حكمة في تفسير الرؤى

قصة جفاء بين عالمين .. وكيف فسر ابن سيرين رؤيا الحسن البصري؟

يحيى الكاتب

21 سبتمبر 2026

16

قصة جفاء بين عالمين .. وكيف فسر ابن سيرين رؤيا الحسن البصري؟

يُروى أنه كان بين الحسن البصري وبين ابن سيرين هجرة (جفاء وانقطاع في الصلة)، فكان إذا ذكر ابن سيرين عند الحسن يقول: دعونا من ذكر الحاكة (جمع حائك، وهو الذي ينسج الثياب).

وكان بعض أهل ابن سيرين حائكا، فرأى الحسن في منامه كأنه عريان وهو قائم على مزبلة (موضع تجمع القمامة) يضرب بالعود (العصا).

فأصبح مهموما برؤياه، فقال لبعض أصحابه: امض إلى ابن سيرين فقص عليه رؤياي على أنك أنت رأيتها.

فدخل الرجل على ابن سيرين وذكر له الرؤيا، فقال ابن سيرين: قل لمن رأى هذه الرؤيا: لا تسأل الحاكة عن مثل هذا.

فأخبر الرجل الحسن بمقالته، فعظم ذلك لديه، وقال: قوموا بنا إليه.

فلما رآه ابن سيرين قام إليه وتصافحا وسلم كل واحد منهما على صاحبه، وجلسا يتعاتبان (يلوم كل واحد منهما صاحبه برفق).

فقال الحسن: دعنا من هذا، فقد شغلت الرؤيا قلبي.

فقال ابن سيرين: لا تشغل قلبك، فإن العري عري من الدنيا، ليس عليك منها علقة (تعلق أو نصيب متصل بها). وأما المزبلة فهي الدنيا، وقد انكشفت لك أحوالها، فأنت تراها كما هي في ذاتها. وأما ضربك بالعود فإنه الحكمة التي تتكلم بها وينتفع بها الناس.

فقال له الحسن: فمن أين لك أني أنا رأيت هذه الرؤيا؟

قال ابن سيرين: لما قصها علي فكرت، فلم أر أحدا يصلح أن يكون رآها غيرك. (الوافي بالوفيات).

بيان وفوائد

كان بين الحسن البصري وابن سيرين جفاء، حتى إن الحسن كان يعرض عن ذكره. ومع ذلك بقيت لأهل العلم منزلة يعرفونها، وقد كشفت هذه الحادثة عن فضل ابن سيرين وحسن فهمه.

فلم يجعل ابن سيرين من الرؤيا وسيلة لإثارة الخلاف، بل فسرها بطريقة أظهرت ما فيها من المعاني الحسنة، فكانت سببا في اجتماع الرجلين وزوال ما بينهما من جفاء.

وقد حمل ابن سيرين رموز الرؤيا على معان تناسب حال الحسن، فرأى العري تجردا من الدنيا، والمزبلة انكشاف حقيقتها، والعود رمزا إلى الحكمة التي ينتفع بها الناس.

فلما سمع ابن سيرين الرؤيا وفكر في معانيها قال إنه لم ير أحدا يصلح أن يكون قد رآها غير الحسن؛ مما يدل على معرفته بحاله وخصاله.

ومن دروس القصة كذلك أن التواضع وترك العتاب الطويل من أسباب الصلح؛ فقد تصافح الرجلان وجلسا يتعاتبان، ثم قال الحسن: دعنا من هذا، فقد شغلت الرؤيا قلبي. فكان المقصود هو إصلاح العلاقة لا إطالة الخصومة.

وبذلك انتقلت القصة من خصومة بين رجلين إلى لقاء ومراجعة وبيان للفضل، وفي ذلك دعوة إلى ألا يصر الإنسان على الجفاء إذا وجد فرصة مناسبة للإصلاح.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة