في ظل الفوضى الأخلاقية العالمية.. هل تحتاج البشرية لدين جديد؟
في فترات التحول الكبرى، وكلما دخلت البشرية في طور جديد من الاضطراب الأخلاقي، يطرح سؤال: هل تحتاج البشرية لدين جديد أو منهج مستحدث يخرجها من ظلمات السقوط الأخلاقي، ويعيدها إلى رحاب التشريع السماوي الذي يرتقي بها بعد ذلك السقوط؟
إن هذا السؤال حين يُطرح تاريخياً، لا
يعبر عن أزمة دينية فحسب، بل يجسد مأزقاً حضارياً ووجودياً؛ فما لم تجد البشرية
حلاً يوقف مجونها، سيظل مصير الإنسان مجهولاً في عالم يتقدم تقنياً ويتراجع
أخلاقياً، وبإجراء مقارنة بسيطة بين زمن النبوة الخاتمة وما يمر به العالم اليوم،
نجد تشابهاً كبيراً مع اختلاف الشكل لا المضمون، ومن خلال هذه المقارنة، نستطيع
الإجابة عن سؤال العصر: هل البشرية حقاً في حاجة لدين جديد؟
العالم قبيل ظهور الإسلام. أزمة أخلاق وليس غياباً حضارياً
حين ظهر الإسلام في القرن السابع
الميلادي، لم يكن العالم خالياً من الفكر أو الدين؛ فقد كان خاضعاً لإمبراطوريتين
عظيمتين (الفرس والروم)، وكلتاهما كانت تحتفظ بتقاليد فلسفية ودينية عريقة، لكن
تلك التقاليد ظلت حبيسة جدران المعابد وبطون الكتب، بعيدة عن واقع الناس، وفقدت
تأثيرها الأخلاقي والسلوكي على الأتباع، فلم تكن الأزمة أزمة دين بقدر ما كانت
أزمة أخلاق.
لقد أنتجت الحضارة الإنسانية آنذاك
منتجاً مادياً، لكنه كان مفتقراً للقيم، واتسم بالعري والتكشف، كما يتضح في الآثار
الإغريقية والرومانية، وهو ما يشبه إلى حد بعيد صورة الحضارة الغربية المعاصرة، وقبيل
ظهور الإسلام، انحدرت القيم الإنسانية، واتسمت العقائد بالانحراف والتزييف.
يقول د. راغب السرجاني: اجتمعت العقائد
الموجودة في ذلك الزمان على 3 خصائص، هي: فساد العقائد؛ فعبد الناس الأصنام ومنهم
من عبد النار، ومنهم من عبد الشمس، ومنهم من عبد الرهبان في الصوامع، الفساد
الأخلاقي التام؛ حيث لم يعد أحد يدين الفواحش، أو يعرف معروفاً أو ينكر منكراً، التعاظم
الشديد في القوة المادية؛ فقد كانت هذه الحضارات دنيوية صرفة، لا يهتم ملوكها
وحكامها إلا بالقوة المادية التي تزيد في ملكهم(1).
وعليه، فإن المسلمين حين واجهوا تلك
الجيوش، لم يواجهوا قوى ضعيفة أو حضارات منتهية، بل واجهوا جيوشاً مدججة بأقوى
الأسلحة وبأعداد هائلة، لكن المسلمين تفوقوا بعقيدة تحركهم، ورسالة تقويهم،
وأخلاقٍ سامية، فحققوا انتصارات إعجازية بفارق الأخلاق وصحيح الاعتقاد، لقد كان
العالم في حاجة لبعثة نبي يمثل النسق العملي لما يريده الله من الإنسان الخليفة في
الأرض.
الإسلام بوصفه تأسيساً حضارياً شاملاً
ظل الإسلام لسنوات خالياً من الأوامر
التعبدية الكبرى كالجهاد والصيام والحدود والنظام السياسي، إذ فُرض معظمها بعد 13
عاماً من الدعوة، كان التدرج عنوان المرحلة، والتركيز على البناء الإيماني هو
المنهج.
وهذا يؤكد أن الإسلام لم يأتِ كطقوس
مجردة، بل كمشروع حضاري لإعادة بناء الإنسان وقيمه، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ
وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ
وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) (الإسراء: 70)،
فكرامة الإنسان تكمن في كونه إنساناً، ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى
بقوله: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى» (رواه أحمد).
وقد أشاد المؤرخون بتسامح هذا الدين، حيث
يقول غوستاف لوبون: ومما جهله المؤرخون من حلم العرب الفاتحين وتسامحهم، كان من
الأسباب السريعة في اتساع فتوحهم، وفي سهولة اعتناق كثيرٍ من الأُمم لدينهم ونظمهم
ولغتهم التي رسخت وقاومت جميع الغارات، وبقيت قائمةً حتى بعد تواري سلطان العرب عن
مسرح العالم(2).
وفرة مادية وفقر أخلاقي
ربما لم تبلغ البشرية من التقدم العلمي
ما بلغته اليوم، ومع ذلك، لم تشهد فراغاً روحياً أو تآكلاً أخلاقياً كالذي تعيشه
الآن، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحالة؛ (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ) (الروم: 41)، وقال تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا
مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا
تَدْمِيرًا) (الإسراء: 16).
يوضح ابن كثير في تفسيره أنه سخرهم إلى
فعل الفواحش فاستحقوا العذاب، وقيل معناه: أمرناهم ففعلوا الفواحش فاستحقوا
العقوبة، وقد يكون معناه جعلناهم أمراء(3).
فالعقاب لا يرتبط بالكفر فحسب، بل
بانهيار المنظومة الأخلاقية وانتشار الفواحش، ويرى غوستاف لوبون أن الحضارات تقوم
على العقيدة، ويقرر في كتابه «روح الاجتماع»: أن الأمم لا تموت بالفقر، بل تموت
حين تفقد أخلاقها وروحها الجمعية، ومن ينغمس في الترف يضعف، ومن يفرط في عقيدته
ينهار(4).
هل نحتاج لدين جديد؟
إن البشرية اليوم ليست بحاجة لدين جديد،
بل هي بحاجة لبعث جديد لقيم الدين الذي تعهد الله بحفظه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9)، فالإسلام ما زال يحمل رؤية شاملة وتوازناً
أخلاقياً يتجاوز العرق والجغرافيا.
إن الإصلاح يبدأ من الاستجابة لمنهج
الوحي: (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا
يُحْيِيكُمْ) (الأنفال: 24)، وينطلق من التغيير النفسي: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا
بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: 11).
لقد أتى الإسلام في زمن مشابه، فأعاد للإنسان كرامته، واليوم، المنهج كامل ولم ينقص، لقوله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسُنة نبيه صلى الله عليه وسلم» (أخرجه مالك)، إننا نحتاج فقط إلى إعادة اكتشاف هذه الرسالة، وتطوير علومها بمفاهيم تناسب العصر وتستند إلى الثوابت؛ فالمشكلة ليست في الدين، بل في هجره والاستهانة بأخلاقياته.
اقرأ أيضا
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً