وجود عرفٍ يمنع علماء النفس من تشخيص الشخصيات العامة بشكل غير رسمي، فقد صرّح العديد من علماء النفس والأطباء النفسيين الأمريكيين علنًا بأن دونالد ترمب يُظهر جميع علامات اضطراب الشخصية النرجسية، وهذا من شأنه أن يُفسّر بالتأكيد شعوره بالعظمة، وافتقاره إلى التعاطف والمبادئ الأخلاقية، وحاجته المُفرطة للإعجاب، وحساسيته للنقد. (وجميعها سمات من سمات اضطراب الشخصية النرجسية).

وقد أشار علماء النفس إلى حالات مماثلة لدى سياسيين آخرين من ذوي النزعة الاستبدادية حول العالم، مثل رودريجو دوتيرتي في الفلبين، ولا شك أن ترمب استقطب سياسيين ومستشارين يفتقرون إلى التعاطف والضمير إلى دائرته المقربة، بينما تم إقصاء الأفراد ذوي المبادئ والمسؤولية أو استقالوا بأنفسهم؛ ما أدى إلى ترسيخ نظام الحكم الاستبدادي.

لكن علينا أن نتذكر أن هذا النظام لا يزدهر إلا بسبب عدم اتخاذنا التدابير الكافية لحماية أنفسنا من القادة المرضى، نحن بحاجة إلى الحفاظ على مؤسساتنا وعملياتنا الديمقراطية وتعزيزها لضمان حماية غالبية الشعب من أقلية من المرضى النفسيين والنرجسيين المتعطشين للسلطة، علينا التأكد من أن ديمقراطيتنا لا تتحول إلى نظام استبدادي.

وعلى المدى البعيد، وكما ذكرت في منشور سابق، نحتاج إلى إجراءات صارمة للحد من الوصول إلى السلطة، ببساطة، لا ينبغي السماح للأشخاص الأكثر تعطشًا للسلطة -وهم الأكثر قسوةً وانعدامًا للتعاطف- بتولي مناصب قيادية، يجب تقييم جميع القادة المحتملين (أو أعضاء الحكومة) بدقة من قبل علماء النفس لتحديد مستويات تعاطفهم ونرجسيتهم أو اضطرابهم النفسي، ومن ثم تحديد مدى ملاءمتهم للسلطة(3).

الهوامش
  • 1 Łobaczewski, A، (2006)، Political Ponerology: A Science on the Nature of Evil Adjusted for Political Purposes، Grande Prairie: Red Pill Press.
  • 2 Hughes, I، (2018)، Disordered Minds: How Dangerous Personalities Are Destroying Democracy، WInchester, UK: Zero Books.
  • 3 المصدر: د. ستيف تايلور، «سايكولوجي توداي».
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة