فوز عبدالرحمن السيد.. هل يمثلني؟!

فوز عبدالرحمن السيد.. هل يمثلني؟!

جاءت نتائج التجديد النصفي في الانتخابات الأمريكية مفاجأة للجميع بمن فيهم الديمقراطيون الذين لم يتوقعوا مثل هذه النتائج، حسب استطلاعات الرأي المسبقة.

إحدى مفاجآت هذه الانتخابات فوز عبدالرحمن السيد من أصول مصرية بمقعد بمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان الذي مثّل نقلة نوعية للقيم الديمقراطية والدولة المدنية، التي تتيح للجميع الوصل إلى أعلى المناصب دون النظر إلى العرق أو الديانة.

ونحن هنا لسنا في تمجيد أفكاره، بقدر ما هو احترام للدولة المدنية وقوانينها؛ التي تتيح لغير المسلمين الوصول إلى أعلى المناصب فيها، طالما أنت مؤمن بهذه القيم بما فيها من خير أو شر؛ فالقيم الديمقراطية والدولية المدنية كسياسي إما أن تأخذها دفعة واحدة أو تتركها وتتعامل معها كداعية ورجل دين.

فوز عبدالرحمن السيد.. وإثارة الجدل

يمكن أن نطرح سؤالاً عقب فوز عبدالرحمن السيد المثير للجدل: هل فوز أي سياسي في أي دولة يمثلك دينياً أو حتى سياسياً؟ وعندما ننظر إلى ذلك نجد أن أي سياسي لا يمثلني دينياً، ففوز أي مرشح في أي دولة أخرى ليس معبراً عن ديانتي أو أنه ممثل الإسلام نيابة عني، حتى لو كنت أعيش في الولايات المتحدة، فليس دعم مرشح سياسي يعني أنه ممثل الإسلام فيها.

ولعل من بواكير دروس السيرة النبوية في هذا المفهوم ونشر الوعي، أن نفرق جيداً بين الثابت المتغير، والممثل الأصيل والبديل، فعندما هاجر المسلمون إلى الحبشة كان ممثلهم الرسمي الصحابي جعفر بن أبي طالب، وكان النجاشي داعماً لهم وأسلم على يدي جعفر رضي الله عنه.

لكن عندما جاء الاختبار في أصول الإسلام والكشف عن جوهر قضاياه، كان الصحابي جعفر هو المنوط به الإجابة عن ذلك، وساعتها التزم الصدق دون أي لبس وتكلم عن السيد المسيح عليه السلام بما ذكره القرآن.

لكن إحدى الروايات تكشف لنا جانباً آخر، أنه نتيجة تدخل قريش ونفوذها السياسي أحدثت ما يشبه ثورة ضد النجاشي، الذي وجد نفسه أمام جماهير جارفة تتهمه بتبديل ديانته، فوضع تحت ثيابه صحفاً مكتوبة من القرآن على أنها الإنجيل وأقسم لهم عليها أنه لا يحيد عنها، حتى لا يسقط من سدة السلطة.

وهنا يتجلّى لنا هذا الوعي في كشف الممثل الأساسي للإسلام -الصحابي جعفر- الذي لم يكن لديه أي لبس أو ترف سياسي للإفصاح عن قضية من أخطر قضاياه بأًصدق عبارة، وبين النجاشي الذي لم يكن الممثل الرسمي للإسلام فكان له فسحة سياسية للتحرك فيها لا يمكن أن تقبل من الصحابي جعفر، سفير الإسلام الحقيقي.

النبي ومنظومة القيم

جميع الديانات والملل والنحل رغم اختلافها العقدي ومفهومها وتصوراتها العبادية، اتفقت جميعاً على احترام منظومة القيم، التي من أهمها أن تكون متسقاً مع المزاج العام لها ولا تأخذها مَزْقا وتفاريق في مجتمعك الذي تعيش فيه.

إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحترم القيم والمبادئ، ورغم أن وفد بني شيبان رفضوا الإسلام وعللوا رفضهم بطريقة صادقة ثمّن ردهم ورأيهم، مؤكدا احترام ما أجابوه والتزموه من منظومة القيم قائلاً: «ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق».

لقد فرح المسلمون بفوز الروم -لكونهم أهل كتاب- على الفرس، ولم تكن الفرحة مؤقتة أو عاطفية، فرغم هذا الفرح نجد أن المسلمين لم يدخلوا في حروب طويلة وممتدة مثلما دخلوا مع الروم التي امتدت 8 قرون توّجت بسقوط القسطنطينية.

فالفرحة الأولى لم تُنْسِ الهدف من نشر الإسلام وانتشار دعوته، وصارت الفرحة رمزاً للموازنات، وفتح القسطنطينية رمزاً للنفس الطويل في تحقيق الأهداف.

ولعل من مواقع القدر السعيدة أن نصر الروم على الفرس جاء متزامناً مع وقوع «صلح الحديبية»، وكأنه إشارة ربانية لنصر المؤمنين قريباً وهو ما كان في «فتح مكة».

موازنات في الانتخابات الأمريكية

قال أحد الأئمة الذين يعيشون في الولايات المتحدة وهو مقيم بإحدى الولايات المؤثرة في انتخابات التجديد النصفي: إن اختيار الناخب يقوم على أساس القيم والمواقف والمصالح العامة، لا على أساس الشعارات، وإضافة إلى اختيار الناخب يكون على أساس القيم؛ لكن هناك أيضاً عوامل مؤثرة أخرى مثل الاقتصاد والتعليم وتكاليف المعيشة والمناخ السياسي العام، ولا شك أن المسلمين جزء من ائتلاف انتخابي واسع.

كما قال: إن التجربة دفعت قطاعات متزايدة من المسلمين إلى إدراك أن الغياب عن الحياة العامة لا يحمي حقوقهم، وأن المشاركة المدنية ليست ذوبانًا في المجتمع ولا تعلقًا بحزب؛ وإنما هي صورة من أداء الأمانة، وقول الحق، ودفع الظلم بالوسائل المشروعة.

إن الرجوع إلى فقه الموازنات والثابت والمتغير مهم في فهم جوهر الأمور دون التعلق بالشعارات واستفراغ الجهد فيها.

فمن أعطى هناك صوته لـ عبدالرحمن السيد أعطاه وفق ما يؤمن به من مصالح ومكاسب تصب في نهاية المطاف لصالح المسلمين، وليس جرياً وراء الشعارات الزائفة.

فالمبايعة السياسية ليست مبايعة عقائدية، ولا يمكن استدعاء شروط وبنود بيعة العقبة الكبرى التي أبرمها صلى الله عليه وسلم مع الأنصار، لتطبيقها على سياسات وقيم الدولة المدنية الحديثة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك، فقد يدع واجبات ويفعل محرمات، ويرى ذلك من الورع.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة