عن حب «الأقصى» الذي يمكث في الأرض

زياد ابحيص

16 أبريل 2026

96

هذه السطور تأتي لترصد ما لا يجوز أن يغيب ذكره، لترصد المحصلة الأهم بعد إغلاق المسجد الأقصى، لترصد ما يمكث في الأرض ويستمر ويبقى، لترصد ما يأتي بطيئاً، هادئاً لكن واثقاً، لترصد ما لا تحمله العواجل والأخبار.

أغلق الاحتلال أربعين يوماً نعم، ولم يدّخر جُهداً في أن يحول إغلاق «الأقصى» وفتحه إلى محطاتٍ جديدة على منحنى التهويد الذي يحلم به، لكن كثيراً من الريح جاءت بما لم يشتهيه، فما بعد فتح المسجد الأقصى يشهد صحوةً غير مسبوقة على «الأقصى» في الداخل المحتل عام 1948 وفي مدينة القدس، فالمسجد الأقصى ممتلئ في معظم أيامه بالمحبين المشتاقين يقطعون الساعات الطوال إليه في كل يوم، أو يأتي بهم شوقهم من كل أنحاء القدس رغم الحواجز والمشقة ومخالفات السير.

كأنما أيقظ هذا الإغلاق وعي أهل «الأقصى» على الجنة حرموا منها، على أي نعيمٍ كان في المتناول يصلونه وقت ما عزموا لكن الحواجز حالت دونهم ودونه فجأة، فباتوا يشتاقونه ولا يصلونه، لقد أحيا الإغلاق في القلوب والعقول صحوةً على المسجد الأقصى، وعلى شد الرحال إليه، وعلى الرباط فيه، وهذا ما لا ينبغي أن يغيب ذكره.

منذ بدء موسم العدوان على «الأقصى» المتزامن مع الأعياد التوراتية في سبتمبر 2023م، وعلى طول حرب الإبادة وحتى الآن، جفَّت ساحات المسجد الأقصى من المصلين والمرابطين بشكلٍ لم يُشهَد له مثيل منذ سنوات، وبات «الأقصى» وكأنه تحت الحصار سوى في أيامٍ قليلة من رمضان أو بعض الجُمَع حين تحضر فيه أعداد أكبر.

أما في أوقات الاقتحامات؛ وقت الضحى وبعد صلاة الظهر فكانت ساحاته تخلو إلى حدّ سمح للمحتل بأن يستفرد بالقلة المتبقية فيها، فيطردهم نحو الصخرة والجامع القبلي ويمنع تواجدهم في محيط المقتحمين، ويخلي ساحات «الأقصى» للمستوطنين يستفردون بها.

يستفردون بذلك الثرى المقدس ليس من قلة، بل إن من حوله ملايين في أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم وبيوتهم، وفي زنازين سجنهم أيضاً، أما مرابطوه الدائمون فأسماؤهم في القوائم ممنوعون عنه محجوبون عن ساحاته، استفراد تكسره الصحوة المباركة على «الأقصى» التي تشهدها ساحاته هذه الأيام.

على مدى سنواتٍ خلت، لم يكُن يُلحَظ في محيط المقتحمين مصلٍّ أو مرابط، وكانت صور حاخاماتهم في الساحات صافية لهم ولأتباعهم، أما منذ الخميس 9/ 4/ 2026م، فصور المقتحمين لا تخلو من المرابطين والمصلين، ومن أصوات الذكر والتلاوة ومن ضحكات الأطفال وصخبهم.

قد يقول قائل من بعيد: ما نفعُ تلك الأعداد ما دامت لا تمنع الاقتحام؟ لكن من تابع يوميات الاقتحام والعدوان على «الأقصى» في السنوات الثلاث الماضية، يلمس أي فارق بينهما، بين أن يدخل مئات المستوطنين إلى ساحات تعج بآلاف المصلين الذاكرين التالين للقرآن، وأن يخلو «الأقصى» إلا من غناء المستوطنين وطقوسهم؛ يلمس الفارق بين حال شرطة الاحتلال وهي تتجبر بالمصلين حين يكونون عشرات، وحالها وهي تنهر المستوطنين وتستعجل حركتهم حينما تشعر أنهم محاطون بمئات المصلين.

إن كنا لا نملك منع الاقتحام اليوم، فلا أقل من تنغيصه ومراغمته والوقوف في وجهه، لا أقل من الرباط استمساكاً بالحق، وثباتاً عليه رغم العدوان، فمن كان سقفه وعد الله لا يمسُّ قلبَه يأسٌ ولا تنغلق أمامه الآفاق، فوعد الله ناجز لا محالة، إنها مسألة وقت وصبر مهما كان شديد الوطأة في بعض اللحظات.

إن الواجب مع متابعة يوميات العدوان على المسجد الأقصى ومخططات الاحتلال تجاهه ألا تغفل العين عما يقابلها من رباط، فمسيرة المسجد الأقصى شاهدة على أنه كان عنوان رفض وإفشال محاولات الحسم فيه على مدى سنوات.

في عام 2013م كان «الأقصى» عنوان عودة النبض الشعبي إلى الضفة الغربية من بوابة القدس من بعد «انتفاضة الأقصى»، وتمكن المرابطون في الحراك الشبابي من إفشال عدد من الاقتحامات، ثم تلته في عام 2015م «انتفاضة السـكاكين» التي أفشلت سعي نتنياهو لفرض المناصفة الزمنية في «الأقصى»، حين حاول أن يمنع المسلمين من دخول المسجد في الأعياد اليهودية.

أما في عام 2017م، فتمكنت الإرادة الشعبية من تفكيك البوابات الإلكترونية، وفي عام 2019م تمكنت من استعادة «باب الرحمة» بعد أن كاد الاحتلال أن يقضمه، وفي عام 2021م حضرت الإرادة الشعبية لتفرض التراجعات بالجملة في «باب العمود» في مثل هذه الأيام، ثم في حي الشيخ جراح، ثم بإفشال اقتحام 28 رمضان لتدخل المقاومة وتفرق «مسيرة الأعلام» وتفرض إغلاق «الأقصى» أمام المقتحمين لنحو 21 يوماً، وهو ما لم يكن قد حصل منذ عام 2003م.

أما في رمضان 2023م، فانقلب حراك القدس من الرفض إلى الفرض، من منع التصفية إلى فرض الاعتكاف بتوقيت المرابطين والمقاومة، ثم جاءت «طوفان الأقصى» لتبني على معادلة الفرض، أدرك المحتل حينها أن المعادلة تكاد تنقلب، فكان رده التشبث بالحسم ولو بالجريمة والإبادة.

لقد جاءت الإبادة من رحم العجز عن الحسم لا من رحم الاقتدار عليه، لقد بات المحتل مقتنعاً أن هؤلاء الناس لا يُفرض الحسم عليهم إلا بإفنائهم، فحاول الإفناء لكنه لم يطله ولن يطوله بإذن الله.

كما كان «الأقصى» بوابة رفض الحسم وإفشاله على مدى عقود، وكما كان بوابة الانتقال إلى محاولة فرض التراجعات الصهيونية، فإنه اليوم بوابة استعادة الإرادة واستنهاض الروح بعد أن حاول المحتل أن يفرض الحسم بالإبادة، وأن يوظف الإبادة ليقول: إن هذه الروح قُتلت، وإن هذه الإرادة انتهت.

جاء إغلاق «الأقصى» في رمضان ليستنهض القلوب والعقول نحو الأعتاب رغم الإبادة القريبة، وليستنهض صحوة جديدة على الرباط فيه بعد إغلاقه، صحوة لا بد أن تستمر وتزداد لتشق الطريق ما بعد الإبادة، ولتفتح أبواب الأمل رغم الألم.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة