كيف تنهار علاقة وصلت إلى عتبة باب الزواج؟

جمال سعد

30 سبتمبر 2026

22

كيف تنهار علاقة وصلت إلى عتبة باب الزواج؟

ليس كل زواج يتعثر يبدأ بخلاف بين الرجل والمرأة، أحياناً تكون القصة مختلفة تماماً؛ توافق يبدو مكتملاً، عائلتان دخلتا مرحلة الترتيب، وربما خاتم في اليد وموعد للزفاف يقترب، ثم يحدث شيء ما في اللحظة الأخيرة فيتوقف كل شيء.

في الإمارات مثلاً، سجلت 4 إمارات خلال عام 2025م نحو 519 حالة طلاق، بينها 14 حالة لم تستمر حتى شهر، إحداها وقعت في اليوم نفسه بعد ساعات من عقد القران؛ وهي أرقام تخص زواجاً تم بالفعل، لكنها تفتح سؤالاً أوسع عن تلك المنطقة التي قد تتوقف فيها العلاقات قبل أن تمر أصلاً من عتبة عقد الزواج.

فمَن الذي ينهي القصة عندما يكون الطرفان قد اتفقا؟ هل الأسرة؟ أم المال؟ أم اختلاف المكانة الاجتماعية وما يترتب عليها من عادات تقاليد؟ أم هي معلومة ظهرت متأخرة؟ أو ماضٍ كُشف على غير رغبة؟ أم أن الهاتف و«السوشيال ميديا» أصبحا طرفاً ثالثاً قادراً على إعادة تشكيل العلاقة، فجاء منشور أو تعليق أو صورة ليتفجر الخلاف؟

الأسرة.. صاحبة القرار الخفي

قد تبدأ العلاقة بين شخصين، لكنها سرعان ما تتحول إلى مشروع عائلي كامل، وهنا يمكن أن تتدخل الأسرة بالنصيحة ثم بالملاحظة ثم بالاعتراض، حتى يصبح رأي الأهل أقرب إلى قرار نهائي.

والمشكلة ليست في أن تسأل الأسرة أو تتحقق؛ فهذا جزء طبيعي من مسؤوليتها، وإنما في أن تتحول الحماية إلى وصاية، وأن يصبح اتفاق الشاب والفتاة قابلاً للإلغاء بمجرد ظهور تحفظ عائلي متأخر.

ولذلك، ركز الخبير في العلاقات الأسرية ياسر الحزيمي، على أهمية دور الأهل في دعم العلاقة الزوجية دون ما سماه التدخل السلبي من الأسرتين.

الحزيمي ربط خلال ندوة نظمتها وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة القطرية في أبريل 2025م، نجاح الزواج بالتأهيل النفسي والمعرفي والحوار والتفاهم.

المال.. الفاتورة الأخيرة

قد لا يكون المال حاضراً عندما يقرر الطرفان الارتباط، لكنه يظهر بقوة عندما تبدأ ترتيبات الزواج، وفجأة تتحول العلاقة إلى قائمة من الأرقام؛ مهر، وشبكة، وسكن، وأثاث، وقاعة، وضيافة، وتصوير، وسفر، وهدايا، ومتطلبات قد لا تكون جزءاً من الاتفاق الأصلي.

هذه الأرقام تمثل ضغوطاً على الطرفين قد تؤدي إلى انهيار العلاقة قبل أن تبدأ، وهذا ما أكده لـ«المجتمع» د. نبيل السمالوطي، أستاذ علم الاجتماع، حيث قال: الضغوط التي يواجهها الشباب في تكاليف الزواج ترتبط بالعادات والتقاليد، لافتاً إلى أنها رأس الحربة في انهيار كثير من العلاقات قبل الزواج.

وقال: تفاوت التكاليف بين الأسر يعود إلى عوامل اقتصادية ومنافسة اجتماعية واستعراض، مشيراً إلى أن البذخ في الأعراس أصبح لدى البعض مقياساً للمكانة الاجتماعية.

وأوضح أستاذ علم الاجتماع أن السؤال الصحيح قد لا يكون هل نريد الزواج؟ بل هل نستطيع أن نتزوج بالطريقة التي تريدها الأسرة والمجتمع؟ مشيراً إلى أنه عندما تصبح الإجابة مكلفة أكثر من قدرة الطرفين قد تسقط علاقة ناجحة بسبب فاتورة لم تكن جزءاً من الحب ولا التوافق.

الماضي.. حين يظهر متأخراً

ليس كل ما ينهار في اللحظة الأخيرة جديداً؛ أحياناً يكون قديماً لكنه ظل مخفياً حتى اقتربت العلاقة من الاكتمال، مثل زواج سابق، أو تجربة ارتباط انتهت، أو وضع اجتماعي مختلف، أو معلومة كان أحد الطرفين يظن أن تأجيلها لن يغيّر شيئًا.

لكن المشكلة لا تبدأ دائمًا من الماضي نفسه؛ بل من اللحظة التي يكتشف فيها الطرف الآخر أنه كان يبني قراره على صورة ناقصة.

وتكشف قضية تناولتها صحيفة «الشرق» السعودية في أغسطس 2026م حساسية إخفاء المعلومات المتعلقة بالحالة الاجتماعية؛ إذ نشرت الصحيفة خبراً عن تبرئة سيدة كانت متهمة بإخفاء زواجها أمام القضاء، ونقلت عن المحامية ندى الرميحي أن الحكم انتهى إلى عدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها.

وفي العلاقات العاطفية قد لا يكون السؤال: هل كان لهذا الشخص ماض؟ فالماضي في ذاته ليس بالضرورة عيباً، وإنما السؤال الأصعب: لماذا لم أعرفه إلا الآن؟ فالمعلومة التي كان يمكن أن تُناقش بهدوء في بداية العلاقة قد تتحول إذا ظهرت في اللحظة الأخيرة إلى أزمة ثقة؛ لأن الطرف الآخر لا يعيد تقييم الماضي وحده، وإنما يعيد تقييم كل ما قيل له عن الحاضر.

وهنا يمكن أن تنتهي قصة كان طرفاها متفقين، لا لأن أحدهما اكتشف فجأة أنه لا يريد الآخر، وإنما لأنه اكتشف أن الصورة التي وافق عليها لم تكن الصورة كاملة، ولذلك فبعض العلاقات لا ينهيها الماضي، بقدر ما ينهيها تأخر الحقيقة.

معلومة.. تقلب الصورة

وأحياناً لا يكون الأمر ماضياً عاطفياً أو اجتماعياً، بل معلومة تتعلق بالحاضر نفسه؛ مرض، أو وضع مالي، أو مسؤولية أسرية، أو طبيعة عمل، أو ديون، أو أي حقيقة يمكن أن تؤثر في شكل الحياة المشتركة، وهذا النوع من المعلومات خطير؛ لأنه لا يغير الشخص بالضرورة، وإنما يغير الصورة التي بناها الطرف الآخر عنه.

وفي دليل على خطورة إخفاء بعض المعلومات، نشرت صحيفة «عكاظ»، في يناير 2026م، تقريراً بعنوان «طلاق في ليلة الزفاف.. عملية تكميم تفجّر الخلاف»، رصد حالة عروس سعودية انتهى زواجها بالطلاق ليلة زفافها بعدما اكتشف الزوج أنها أجرت عملية تكميم خلال فترة الخطوبة ولم تخبره بها.

وبينما رأت الزوجة أن العملية شأن خاص ولم تكن مطالبة بالإفصاح عنها ما دام الزوج لم يسأل، اعتبر الزوج إخفاءها خداعاً أثّر في قراره.

وهنا تظهر المشكلة بوضوح، فليست كل معلومة جديدة سبباً لإنهاء العلاقة، لكن توقيت ظهورها وطريقة إخفائها قد يجعلانها أكبر من حقيقتها؛ فالتعارف بطبيعته عملية اكتشاف، لكن اكتشاف معلومة جوهرية في نظر أحد الأطراف بعد أن يصبح الزواج واقعاً قد يجعله يشعر أنه لم يكن يختار الشخص نفسه، بل نسخة ناقصة المعلومات عنه.

«السوشيال».. الطرف الثالث

ربما لم يدخل عامل جديد على العلاقات الحديثة بقوة مثل الهاتف؛ فاليوم يمكن لعلاقة مستقرة أن تتعرض للاهتزاز بسبب متابعة، أو صورة قديمة، أو تعليق، أو محادثة، أو مقارنة بحياة زوجين آخرين، أو حتى بسبب الصورة التي يعرضها الآخرون عن الزواج على الشاشة.

ولم تعد المنصات مجرد مساحة لمشاهدة الآخرين؛ بل أصبحت تصنع أحياناً توقعات جديدة لما ينبغي أن يكون عليه الحب والزفاف ومستوى المعيشة، والأثر لا يقف عند المال أو شكل الاحتفال؛ فالمنصات تقدم أيضاً نماذج جاهزة للحب والاهتمام والاحتفال وطريقة العيش، فيبدأ أحد الطرفين بمقارنة علاقة حقيقية بحياة منتقاة بعناية على الشاشة.

وهنا قد لا يكون ما تغيّر هو العلاقة نفسها، وإنما المعيار الذي تُقاس به العلاقة، فيبدو ما كان مقبولاً بالأمس أقل من المطلوب اليوم، ويصبح الهاتف من حيث لا يشعر الطرفان طرفاً ثالثاً في قصة كان يفترض أن تكون بين اثنين.

الشك.. بداية النهاية

قد تبدأ الحكاية بسؤال بسيط مثل: لماذا يتابع فلانة؟ من هذه؟ لماذا أخفى هاتفه؟ ماذا تعني تلك الرسالة؟ ثم ينتقل السؤال إلى التفتيش، والتفتيش إلى المراقبة، والمراقبة إلى الاتهام.

يقول اختصاصيون: إن العلاقات الناجحة تقوم على الثقة المتبادلة والاحترام والحوار الصادق، وأن التواصل الآمن يساعد على منع تراكم المشاعر السلبية، فقد لا تكون المعلومة التي أثارت الشك هي التي أنهت العلاقة؛ بل الطريقة التي أُدير بها الشك.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: من أنهى القصة؟ فالعلاقات التي تصل إلى باب الزواج قد تسقط بسبب عامل واحد، وقد تتراكم حولها عوامل صغيرة كتلك التي استعرضناها، لكن الفارق الحقيقي هو أن بعض هذه العوامل يمكن اكتشافه ومناقشته مبكراً، بينما يصبح خطراً عندما يظهر بعد أن يظن الطرفان أن القصة قد حُسمت.

فالزواج لا ينتهي دائماً لأن الطرفين كانا غير مناسبين؛ أحياناً ينتهي لأن أطرافاً وعوامل أخرى ومعلومات جديدة دخلت القصة متأخرة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة