قراءة في كتاب « أصول الحوار وتجديد علم الكلام» للدكتور طه عبدالرحمن
يسعى العلامة الفيسلوف طه عبدالرحمن
في هذا الكتاب إلى تجديد النظر في علم الكلام من خلال الكشف عن مناهجه الحوارية
والاستدلالية، لا من خلال استعراض قضاياه العقدية وحدها، وينطلق من أن التراث
الكلامي لم يكن مجرد ساحة للخصومات المذهبية، بل مجالًا لتطوير أدوات دقيقة في
إقامة الحجة ومناقشتها.
ويتدرج البحث في
4 فصول تبدأ بتحليل الخطاب، ثم المناظرة، فالقياس والمماثلة، وتنتهي إلى تحديد
معالم العقلانية الكلامية القائمة على «المعاقلة»، وبهذا يرفض الكتاب الصورة
الشائعة التي تفصل بين العقل بوصفه أداة للاستدلال، واللغة بوصفها وسيلة للتعبير
عنه؛ فالاستدلال عنده يتشكل ويتطور داخل التخاطب.
الفصل الأول: الخطاب ومراتب الحوارية:
أولًا: الشروط العامة للحوارية:
يؤسس المؤلف
دراسته بالتمييز بين شروط النص الاستدلالي وشروط التداول اللغوي، فالأولى تتعلق
بترابط الأقوال وانتظام المقدمات والنتائج، حتى يؤدي الخطاب وظيفة الحجة، أما
الثانية فتتصل بالمتكلم والمخاطب والسياق والمقاصد التي تحكم تبادل الكلام.
ولا تكفي سلامة
الصياغة المنطقية لفهم الخطاب ما لم تُدرس علاقته بالمخاطب وإمكان قبوله أو
الاعتراض عليه، ومن هنا لا يُنظر إلى الاستدلال بوصفه نشاطًا فرديًا مجردًا، وإنما
باعتباره ممارسة لغوية مشتركة.
وهذا التمييز
يمهد لما سيظهر لاحقًا من أن قواعد إقامة الحجة لا تنفصل عن قواعد مناقشتها، وأن
المقصود من تحليل الحوار ليس تعداد عباراته، بل فهم كيفية نشوء الإلزام والاقتناع
بين أطرافه.
ثانيًا: مراتب الحوارية ونظريات الخطاب:
يميز طه عبد
الرحمن بين 3 مراتب مترابطة؛ أولها: «الحوار»، ويرتبط بالنظرية العرضية التي تدرس
تقديم الدعوى والأدلة المؤيدة لها، ويبرز فيها البرهان، لكن الاقتصار على عرض
الحجة يغفل ما قد يثيره المتلقي من اعتراضات.
لذلك، ينتقل إلى
مرتبة «المحاورة» المرتبطة بالنظرية الاعتراضية والحجاج، حيث يصبح المخاطب طرفًا
فاعلًا يسائل المقدمات والنتائج ويطلب التوضيح والتدليل، وتظهر المناظرة هنا
مثالًا للمحاورة المباشرة، فيما تمتد المحاورة غير المباشرة إلى التفاعل بين
النصوص والخطابات.
أما المرتبة
الثالثة فهي «التحاور»، وترتبط بالنظرية التعارضية التي تدرس تفاعل المواقف
المتقابلة وتحولها أثناء النقاش.
وهكذا يصبح
الاختلاف جزءًا من إنتاج المعرفة، لا عائقًا خارجيًا أمامها.
الفصل الثاني: المنهج الكلامي (المناظرة):
أولًا: من الفلسفة البرهانية إلى الفلسفة التداولية:
يناقش المؤلف
التصور الذي يحصر العقلانية الفلسفية في البرهان، ويجعل الجدل والحجاج في مرتبة
أدنى.
فالخطاب الفلسفي
نفسه يتوجه إلى مخاطبين ويستند إلى مسلمات قابلة للمراجعة، ويحتاج إلى الدفاع عن
دعاواه في مواجهة الاعتراض.
ومن ثم يدعو إلى
توسيع مفهوم الاستدلال بحيث يشمل أبعاده التداولية والحجاجية، دون إلغاء القيمة
المنطقية للبرهان.
ثانيًا: علم الكلام ومنهج المناظرة:
يعرض المؤلف
المناظرة باعتبارها ممارسة استدلالية منظمة بقواعد تضبط أدوار المتناظرين وحقوقهم
وواجباتهم، ولا تقتصر أهميتها على علم الكلام، فقد امتدت إلى الفقه والنحو
وغيرهما.
ويميز بين
أخلاقيات المناظرة التي تنظّم سلوك المشاركين، وتداولاتها التي تنظّم انتقال
الدعوى والدليل والاعتراض.
ويبرز ثلاث وسائل للاعتراض هي «المنع»، بمساءلة المقدمات أو الدعوى، و«النقض»، بكشف خلل في الاستدلال، و«المعارضة»، بتقديم حجة تنازع الحجة الأولى.
وتدل هذه
الآليات على أن المتكلمين لم ينشغلوا بنتائج الجدل وحدها، بل صاغوا إجراءات لفحص
قوة الأقوال، فلكل اعتراض وظيفة محددة، ولا يصح أن يحل محل غيره دون اعتبار لما
استهدفه من الدعوى أو الدليل، وبذلك تخضع المناظرة لضوابط تحول دون الاكتفاء
بالمغالبة اللفظية أو الانتقال العشوائي بين الحجج.
ثالثًا: المنطق الحواري (الحديث والمناظرة):
يقارن المؤلف
بعض قواعد المناظرة بأدوات المنطق الحواري الحديث، ويبحث إمكان ضبط حركات السؤال
والجواب والاعتراض في صيغ تحليلية واضحة.
ويساعد ذلك على
تمييز الاعتراض المقبول من غير المقبول، لكنه ينبه إلى أن الصياغة الصورية لا
تستوعب جميع المقاصد والسياقات التي يحملها الخطاب الطبيعي.
فالتجديد يقتضي
الإفادة من المنطق الحديث دون اختزال المناظرة إلى نموذج شكلي.
الفصل الثالث: الاستدلال الكلامي (القياس والمماثلة):
أولًا: الخصائص الخطابية للاستدلال القياسي:
يفحص المؤلف
القياس كما يظهر في الخطاب الطبيعي، لا كترتيب مجرد للمقدمات والنتائج فحسب، فاللغة
قد تحتمل الالتباس، والسياق يحدد وظيفة الأوصاف والعلاقات التي يُبنى عليها
الاستدلال.
ويناقش عمليات
التفريق والإثبات والإلحاق، وعلاقة القياس بالسلم الحجاجي وبالانتقال من الشاهد
إلى ما يشبهه.
ويؤكد التحليل
أن التشابه الظاهري لا يكفي لصحة النتيجة؛ إذ يجب تحديد وجه الشبه وملاءمته للحكم
الذي يُنقل من حالة إلى أخرى.
وهذا يفسر
اهتمام المؤلف بالصفات التي تؤسس العلاقة القياسية، وبالفروق التي قد تمنع الإلحاق
رغم اشتراك الطرفين في أوصاف أخرى، فالقياس هنا عمل نقدي يقتضي فحص شروط الانتقال
الاستدلالي، لا مجرد العثور على مشابهة.
ثانيًا: الخصائص المنطقية للمماثلة الكلامية:
ينتقل البحث إلى
تصورات المتكلمين للمماثلة وتصنيف العلاقات بين الأشياء والصفات.
ويحاول إعادة
بناء بعض هذه التصورات بأدوات منطقية معاصرة، مع مناقشة صلتها بمبدئي عدم التناقض
والثالث المرفوع، وبنظرية العوالم الممكنة.
والمقصود إظهار
أن القضايا الكلامية تنطوي على تمييزات عقلية قابلة للفحص والتطوير، لا مجرد
تشابهات لفظية أو أحكام مذهبية موروثة.
الفصل الرابع: العقلانية الكلامية:
أولًا: إبطال دعاوى عن العقل العربي والإسلامي:
يناقش المؤلف
الأحكام العامة التي تختزل العقل العربي في البيان، أو تختزل العقل الإسلامي في
الانقياد للمرجعية الشرعية.
ويرى أن هذه
التصورات تحجب تنوع الممارسات العقلية في التراث، ولا تفسر ما ابتكره المتكلمون من
أدوات للحجاج والمناظرة والقياس.
فالانتساب إلى
ثقافة أو الاحتكام إلى مرجعية دينية لا يحددان وحدهما طبيعة الاستدلال.
وينقد المؤلف
الافتراض المشترك وراء هذه الأحكام، وهو التعامل مع العقل كأنه جوهر ثابت، بدل
دراسته من خلال أفعاله ومناهجه التاريخية.
ثانيًا: أصول الاشتغال العقلي عند المتكلمين:
يميز المؤلف بين
«العاقلية» و«المعاقلة»؛ فالعاقلية تتعلق بالضوابط التي تجعل تفكير الفرد معللًا
وهادفًا، مستعملًا الوسائل الملائمة لنتائجه، بعيدًا عن التحكم والاعتباط.
أما المعاقلة
فتبرز البعد المشترك للعقل؛ إذ لا يُختبر القول بمعزل عن حق الآخر في مساءلته، ولا
يصح أن يحتكر أحد المتحاورين سلطة الاعتراض ويرفضها لغيره.
وتقتضي هذه
الممارسة الاعتراف المتبادل والالتزام بقواعد واحدة، فتتداخل فيها الشروط المنطقية
والأخلاقية.
وتغدو المعاقلة
بذلك أوسع من مجرد اجتماع عقلين في مجلس نقاش؛ إنها التزام بأن تكون الحجة قابلة
للمساءلة، وأن يكون المحاور مستعدًا لإخضاع قوله للمعايير نفسها التي يحتكم إليها
في نقد أقوال الآخرين.
ثالثًا: الآفاق المستقبلية للممارسة الكلامية:
ينتهي المؤلف
إلى أن تجديد علم الكلام لا يعني إعادة عرض العقائد بلغة حديثة فقط، بل تطوير
مناهج عرضها ومناقشتها في ضوء تحديات العصر.
وتتيح المناظرة
والمعاقلة تحويل الخلاف من تنازع يراد به الغلبة إلى بحث منضبط عن الحقيقة، يجمع
قوة الحجة بإنصاف المخالف.
تكمن أطروحة
الكتاب في أن تجديد الفكر يبدأ من تجديد طرائق الاستدلال والتخاطب، فقد كشف طه عبد
الرحمن عن موارد منهجية في التراث الكلامي تسمح ببناء عقلانية لا تفصل البرهان عن
الحوار، ولا صحة الحجة عن المسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً