فقه البصيرة في زمن التضليل الإعلامي
في زمن تتسارع
فيه الأخبار، وتتشابك فيه الروايات، ويُبنى كثير منها على أسس ودوافع سلبية؛ أصبح
التضليل الإعلامي أحد أخطر التحديات التي تواجه وعي الإنسان والمجتمع، ولم يعد
الخطر مقتصرًا على الكذب الصريح، بل اتسع ليشمل التلاعب بالسياق، وانتقاء
المعلومات، وصناعة الانطباعات الموجَّهة.
من هنا تبرز
الحاجة إلى فقه البصيرة، بوصفه ملَكَة فطرية وشرعية وعقلية تجمع بين نور الوحي
ودقة الفهم وحسن التقدير، فالبصيرة ليست مجرد معرفة المعلومة، بل القدرة على تمييز
الحق من الباطل، والصواب من المزيَّف، وقد أرشد القرآن إلى هذا المنهج؛ (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو
إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف: 108)،
ويغدو فقه البصيرة اليوم ضرورة لحماية العقول، وصيانة القيم، وحفظ وحدة المجتمعات
من الاستقطاب والفتن، وهو فقه يوازن بين حسن الظن والوعي، وبين الانفتاح والحذر،
دون انسياق أو انغلاق، وتأتي أهمية تأصيل هذا المفهوم وبنائه في الوعي الفردي
والجماعي، ليكون درعًا أمام التضليل، وبوصلة في زمن الالتباس.
التثبُّت وتحرِّي الحقيقة قبل التلقِّي والنقل
أوجب الدين
الحنيف قاعدة شرعية أصيلة في مواجهة التضليل، وهي التثبّت وعدم الاستسلام لسطحية
الخبر أو سرعة انتشاره، وخصوصًا في ظل الضخ الإعلامي الكثيف، إذْ تصبح العجلة في
التلقِّي والنقل مدخلًا للوقوع في الوهم وخدمة التضليل بقصد ودون قصد، لذلك جعل
التبيُّن شرطًا قبل الحكم أو الموقف؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ
فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا
فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6).
«تثبتوا- أيها
المؤمنون- من صحة خبر الفاسق، لئلا تصيبوا قومًا بما يؤذيهم، والحال أنكم تجهلون
حقيقة أمرهم، أو خشية أن تصيبوا قومًا بجهالة، لظنكم أن النبأ الذي جاء به
الفاسق حقًا، فتصيروا على ما فعلتم مع هؤلاء القوم نادمين ندمًا شديدًا، بسبب
تصديقكم لخبر الفاسق بدون تبيُّن أو تثبُّت.. وبهذا التحقق من صحة الأخبار؛ يعيش
المجتمع الإسلامي في أمان واطمئنان، وفي بُعد عن الندم والتحسر على ما صدر منه من
أحكام»(1).
وحذَّر النبي
صلى الله عليه وسلم ومن الكذب وتحرِّيه، مقابل الحث على الصدق وتحرِّيه، وبيَّن
نتيجة كل مسار؛ «إيَّاكُم والكذِب، فَإنَّ الكذِبَ يَهدي إلى الفُجُور، وإن
الفُجور يهدي إلى النار، وإن الرجُلَ ليكذب ويتحَرَّى الكذِب حتى يُكتبَ عند
اللهِّ كذَّابًا، وعليكم بالصدق، فإنَّ الصدْقَ يَهدي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ
يَهْدي إلى الجنَّة، وإنَّ الرَّجُل ليصدُق ويتحرَّى الصدقَ حتى يُكْتب عند الله
صدِّيقًا»(2).
بل حذَّر من
الظن لأنه يؤدي إلى الكذب؛ «إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَديثِ»(3)،
وحرصًا على التحرِّي والمصداقية وجَّه فقال: «كَفَى بالمرءِ كذِبًا أن يحدِّثَ
بِكُلِّ ما سمِعَ»(4)، «لأن كثْرة الكلام تُكثِر من سَقَطات اللسان،
كما أن الإنسان يسمع عادة الصدق والكذب؛ فإذا حدَّث بكل ما سمع فلا بد أن ينقل
كلامًا غير صحيح»(5).
وفي إطار ضبط
اللسان الأداة الأكثر خطرًا يبيِّن النبي صلى الله عليه وسلم أن «المُسْلِمُ مَن
سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ»(6)، «وقدَم اللسان في
الذكر لأن التعرض به أسرع وقوعًا وأكثر»(7)، وكل هذه التوجيهات
والقواعد الشرعية تضع حدًا للفوضى المعلوماتية، وضرورة التأنِّي في نقل الأخبار
وفي اتخاذ القرارات المصيرية.
الميزان القيمي في قراءة الخطاب الإعلامي
التوجيه
الإسلامي يؤسِّس لفهم واعٍ مفاده أن البصيرة لا تكتمل إلا بميزان قيَمي يضبط الحكم
على المحتوى الإعلامي، لا بالمعلومة المجردة وحدها، ولذلك كان الاعتدال من
الموازين التي وفَّق الله لها هذه الأمة (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) (البقرة: 143)،
فالوسطية ميزان يمنع التهويل والتفريط معًا، كما حذَّر القرآن من اتباع الهوى في
التلقي والتفسير: (وَلَا
تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) (ص: 26).
وهكذا سار
الصحابة بناء على القيَم وموازين التثبُّت، بعيدًا عن الضجيج أو ضغط الواقع أو
تحفيز الأهواء، ومن موازين العدل الالتفات إلى الذات واتهامها بالنقص وافتراض أن
ما ستقوله للآخر وتحكم به عليه؛ هو فيك أولًا، وبذلك ترى أين سيقع محله من الآخر
حين ترسله عليه؛ (لَوْلَا
إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا
وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) (النور: 12).
ومن أهم الوسائل
في هذه الموازين؛ تعلُّم الأناة وعدم العجلة، قال صلى الله عليه وسلم: «التَّأَنِّي
مِنَ اللَّهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ»(8)، ومن الموازين
المهمة تعويد النفس على التزام الصمت وعدم تصديق كل ما يُسمع؛ (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ
عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْئُولًا) (الإسراء: 36)، ومن الأمور المهمة كذلك إيقاف ناقل القول
والخبر والمعلومة عند حدِّه إن تحدَّث لغير ضرورة وبغير بيِّنة.
قيل: إنه دخل
رجل على عمر بن عبدالعزيز رحمه الله وذكر له عن رجل شيئًا، فقال له عمر: إن شئت
نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات:
6)، وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) (القلم: 11)، وإن
شئت عفونا عنك؟ فقال: العفوَ يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدًا.
المسؤولية الشرعية في صناعة الوعي ومواجهة التضليل
فقه البصيرة لا
يقتصر على الدفاع الفردي، بل يتعداه إلى مسؤولية جماعية في تصحيح الوعي وبناء
الخطاب الرشيد، ومن هنا جاء الأمر الإلهي: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
(آل عمران: 104)، فمواجهة التضليل جزء من هذا الواجب الذي أيضًا حث عليه
النبي صلى الله عليه وسلم على شكل نصيحة صادقة: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلْنا:
لِمَنْ؟ قالَ: «لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ
وعامَّتِهِمْ»(9)، والنصيحة هنا تشمل كشف التزييف، وبيان الحق بلغة
حكيمة.
ويعلِّمنا
القرآن أن الكثير من المعلومات المضللة تعتمد على خلط الحق بالباطل، وهنا يجب
الانتباه، إذ المسؤولية بحجم ما تكون فردية تكون أيضًا جماعية؛ (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ
بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 42)،
كذلك يعلِّمنا القرآن التريُّث وردَّ الأمر إلى أهله العارفين المحقِّقين؛ (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ
الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ
وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ
مِنْهُمْ) (النساء: 83)، وهذه الآية قاعدة أصيلة تتضمن مبادئ مهمة أمنية
وإعلامية.
وقد جسّد النبي صلى
الله عليه وسلم هذا الدور عمليًا، فكان يواجه الشائعات بالحكمة، ويعيد بناء الثقة،
ويصنع وعيًا جماعيًا قائمًا على الصدق والعدل، لا على ردود الفعل والانفعال.
فقه المآلات وتقدير العواقب في التفاعل الإعلامي
نؤكد هنا أن البصيرة لا تكتمل إلا بالنظر في مآلات القول والفعل الإعلامي، ولهذا نهى الله الصحابة عن سبِّ الأصنام؛ (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: 108)، «وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل، إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد؛ كان الترك أولى به، بل كان واجباً عليه»(10)، فالنهي هنا مبني على تقدير العواقب، وقد جسَّد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الفقه في تعامله مع المنافقين، فترك قتلهم رغم أذاهم، خشية ما قد يترتب عليه من آثار إعلامية واجتماعية تسيء إلى صورة الإسلام، كما أن إهمال بعض الأخبار أو القضايا قد يكون أنفع من الخوض فيها؛ لأن تجاهلها يميتُها، بينما تداولها يمنحها قوة وانتشارًا ولفتًا للأنظار، وهذا أيضًا مبدأ قرآني: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) (الفرقان: 72).
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً