قوامة الرجل.. معناها وأثرها في استقرار الأسرة
الزواج سكن
للنفس، وحصن للجسد، ووسيلة لإمداد المجتمع الإسلامي بعباد صالحين، واستقرار الزواج
استقرار للمجتمع، وقد وضع الإسلام له من القواعد والأسس ما يحفظ تماسكه ويجعله
ثابتاً راسخاً أمام فتن الحياة وتقلباتها، فبيّن أن حجر الأساس الذي تقوم عليه
الأسرة قوامة الرجل وصلاحه، ورغم أن مبدأ القوامة أمر فطري أقرته الشريعة وارتضته
الفطرة السليمة، فإنه قد تعرض في هذا الزمان لتشويه كبير، بل قد سُوِّق لمفهوم
مضاد وهو مساواة الرجل بالمرأة في كل شيء؛ ما فجر كثيراً من المشكلات الزوجية،
وانتشرت لذلك في واقعنا خلافات كبيرة سببها غياب دور القوامة الحقيقية للرجل؛ ما
يدفع المصلحين ضرورة إلى التذكير بمفهوم القوامة وأثرها في استقرار الأسرة
والمجتمع.
مفهومة القوامة
قال الله تعالى:
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ
عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ) (النساء: 34)،
ومعنى القوامة في اللغة الاستقامة والاعتدال، وفي الاصطلاح: القيام بتدبير الزوجة،
وتأديبها، والحفاظ على الزوجة بإمساكها في بيتها، وعدم إبرازها. (تفسير القرطبي:
199/ 3).
فتدور حقيقة
القوامة حول إقامة الرجل لمصالح أسرته وتدبير شؤون حياتهم وتأدبيهم من خلال تعديل
كل اعوجاج قد يطرأ على سلوك الزوجة أو الأبناء، فالقوامة حجر الأساس في تنظيم
العلاقات الأسرية السليمة، فهي تعطي الرجل حق السلطة أو الولاية على المرأة التي
قد تكون زوجته أو أخته أو ابنته.. إلخ، وتخول له مهمات كالإنفاق واتخاذ القرارات
وما هو من ذلك، وتوجب على المرأة أن تحترم هذا الدور وتُقدّر قيمته وتُعينه عليه
بالطاعة وحسن المعاملة؛ ما يجعل كل فرد في الأسرة يعلم دوره وحدوده؛ فتستقر الأسرة
وتُغلَق فيها أبواب النزاع والشقاق.
مقومات القوامة
لم تُمنح
القوامة للرجل بلا سبب، بل هي تكليف قبل أن تكون تشريفًا لمن قام بحقها، وهي قائمة
على أسباب كسبية وغير كسبية.
أما الكسبية:
فهي النفقة وحسن العشرة، فإن الله قد أوجب الله على الرجل أن يُنفق على زوجته
وأولاده من ماله، سواء كانت زوجته غنية أو فقيرة، كما قال تعالى: (وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ
أَمْوَالِهِمْ)، وأوجب حُسن العشرة بما يستلزم ذلك الرفق والحكمة والمعاملة
الطيبة، وفيها تكمن خيرية الرجل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم
لأهله، وأنا خيركم لأهله» (صحيح الترمذي، 3895).
وغير الكسبية:
هي ما خلقه الله في تكوين الرجل من خصائص تؤهله لتحمل المسؤولية والقيادة، فمُيز
الرجل بالقوة الجسدية، وبقدر من الحزم والعقل والتدبير يجعله أصلح للقيادة
والحماية والإنفاق، وهذا ليس انتقاصاً من قدر المرأة، بل هو رحمة وتشريف لها؛ وحرص
عليها وعلى صونها من الابتذال والهوان وإظهار الضعف، فإن الإسلام قد أراد لها أن
تصان من مشاق الحياة ومسؤولياتها الكبرى، فخصها بمهمات تناسب فطرتها من الحنان
والرعاية والعطف، وجعل للرجل ما يناسب طبيعته من مسؤولية وحزم وقوة.
أثر القوامة في تحقيق السكن بين الزوجين
للامتثال لنداء
الفطرة وأوامر الشرع بشأن القوامة آثار جليلة، منها:
1- فهم الغاية وتحقيق الأمان:
الزواج سكن
ومودة ورحمة، قال الله تعالى: (وَمِنْ
آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21)، ولا تسكن النفس
إلا حين تشعر بالأمان وتدرك الغاية من أفعالها، فحينما يعلم الزوج دوره في القوامة
ويؤديها حق أدائها، وتعلم الزوجة دورها من أنها بمشاعرها وعاطفتها محضنًا لزوجها
ولأبنائها؛ تسكن النفوس وتتكاتف القلوب، ويأمن كل منهم إلى الآخر، ويأنس بوجوده
وقربه، فغايتهما واحدة في تأسيس أسرة صالحة يرضاها الله تعالى.
2- لكلٍّ قيمته:
إن توضيح الوحي
للقوامة بشكل جلي يجعل كلاً من الزوجين ينظر لصاحبه نظرة إكبار وتكامل؛ لا تنافس،
فحين تدرك الزوجة قيمتها، تعلم أن ضعفها ليس سُبة؛ بل هو ما جعلها مقدَّرة ومشرفة
في جوار حارسها وحصنها وسندها، وحينما يدرك الرجل قيمته يعلم أن قوته تحتاج إلى
أنوثة زوجته ولينها بين يديه، وهذه النظرة تزيد الود والرفق بين الزوجين، فلا تظهر
الصراعات لإثبات الذات كالتي تدمر كثيرًا من الزيجات في هذه الأيام، خاصة حين يسخر
أحد الزوجين من دور الآخر أو ينتقص من جهده كما هو مُشاهَد.
3- الامتثال عبادة:
حين يستشعر
الزوج أن قوامته على زوجته أمر من الله عز وجل، وحين تشعر الزوجة أن امتثالها
لزوجها عبادة، تهدأ نفوسهم أمام تقلبات الحياة، فعادة النفس التقلب والملل والتملص
من المسؤولية، ولا يثبتها على الاستقامة إلا استحضار نية العبادة، حتى تُضبط
السلوكيات وتُهذب المشاعر حسب مراد الله تعالى، فتسكن البيوت بذلك.
4- عدم الانخداع بالدعاوى الكاذبة:
من أخطر أمراض
هذا العصر تأثير منصات التواصل الاجتماعي على الأفكار والمبادئ، وانخداع الكثيرين
بدعاوى المساواة بين الرجل والمرأة، التي تُصور المرأة منعدمة القيمة إلا إذا
نافست الرجل فيما هو مختص به فاستغنت بذلك عنه.
ولا شك بأن أثر
ذلك على البناء التراتبي في الأسرة كارثي، فتكون الزوجة نداً لزوجها، لها ما له
وعليها ما عليه؛ وكأنهما رجلان لا رجل وامرأة، ولا ممسك لهذا الانحراف إلا بما
جعله الوحي خطًا فاصلًا في بيان دور كل من الجنسين، وأن القوامة ليست قيداً على
المرأة، وإنما حماية لكرامتها وصون لأنوثتها، وهي في الوقت ذاته مسؤولية ثقيلة على
الرجل يُحاسَب عليها أمام الله، فمن يترك هدي الخالق ليتبع أهواء المخلوقين؛ فقد
أضاع سكينته قبل أن يضيّع أسرته ويفرط في دينه وقيمه.
رسالة إلى الزوجين
أيها الزوج..
اعلم أن القوامة
ليست تسلطًا وتجبرًا على زوجتك، بل أمانة تتحملها بين يديك وستُسأل عنها أمام الله
عز وجل، فقوامتك لا تُقاس بعلو صوتك ولا بكثرة أوامرك ولا عقوباتك، بل بعدلك
ورحمتك ورفقك، وبقدرتك على أن تكون أماناً وسنداً لزوجتك وأهل بيتك، ويكفيك شرفاً
وفخراً أنك تقتدي بخير الخلق في خيريته لأهله.
أيتها الزوجة..
تذكّري أن طاعتك
لزوجك ليست خضوع مذلة كما يصورها البعض، بل عبادة ترفعين بها درجتك عند الله عز
وجل، وأنك بمودتك وصبرك ورحمتك تصنعين من بيتك جنة تسكنين فيها مع زوجك وأولادك،
ولك في أمهات المؤمنين لا سيما خديجة رضي الله عنها خير قدوة.
وختامًا،
فالقوامة فطرة وشريعة، شرعها خالق البشر بعلمه بهم وبما يصلحهم، قال الله تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14)، فما كان من أمره فهو حكمة ورحمة، ومن
أطاع الله في شرعه أصلح له دنياه وآخرته.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً