فرح أم منافسة؟

حين يتحول الزواج إلى سباق للتفاخر!

حين يتحول الزواج إلى سباق للتفاخر!

كان الزواج فيما مضى مناسبة يلتقي فيها الناس ليشاركوا عروسين فرحتهما، فإذا به في بعض المجتمعات العربية يتحول إلى ميدان للمقارنة؛ من أقام الحفل الأضخم والأكثر إبهارًا؟ ومن استطاع أن يترك تأثيرًا وانطباعًا أكبر؟ لم تعد المناسبة في معناها، بل في صورتها أمام الآخرين، وهكذا تحوّلت «ليلة العمر»، والمفترض أن تكون بداية لحياة جديدة وسعيدة، إلى سباق لإثبات المكانة، وربما تراكمت بعدها الديون، فنكون قد فقدنا المعنى الحقيقي للفرح.

الزواج ليس مسابقة في الإنفاق، وقيمة الإنسان لا تُقاس بفخامة عُرسه، وأجمل الأفراح ليست بالضرورة الأكثر كُلفة، وإنما أكثرها قدرة على أن تترك في النفوس فرحًا، وفي البيوت طمأنينة، والمشكلة ليست في أن يفرح الناس، ولا في أن ينفق المقتدر من ماله في مناسبة زواجه، وإنما في أن يتحوّل الفرح إلى معيار اجتماعي، وأن يصبح التقليد سببًا للاستدانة، بل تأخير الزواج.

وفي التصور الإسلامي، الفرح بالنعمة مشروع، وإظهار السرور بالزواج أمر محمود، شريطة ألا تتحول النعمة إلى وسيلة للمباهاة، وألا يصبح الإنفاق فضيلة لمجرد أنه كثير، فالميزان هو الاعتدال، ومراعاة القدرة، وحفظ المال من العبث.

فاتورة الفرح الباهظة.. من يدفع الثمن؟

في ليلة واحدة قد تنفق أسرة ما يحتاج إليه بيت كامل لسنوات، تنتهي الموسيقى، وتُطفأ الأنوار، وتُزالُ الزينة، وتبقى الفاتورة، قد يبدو الاقتراض من أجل الزفاف قرارًا بسيطًا أمام بريق المناسبة، لكن الحياة الزوجية ليست ليلة واحدة، وإنما سنوات طويلة تحتاج إلى سكن، وأثاث، ونفقات معيشة، وطوارئ، وأطفال ومسؤوليات متزايدة، وحين يذهب جزء كبير من المال إلى ساعات قليلة، قد يبدأ الزوجان حياتهما وهما مدينان جرّاء ما أنفقاه بالأمس.

إنّ من أكثر المفارقات قسوة في واقع الزواج العربي الآن أن يكون الشاب قادرًا على الزواج، لكنه غير قادر على تحمّل تكلفة الصورة الاجتماعية للزواج.

«لا نريد أن ينقص شيء من فرحة ابنتنا»، جملة تبدو بريئة، بل محبة في ظاهرها، فمن ذا الذي يريد أن يرى ابنته ناقصة الفرح في يوم زفافها؟ لكن المشكلة تبدأ عندما تتحوّل عبارة «لا ينقص شيء» إلى قائمة لا تنتهي من الأشياء التي يجب أن تكون موجودة!

من حق الناس أن يفرحوا، ومن الجميل أن يكرموا ضيوفهم، وأن يختاروا ما يناسبهم من مظاهر الجمال، لكن الكرم لا يعني المبالغة، والفرح لا يصح أن يتحول إلى استعراض.

من المسؤول عن صناعة هذا السباق؟

حين نتحدث عن المغالاة في حفلات الزواج، يسهل أن نبحث عن متهم واحد؛ العروس، أو أهلها، أو العريس، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا، إنها منظومة كاملة تتشارك في صناعة هذا السباق، الأسرة قد تضغط خوفًا من كلام الناس، والعروس قد تتأثر بصديقاتها، والعريس قد يخشى أن يبدو أقل من غيره، والأقارب قد يضيفون اقتراحات بحسن نية، ووسائل التواصل الاجتماعي قد تعرض كل يوم نماذج شديدة الفخامة، فيما تعمل صناعة حفلات الزفاف على تقديم المزيد والجديد في هذا المجال، وهكذا لا يكون هناك شخص واحد قرر فجأة أن يبالغ، بل تتكون المبالغة تدريجيًّا من عشرات القرارات الصغيرة، لذلك فإن علاج الظاهرة لا يمكن أن يقوم على لوم طرف واحد؛ فنحن أمام ثقافة تحتاج إلى مراجعة جماعية.

في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد العُرس ينتهي بانتهاء الحفل، فهناك جمهور ينتظر الصور، والمقاطع القصيرة، ولقطات الدخول، والطعام، والهدايا.. إلخ، وكل شيء صار قابلاً للنشر والمشاهدة والتعليق والمقارنة.

وهنا تغيرت طبيعة المناسبة نفسها، لم يعد الناس يحتفلون فقط من أجل أنفسهم وأهلهم، بل أصبح هناك جمهور افتراضي يجب إبهاره، والمشكلة أن وسائل التواصل لا تعرض الحياة كما هي، وإنما تعرض أكثر لحظاتها لمعانًا، نحن المتابعين لا نرى الديون التي خلّفها الحفل، ولا الخلافات التي سبقت المناسبة، ولا القلق الذي عاشته الأسرة، ولا ما إذا كان الزوجان سعيدين أم لا بعد أن أغلقت القاعة أبوابها، نحن نرى الصورة المنتقاة فقط، ومع تكرار هذه الصور يتشكّل وهمٌ بأن هذا هو المستوى الطبيعي للأفراح.

التصور الإسلامي لحفلات الزواج

من الأخطاء التي ينبغي تجنبها عند الحديث عن المغالاة في حفلات الزواج، أن يبدو الخطاب الديني وكأنه ضد الفرح، الإسلام ليس دينًا يحارب البهجة، ولا يطلب من الناس أن يستقبلوا الزواج بالحزن، فالزواج نعمة، ومن الطبيعي أن يفرح المسلم به، وأن يجتمع له الأهل والأصدقاء، وأن يظهروا آثار السرور في حدود المشروع، لكن الإسلام يضع ميزانًا للفرح، فالمال أمانة، والإنفاق ينبغي أن يكون بعيدًا عن الإسراف والتبذير والمباهاة.

ولذلك جاءت النصوص الشرعية لتؤكد الاعتدال، وتحذر من تجاوز الحدود في الاستهلاك والإنفاق، والاعتدال هنا لا يعني التقشف القاسي، إنه يعني إكرام الضيوف دون استعراض لقدرتي المالية أمامهم.

قد يكون الإنسان ميسورًا ويقيم حفلاً كبيرًا دون أن يكون متفاخرًا، وقد يكون قليل المال ويبالغ في الإنفاق طلبًا لنظرة الناس، إن أجمل ما يقدمه التصور الإسلامي للفرح تحريره من أعين الناس، وأن يكون فرحًا رشيدًا بهيجًا، لا يهدم ميزانية الأسرة، ولا يثقل كاهل المقبلين على الزواج، ولا يحوّل النعمة إلى أداة للمفاخرة.

كيف نعالج الظاهرة؟

إننا لسنا بحاجة إلى مزيد من الخطابة والوعظ التي تذمّ هذا السلوك، فكثير من الناس يعلمون ذلك جيدًا، لكنهم يجدون أنفسهم عاجزين أمام العُرف الاجتماعي، يعرف الأب أن الحفل مكلِّف، لكنه يخشى كلام الأقارب، ويعرف الشاب أن بعض المتطلبات ليست ضرورية، لكنه يخشى أن يبدأ زواجه بخلافات.

لذلك، فإن علاج الظاهرة لا بد أن يكون عمليًّا، يمكن للجمعيات الأهلية وأصحاب الأعمال في قطاع تنظيم الأفراح، تقديم مبادرات (الزواج الميسر)، تتضمن نماذج متنوعة وواقعية لأفراح جميلة بتكاليف معقولة، ويمكن للمؤسسات الدعوية والإعلامية الوقوف خلف هذه التجارب وتعظيمها، لا باعتبارها حالات استثنائية، وإنما بوصفها خيارات طبيعية.

ومن الضروري أن تتفق الأسر مسبقًا على سقف واضح للنفقات، وأن يناقشوا هذه الأمور بوضوح منذ البداية؛ حجم الإنفاق، وأوجه الصرف، والأولويات.. وغيرها.

ونحن بحاجة أيضًا إلى وعي ثقافي وشجاعة اجتماعية تقول: إن الزواج ليس ميدانًا لإثبات المكانة، وإن الإنسان لا يصبح أكثر قيمة لمجرد أن حفل زفافه كان أغلى، المطلوب في النهاية ليس إلغاء مظاهر الاحتفال، وإنما إعادة وضعها في حجمها الطبيعي، فالزواج يحتاج إلى فرحة، لكنه يحتاج أكثر إلى بيت قادر على أن يبدأ ويستمر.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة