«فتح مكة».. بين ضبط الأعصاب وحماقة الخصم

«فتح مكة».. بين ضبط الأعصاب وحماقة الخصم

حلت ذكرى «فتح مكة» في 20 رمضان، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزّه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجاً(1).

لم يكن فتح مكة فتحاً عسكرياً فحسب، بل كان فتحاً للإسلام ووضع قوانين جديدة في جزيرة العرب، ودروساً عظيمة للأمة عندما تظفر بخصومها، وكيف تضبط أعصابها حالة تملكها القوة والآلة العسكرية دون أن تنجرّ إلى مزلق نشوة النصر، وكيف لها أن توظف الفتح بأكبر المكاسب وتقليص الخسائر.

حكمة الله في فتح مكة

لم تكن عند العرب قيمة أهم من الوفاء بالكلمة والعهد، ولو كلّفت الشخص روحه وماله وأولاده، ومع ذلك لأمر يريده الله، نقض سادات قريش العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم وتحالفوا مع خصومه وهاجموا حلفاءه من خزاعة ليلاً وهم آمنون، وعامتهم صبيان ونساء وضعفاء الرجال، فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهوا إلى أنصاب الحرم(2).

وبهذه الحماقة التي لا يرتكبها حتى الصبيان كانت سبباً في فتح مكة، واستبشر النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاءه مندوب حلفائه من خزاعة، يروي له شناعة ما لاقوه من الغدر.

وقد أخذ الله العيون والأبصار ولم تعرف قريش وهي صاحبة الماكينة الإعلامية الأولى في جزيرة العرب، بشيء من تحركات النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه، حتى داهمهم في 10 آلاف مقاتل.

هذا الجيش الذي لم يجتمع للمسلمين قبله مثل هذا العدد، وصار بيده رقبة قريش، التي كانت تتيه بتاريخها وشرفها وعزّها وحدّها وحديدها وتجارتها، وكأنها بطل المنطقة الذي لا يقهر، باتت بين لحظة وضحاها كلها تحت رحمة سيوف المسلمين.

الدعاية الكاذبة والحماقة الطائشة

أكثر ما يضيّع البلدان والشعوب هو أن يتبنى إعلامها الدعاية الجوفاء، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وهذه سمة ملازمة لكل المنهزمين في كل العصور.

فعند وصول جيش النبي صلى الله عليه وسلم ودخوله مكة منتصراً، اجتمع عدد من الفارّين، الذين لم يتحمّلوا حقيقة الهزيمة ونصر المسلمين، تحت قيادة صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل في الخندمة -جبل بمكة- وكان من بينهم جِمَاش صاحب الصوت الأعلى والأكثر في ترويج الدعاية الكاذبة، وهو نموذج لكل المضلّلين لشعوبهم في كل العصور.

كان جماش يعدّ سلاحاً فقالت له امرأته: لمن تعد هذا؟ قال: لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء، قال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم فإنك محتاجة إليه قالت: ويلك: لا تفعل، ولا تقاتل محمداً والله ليضلن عنك رأيك، لو قد رأيت محمداً، وأصحابه، قال ستري ثم قال:

إن يقبلوا اليوم فمالي علّهْ

هذا سلاح كامل وآلّهْ

وذو غِرَارين سريع السلّهْ

فلما انهزموا رجع مذعوراً إلى منزله ونزل على يدّ بيته دقاً عنيفاً، فقالت له امرأته: أين الذي وعدتني؟ ما زلت منتظرة لك منذ اليوم- تسخر منه- فقال: دعي هذا عنك، وأغلقي عليَّ بابي، ثم قال:

إنك لو شهدت يوم الخندمه

إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمه

لهم نهيت خلفنا وهمهمه

لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه(3)

إن نموذج جماش هو نموذج الإعلامي الكاذب الدعائي، الذي حذرنا منه صلى الله عليه وسلم: «إن الرائد لا يكذب أهله»، وعليه أن ينقل الحقيقة كاملة ومجردة، لا أن ينشر بطولات كاذبة، تؤدي إلى مزيد من هلاك الحرث والنسل.

نشوة النصر

بعد كل التخطيط والأخذ بكل الأسباب ينتظر القائد نتيجة ما خطط ودبّر له، وعند النصر تأتي نشوة الفوز والبطش بالآخر، ولكن ماذا كان المشهد الذي ظهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة بقوة السيف، ودخل في كتيبته الخضراء لا يستطيع أحد أن يراه من كثرة حرسه الحديدي حوله وهو يحيط به؟

هذا المشهد لقائد النصر استوجب الدعم الرباني، ولكن عندما شمخت النفوس بعد شهرين من هذا المشهد في حنين، ونسيت تضرع نبيها وهديه، وغرّها غرور القوة والعدد، كانت الهزيمة أولاً، ليثوب الناس إلى رشدهم.

ولذلك علق الإمام ابن القيم على الواقعتين وربط بينهما بهذه الحكمة الربانية: «واقتضت حكمته سبحانه أن أذاق المسلمين أولاً مرارة الهزيمة والكسرة مع كثرة عدتهم وعددهم، وقوة شوكتهم ليطامن رؤوسا رفعت بالفتح، ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعاً رأسه منحنيًا على فرسه، حتى إن ذقنه تكاد تمس سرجه تواضعاً لربه وخضوعاً لعظمته، واستكانة لعزته، أن أحلّ له حرمه وبلده، ولم يحل لأحد قبله ولا لأحد بعده، وليبين سبحانه لمن قال: «لن نغلب اليوم عن قلة» أن النصر إنما هو من عنده، وأنه من ينصره فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له غيره».

قوة القانون وقانون القوة

عقب النصر تأتي كتابة الفاتح الجديد لما يراه هو لا ما يراه غيره، لكن بعد أن تم فتح مكة وخطب صلى الله عليه وسلم في الناس ليبين لهم شرعتهم وأنه جاء ليحررهم وليس ليفرض عليهم أموراً بسيف القوة، وما جاء في خطبته يكشف عن السلم المجتمعي ويزيد في لُحْمة المجتمع:

  • تحريم الربا.
  • لا وصية لوارث.
  • الولد للفراش وللعاهر الحجر.
  • لا يحل لامرأة أن تعطي من مال زوجها إلا بإذنه.
  • المسلم أخو المسلم، والمسلمون إخوة، والمسلمون يد واحدة على من سواهم.
  • لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده.
  • لا يتوارث أهل ملتين مختلفتين.
  • لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها(4).

 


اقرأ أيضاً:

أهم معالم السياسة الشرعية في «فتح مكة»

غزوة «بدر».. قراءة ملهمة في جمع المعلومات الرقمية

الحرب النفسية في غزوات النبي ﷺ

الهوامش
  • 1 ابن القيم: زاد المعاد.
  • 2 الصالحي: سبل الهدى والرشاد.
  • 3 المقريزي: إمتاع الأسماع.
  • 4 السهيلي: الروض الأنف.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة