من الأحنف إلى أمير المؤمنين معاوية.. أنت الزمان!
سأل الخليفة
معاويةُ بن أبي سفيان رضي الله عنه الأحنفَ بن قيس عن الزمان، فَقَالَ: أنت الزمان؛
فإن صَلَحْتَ صَلَح، وإن فسدت فسد.
بيان وفوائد
أولًا: السياق التاريخي والفكري لهذه المقولة:
نُسب هذا القول
إلى الأحنف بن قيس، أحد عقلاء العرب وحكمائهم، حين سأله معاوية بن أبي سفيان عن
حال الزمان، ونسبه البعض إلى آخرين، في زمان آخر، والسؤال في ظاهره سؤال عن
تقلّبات الدهر، لكنه في عمقه سؤالٌ سياسيّ وأخلاقيّ عن سبب صلاح الأحوال أو
فسادها، خاصة أن معاوية كان حاكمًا، والزمان في نظر الناس كثيرًا ما يُلام على
الظلم والفساد.
ثانيًا: المعنى الظاهر:
المقولة تعني أن
الزمان ليس كيانًا مستقلًا فاعلًا بالخير أو الشر، والحاكم (أو الإنسان المؤثر) هو
الذي يُكسب الزمان صفته؛ فإن كان العدل والحكمة أساس حكمه، بدا الزمان صالحًا، وإن
كان الظلم والفساد أساسه؛ فسد الزمان في أعين الناس وواقعهم.
ثالثًا: المعنى الفلسفي والأخلاقي:
1- نفي الجبر
والقدرية الزمنية: الأحنف ينفي فكرة أن الزمان هو المسؤول عن خراب الأحوال، ويُعيد
الفعل إلى الإنسان، وتحديدًا من يملك السلطة والتأثير.
2- تحميل
المسؤولية للفاعل لا للظرف: المقولة تقرر مبدأ أخلاقيًا مهمًا؛ أن الظروف لا تُصلح
ولا تُفسد بذاتها، بل الإنسان هو من يفعل ذلك من خلال قراراته.
3- مركزية
القيادة في صناعة الواقع: الزمان هنا رمزٌ للعصر والنظام العام، ومعناه أن صلاح
الأمة من صلاح قائدها، وفسادها من فساده.
رابعًا: الدلالة السياسية:
المقولة خطابٌ
غير مباشر للحاكم، فيه نصح جريء دون مواجهة صدامية، وتُظهر وعي الأحنف بفنّ النصح
للسلطان؛ فلم يُهاجم، ولم يُجامِل، بل وضع معاوية أمام مسؤوليته التاريخية.
وفيها تأكيد أن
الحاكم هو مرآة عصره، والتاريخ سيحكم عليه من خلال أثره في الناس.
خامسًا: التحليل البلاغي:
1- الأسلوب: أسلوب
حِكميّ موجز، يقوم على الشرط والجزاء، والإيجاز الشديد أكسب العبارة قوة وعمقًا.
2- المقابلة: صلحت
/ فسد: مقابلة تُبرز التضاد، وتُرسّخ المعنى في الذهن.
3- التشخيص: شُخِّص
الزمان وكأنه كائن حيّ يَصلُح ويَفسُد، ثم نُزع عنه الفعل الحقيقي وأُعيد إلى
الإنسان.
سادسًا: القيم المستفادة:
1- المسؤولية
الفردية في صناعة الواقع.
2- العدل أساس
العمران.
3- رفض تعليق
الفشل على الزمن أو القدر.
4- أهمية
القيادة الأخلاقية.
5- الشجاعة
الحكيمة في قول الحق.