فساد العامة من فساد الخاصة .. كيف تنهار المجتمعات
قال المسيّب بن واضح: صحبت ابن المبارك مَقْدِمَهُ مِنَ الحَجِّ فقال لي: يا مسيّب، ما أُتيَ فسادُ العامة إلا من قبل الخاصة، قلت: وكيف ذاك رحمك الله؟ قال لأنّ أمة محمد صلى الله عليه وسلم على طبقات خمس:
فالطبقة الأولى هم الزهاد، والثانية العلماء، والثالثة الغزاة، والرابعة التجّار، والخامسة الولاة. فأما الزهاد فهم ملوك هذه الأمة، وأما العلماء فهم ورثة الأنبياء، وأما الغزاة فهم سيوف الله عز وجل، وأما التجار فهم الأمناء، وأما الولاة فهم الرعاة. فإذا كان الزاهد طامعا فالتائب بمن يقتدي؟ وإذا كان العالم راغبا فالجاهل بمن يهتدي؟ وإذا كان الغازي مرائياً فمتى يظفر بالعدوّ؟ وإذا كان التاجر خائناً فعلام يؤتمن الخونة؟ وإذا كان الراعي ذئباً فالشاة من يحفظها؟. «التذكرة الحمدونية»
بيان وفوائد:
قيل إن خير الكلام ما قل ودل، وتلك الدرر التي نسبت إلى عبد الله بن المبارك من الكلمات الجامعة التي تمثل تشخيصاً دقيقاً لطبقات المجتمع وما يطرأ عليها من أدواء تؤثر في عموم الناس، إن صلحت هذه الطبقات صلح الناس، وإن فسدت فسدوا، وذلك كما قال: «ما أُتي فساد العامة إلا من قبل الخاصة».
وفالجملة تمثل أصلاً مهمّاً من أصول العمران الإنساني، وهو أن الناس يتأثرون بمن يقودهم ويوجههم أكثر مما يتأثرون بالكلام المجرد أو القوانين وحدها.
فالزهاد ـ في نظره ـ هم “ملوك الأمة”، لا لأنهم يملكون السلطة أو المال، وإنما لأنهم يملكون القلوب. فالناس مفطورون على تعظيم من زهد فيما بأيديهم، ومن أعرض عن الدنيا طلباً لما عند الله؛ ولذلك فإن الزاهد حين يطمع في الدنيا يفقد قيمته التربوية، ويضيع النموذج الذي يقتدي به التائبون والمقبلون على الله، ومن هنا جاء قوله: «فإذا كان الزاهد طامعاً فالتائب بمن يقتدي؟».
ثم ينتقل إلى العلماء، ويصفهم بأنهم “ورثة الأنبياء”، وهي منزلة عظيمة تدل على أن وظيفة العالم ليست جمع المعلومات فحسب، بل حمل الهداية وحفظ الدين وتوجيه الناس.
ولهذا كان فساد العالم من أخطر أنواع الفساد؛ لأن انحرافه لا يقف عند نفسه، بل يمتد إلى من يأخذ عنه ويتبعه. فإذا صار العالم طالباً للدنيا أو الشهرة أو المناصب، فمن الذي سيهدي الجاهل ويرشده؟ ولهذا قال: «وإذا كان العالم راغباً فالجاهل بمن يهتدي؟».
فالعلم حين يفقد إخلاصه يتحول من وسيلة هداية إلى وسيلة تضليل وتسويغ للظلم والظالمين.
وفي حديثه عن الغزاة أو المجاهدين، يلفت النظر إلى قضية الإخلاص، فيقول: «وإذا كان الغازي مرائياً فمتى يظفر بالعدو؟». فهو يقرر أن القوة الظاهرة وحدها لا تكفي لتحقيق النصر، وأن الرياء يفسد حتى الأعمال العظيمة. فالقضايا الكبرى لا تقوم على المظاهر والشعارات، وإنما تقوم على صدق المقاصد وصفاء النيات.
أما التجار، فقد وصفهم بالأمناء، لأن الاقتصاد لا يستقيم إلا بالثقة بالإضافة إلى الكفاءة والمهارة. فالتجارة في حقيقتها ليست تبادل سلع فقط، بل تبادل اطمئنان وأمانة كذلك. وإذا فُقدت الأمانة وانتشرت الخيانة، ضعفت الثقة بين الناس وفسدت المعاملات؛ ولذلك قال: «وإذا كان التاجر خائناً فعلام يؤتمن الخونة؟».
وكأن ابن المبارك يربط بين الأخلاق والاستقرار الاقتصادي ربطاً مباشراً، فيجعل الصدق أساساً من أسس العمران.
ثم يختم بالولاة، ويصفهم بالرعاة، وهي كلمة تختصر فلسفة الحكم في التصور الإسلامي؛ فالوالي ليس مالكاً للناس، وإنما مسؤول عن حفظهم والقيام بمصالحهم. ولهذا جاء التشبيه الصادم في قوله: «وإذا كان الراعي ذئباً فالشاة من يحفظها؟». فهو يصور الحاكم الفاسد بصورة الذئب الذي كان يُفترض فيه الحماية، فإذا به يتحول إلى مصدر الخطر نفسه. وهذا كلام بليغ في بيان أثر فساد السلطة على أمن المجتمع واستقراره.
والتأمل في هذا النص يكشف أن ابن المبارك كان ينظر إلى المجتمع بوصفه بناءً متكاملاً، تتساند طبقاته ويتأثر بعضها بالبعض. فإذا فسدت طبقة القدوة ضاعت التربية، وإذا فسدت طبقة العلم ضاعت الهداية، وإذا فسدت طبقة القوة ضاع النصر، وإذا فسدت طبقة المال ضاعت الثقة، وإذا فسدت طبقة الحكم ضاع الأمن. ولهذا كان فساد الخاصة أخطر من فساد العامة؛ لأن الخاصة ليست مجرد فئة من الناس، بل هي مصدر التأثير والتوجيه.
كما أن جمال النص لا يقف عند معانيه فقط، بل يظهر أيضاً في أسلوبه البلاغي. فقد بنى ابن المبارك كلامه على صور قوية واستفهامات متتابعة تهز النفس وتدفعها للتفكير:
«فالجاهل بمن يهتدي؟»، «فمتى يظفر بالعدو؟»، «فالشاة من يحفظها؟». وهذه الأسئلة لا تنتظر جواباً؛ لأن الجواب معروف ضمناً، لكنها تُستخدم لإبراز خطورة الخلل وتعظيم أثره.
وفي النهاية، فإن هذه الكلمات ليست مجرد حكمة تاريخية تُروى، بل هي وصف دقيق لقانون اجتماعي يتكرر في كل زمان: أن صلاح المجتمعات يبدأ من صلاح أهل التأثير فيها، وأن الناس ـ مهما قيل عنهم ـ يظلون انعكاساً لما تبثه النخب من قيم وسلوك وأفكار. ولذلك كان إصلاح الخاصة من أعظم أبواب إصلاح العامة، وكان فسادهم من أسرع الطرق إلى انهيار الأمم واضطرابها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً