درس في فن الإقناع

كيف أجاب إياس بن معاوية على صاحب الفهم الخاطئ؟

يحيى الكاتب

21 سبتمبر 2026

14

كيف أجاب إياس بن معاوية على صاحب الفهم الخاطئ؟

اشتهر القاضي إياس بن معاوية بالذكاء الحاد، وتذكر لنا الروايات كيف أجاب على رجل من أصحاب الفهم الخاطئ بشأن المُسكرات، حيث سأله ذلك الرجل: هل ترى عليَّ من بأسٍ إن أكلتُ تمرًا؟

قال: لا.

قال: فهل ترى عليَّ من بأسٍ إن أكلتُ معه كِيسومًا؟

قال: لا.

قال: فإن شربتُ عليهما ماءً؟

قال: جائز.

قال: فلمَ تُحرِّمُ السُّكْرَ، وإنَّما هو ما ذكرتُ لك؟

فقال له إياس: لو صببتُ عليك ماءً، هل كان يضرُّك؟

قال: لا.

قال: فلو نثرتُ عليك ترابًا، هل كان يضرُّك؟

قال: لا.

قال: فإن أخذتُ ذلك، فخلطتُه وعجنتُه، وجعلتُ منه لَبِنَةً عظيمةً، فضربتُ بها رأسَك، هل كان يضرُّك؟

قال: كنتَ تقتلني.

قال: فهذا مثلُ ذاك.

 بيان وفوائد

تقوم هذه القصة على حجة عقلية بسيطة ودقيقة؛ فالرجل حاول أن يستدل على إباحة السكر بأن مكوناته التي ذكرها كلٌّ منها لا يضر منفردًا: التمر، والكِيسوم (نبات مخدر)، والماء. فأوضح له إياس أن الحكم لا يُبنى دائمًا على مكونات الشيء منفردة، وإنما قد تتغير خصائص الأشياء عند اجتماعها وتحوّلها إلى شيء آخر.

وضرب له مثالًا محسوسًا بالماء والتراب، فكل واحد منهما لا يضر الإنسان إذا صُبَّ عليه الماء أو نُثر عليه التراب، لكن إذا جُمِعا وعُجنا وصُنعت منهما لبنة، ثم ضُرب بها الإنسان، فإنها قد تؤذيه أذًى شديدًا. فالعبرة ليست بالمكونات منفردة، وإنما بما ينتج عن تركيبها واستعمالها.

لم يكتفِ إياس بمجرد أن يقول للرجل: "هذا قياس خاطئ"، بل نقل له المسألة من مجال المشروب إلى مثال يراه بعينه ويستطيع أن يدركه بسهولة.

والقصة تعلمنا أن الحكم على الأشياء يحتاج إلى النظر في طبيعتها وتأثيرها النهائي، لا إلى النظر إلى أجزائها بصورة منفصلة فقط.

وتعلمنا القصة قيمة الحوار الهادئ والإقناع بالمثال.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة