ماذا تفعل القيادة وقت القحط؟
قيادة الأزمات بين الدعاء والتدبير.. موسى بن نصير
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، أن مُوْسَى بن نُصَير لَمَّا دَخَلَ إِفْرِيْقِيَةَ، وَجَدَ
غَالِبَ مَدَائِنِهَا خَالِيَةً لاخْتِلَافِ أَيْدِي البَرْبَرِ، وَكَانَ
القَحْطُ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّلَاحِ، وَبَرَزَ
بِهِم إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَمَعَهُ سَائِرُ الحَيَوَانَاتِ، فَفَرَّقَ بَيْنَهَا
وَبَيْنَ أَوْلَادِهَا، فَوَقَعَ البُكَاءُ وَالضَّجِيْجُ، وَبَقِيَ إِلَى
الظُّهْرِ، ثُمَّ صَلَّى، وَخَطَبَ، فَمَا ذَكَرَ الوَلِيْدَ، فَقِيْلَ لَهُ: أَلَا
تَدْعُو لأَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ؟! فَقَالَ: هَذَا مَقَامٌ لَا يُدْعَى فِيْهِ
إِلَاّ للهِ، فَسُقُوا، وَأُغِيْثُوا(1).
في هذا المشهد
ينتقل النظر من القائد الذي يدبّر حركة الجند، إلى الإنسان الذي يقف مع الناس في
حاجتهم إلى الله، وفي هذا الموقف يبين موسى بن نصير كيف يجتمع صدق الافتقار إلى
الله، مع إصلاح الحياة، وكيف تكون القيادة مشاركةً في المسؤولية، من غير أن تتحول
الحكاية المؤثرة إلى مصدر للمبالغة، أو تجاوز حدود العلم؟
وتنتمي سيرة
موسى بن نصير إلى عصر الفتوح الأموية في أواخر القرن الأول الهجري، وقد نقل الذهبي
عن الفسوي أن موسى بن نصير تولى إفريقية سنة تسع وسبعين، ووصفه بأنه «كان ذا حزم وتدبير»، أما
إفريقية في اصطلاح الجغرافيين المسلمين فاسم لإقليم من المغرب الإسلامي، لا للقارة
الإفريقية كلها، وقد حكى ياقوت الحموي اختلافًا في تحديد امتداده(2)، وهذه
الخلفية تضع الخبر في بيئة تاريخية محددة، لكنها لا تمنحنا سَنَة قاطعة لواقعة
الاستسقاء نفسها.
والعبارة التي
تصف خلوَّ غالب المدن، تجمع في حيز قصير اضطراب العمران وشدة الحاجة؛ لكنها ليست
إحصاءً للسكان، ولا مسحًا اقتصاديًّا، ولا بيانًا مفصلًا لأسباب الخراب.
شروط طلب الغيث
لا تبدأ الحركة
في الخبر بالخروج إلى الصحراء، بل بالأمر بالصلاة والصوم والصلاح، وهذه البداية،
من جهة المعنى، تنقل السؤال من انتظار تغير الأحوال وحده إلى مراجعة حال الإنسان
نفسه: ماذا في صلته بربه؟ وماذا في معاملته للناس؟ وأيُّ مظلمة يستطيع رفعها قبل
أن يطلب رفع البلاء عنه؟
وفي القرآن
اقتران صريح بين الاستغفار والرزق في دعوة نوح عليه السلام: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ
كَانَ غَفَّاراً {10} يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً) (نوح)، فالرجوع إلى الله ليس هامشًا يضاف إلى حياة الإنسان
بعد اكتمال تدبيرها، بل هو من صميم صلاحها.
وقد جعل النووي
من آداب الاستسقاء أن يأمر الإمام الناس بالتقرب إلى الله، وخصَّ بالذكر الأمر
بالخروج عن المظالم في الدم والعرض والمال(3)، وفي هذا التحديد يتسع
معنى الصلاح: فليس عبادةً ظاهرة مع بقاء الحقوق معطلة، وإنما توبة تمس المال
والسمعة والأمان الإنساني.
غير أن الدعوة
إلى التوبة لا تبيح اتهام كل منكوب بأن مصيبته عقوبة على ذنب معين؛ فالقرآن يقرر
أن الخير والشر كلاهما موضع ابتلاء: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (الأنبياء: 35)،
فالواجب أن نبدأ بمحاسبة أنفسنا، لا بمحاكمة سرائر المتألمين.
ومن هنا يصبح
لهذا المعنى تطبيق قريب؛ صاحب العمل الذي يطلب البركة مدعو إلى مراجعة حقوق
العاملين، والمربي الذي يستحث أبناءه على الدعاء مدعو إلى مراجعة عدله بينهم،
والمؤسسة التي ترفع خطاب الصلاح مدعوة إلى إنصاف من وقع عليه ظلمها، فطلب رحمة
الله لا ينبغي أن ينفصل عن إزالة ما نستطيع إزالته من أسباب الأذى.
كيف يجمع المسلم بين التدبير المادي وصحيح التوكل؟
ليس في خبر موسى بن نصير ما يثبت انقطاع جميع الوسائل المادية، كما ليس فيه سجل كامل لما اتخذه من
إجراءات إدارية أو عمرانية، ولذلك لا تصح قراءته على أن الصلاة كانت بديلًا من
إصلاح شؤون الناس، أو أن الرجوع إلى الله يقتضي التوقف عن البحث عن الماء والغذاء، وأسباب الأمان.
وقد جمع ابن رجب
طرفي القضية بعبارة محكمة فقال: إن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره
بالتوكل، فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه إيمان به(4)،
فالأسباب ليست خصمًا للتوكل، وإنما يفسد الأمر حين يعتمد القلب عليها، اعتمادًا
يحجب عنه مسببها، أو حين يتخذ الإنسان اسم التوكل عذرًا لترك ما يقدر عليه.
وتقدم قصة يوسف
عليه السلام نموذجًا قرآنيًّا لهذا الاجتماع؛ فمواجهة سنوات الشدة اشتملت على
الزراعة وحفظ المحصول وتنظيم الاستهلاك: (فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا
تَأْكُلُونَ) (يوسف: 47)، ولم يكن هذا التدبير خروجًا من مقام الإيمان، بل
عملًا يجري في ظله.
والقراءة
التربوية لخبر الاستسقاء ينبغي أن تحافظ على هذا الاتزان؛ فيُدعى الناس إلى
الاستغفار، وتُراجع في الوقت نفسه وسائل حفظ الماء وعدالة توزيعه، وتُجمع الصدقات،
ويُبحث عن المحتاجين، ويُستعان بأهل الخبرة، أما تصوير الأزمة كأنها لا تحتاج إلا
إلى خطاب وجداني، فيحمل الرواية ما لم تقله، ويفصل بين معنيين جمعهما العلماء.
ولهذا، فإن اليد
التي ترتفع إلى الله بالسؤال لا ينبغي أن تتوقف عن بذل المعونة، والقلب الذي يرجو
الفرج لا يعفى صاحبه من حسن التدبير، إنما يكتمل الافتقار حين يدرك الإنسان حدود
قدرته، ثم يبذل هذه القدرة كلها في موضعها.
لماذا يجب على المسؤول مشاركة رعيته في المعاناة؟ موسى بن نصير أنموذجا
من أظهر ما يلفت
في الخبر قوله: «وبرز بهم إلى الصحراء»، فالقائد ليس هنا مرسلًا للناس إلى مشهد
يغيب عنه، بل حاضر معهم، وتتيح هذه الصورة استنباط معنى قيادي معتبر: أن المسؤولية
لا تستوفي حقها بإصدار التوجيهات، بل تحتاج إلى مشاركة صادقة في حمل تبعاتها.
والأصل النبوي
في هيئة الاستسقاء ثابت؛ فقد وصف ابن عباس رضي الله عنهما خروج النبي صلى الله
عليه وسلم بأنه «خَرَجَ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا حَتَّى أَتَى
الْمُصَلَّى»(5)، فالمقام ليس استعراضًا للمنزلة، وإنما إظهار للحاجة
إلى الله، يشترك فيه المتبوع والتابع.
وفي فقه
المسؤولية العامة، عدّ الماوردي من واجبات الإمام «أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور
وتصفح الأحوال؛ لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة»(6)، وهذه المباشرة لا
تعني إلغاء التفويض أو الاستهانة بالتخصص، وإنما تعني ألّا ينفصل صاحب القرار عن
أحوال من تولى أمرهم.
وفي الأسرة
والمدرسة والمؤسسة، يمكن تحويل هذا المعنى إلى سلوك واضح: ألا يُطالب الناس بتحمل
مشقة يستثني المسؤول نفسه منها، وألا يكتفي المدير بتقارير مطمئنة بينما يغيب عن
مواضع الخلل، فالحضور النافع ليس حضور الصورة، بل حضور المعرفة والإنصاف والعمل.
لماذا يعد الضعفاء مصدرًا حقيقيًا للخير والبركة؟
يفتح اجتماع
الناس في الاستسقاء بابًا للنظر في معنى القوة الاجتماعية: هل تُقاس الجماعة بما
تملكه من سلطان ومال فحسب، أم أن في صلاح أفرادها ودعائهم وإخلاصهم وجوهًا من
الخير لا تظهر في الحسابات المادية؟
جاء التوجيه
النبوي صريحًا: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ»(7)،
وشرح ابن حجر جانبًا من معناه فقال: فإن كان القوي يترجح بفضل شجاعته، فإن الضعيف
يترجح بفضل دعائه وإخلاصه(8)، وبذلك يصحح الحديث ميزان النظر إلى
الإنسان، فلا تصبح القدرة الظاهرة مبررًا للزهو أو احتقار غير القادر.
وفي ضوء هذا
الأصل، يمكن قراءة الاجتماع في الخبر بوصفه صورة للحاجة المشتركة؛ فالقائد لا يملك
المطر، والغني لا يستغني عن رحمة الله، والضعيف ليس زائدًا على الجماعة ولا خارجًا
عن أسباب خيرها، ولا يلزم من هذا أن نزعم أن الواقعة أنهت نزاعات عرقية أو أزالت
الفوارق الاجتماعية؛ فهذه نتائج تحتاج إلى شواهد مستقلة.
والمغزى العملي
ليس تمجيد الفقر ولا إبقاء الضعيف في ضعفه، بل صيانة كرامته والاعتراف بقيمته، ففي
العمل الخيري لا ينبغي أن يكون المحتاج مجرد وجه في صورة، وفي المؤسسة لا يصح أن
يُختزل العامل الصغير في مرتبته الوظيفية، وفي الأسرة لا يُهمَل الكبير أو المريض
لأنه أقل قدرة على الإنجاز.
ومن هذا
المنظور، تزداد الجماعة نبلًا حين تجمع بين إعانة الضعفاء واحترامهم؛ تعالج
حاجاتهم من غير أن تسلبهم مكانتهم، وتنتفع بخيرهم من غير أن تجعلهم أدوات في
خطابها.
آراء الفقهاء في إحضار البهائم لمصلّى الاستسقاء
أكثر تفاصيل
الخبر احتياجًا إلى التمييز الفقهي إخراج الحيوانات والتفريق بينها وبين أولادها، فالتأثر
بهذه الصورة لا يكفي لاستحسان كل ما فيها، ولا لإثبات أن تفاصيلها سنة تُتبع في
الاستسقاء.
وقد اختلف
الفقهاء في أصل إخراج البهائم؛ فقال ابن قدامة: ولا يستحب إخراج البهائم؛ لأن
النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله(9)، وفي المقابل رجح النووي استحباب
إخراجها، مع حكايته القول الآخر(10)، فالمسألة ذات خلاف، وليس من
الأمانة عرض أحد القولين كأنه محل اتفاق.
أما الرفق
بالحيوان، فإنه يستدعي الاحتياط من تحويل تفجيع الحيوان إلى وسيلة لاستثارة
المشاعر، ويمنع أن تستقل حكاية غير مسندة بتقرير هيئة تعبدية من هذا النوع.
وليس المقصود
إصدار حكم جازم على تفاصيل واقعة لم تثبت لدينا، وإنما ردّ القراءة إلى أصولها؛
نميّز بين حكاية الفعل ومشروعيته، وبين أصل الإخراج المختلف فيه والتفريق بين
الأمهات وصغارها، وبين طلب الرحمة والتوسع في إحداث الألم.
ضوابط الدعاء للولاة والحكام في الخطب العامة
عند توجيه الحاضرين إلى موسى بن نصير سؤالا: «ألا تدعو لأمير المؤمنين؟» يبلغ الخبر موضعه الأشد لفتًا للنظر، وهنا
يجب ضبط الفرق بين دعاء الحاكم من دون الله ودعاء الله للحاكم بالصلاح؛ فالأول غير
الثاني، واللام في سؤال السائل تجعل أمير المؤمنين مدعوًّا له، لا مدعوًّا يُطلب
منه إنزال المطر.
وقد فصل النووي
في هذه المسألة عند حديثه عن خطبة الجمعة، فذكر استحباب الدعاء لأئمة المسلمين
وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل، ثم قال: «والمختار أنه لا
بأس بالدعاء للسلطان بعينه إذا لم يكن مجازفة في وصفه ونحوها»(11)، فموضع
النظر هو صفة الدعاء وسياقه وما يصاحبه من مبالغة، لا مجرد كون المنتفع به صاحب
ولاية.
وبناء على ذلك،
يمكن أن تُقرأ عبارة موسى بن نصير على فرض ثبوتها، باعتبارها اختيارًا لتجريد ذلك المقام
من ذكر الأشخاص، أو رفضًا لاستطراد رأى أنه لا يناسب حال المستسقين، لكن لا يصح
الجزم بمراده، ولا اتخاذها أصلًا لتحريم الدعاء للحاكم بالصلاح، فضلًا عن وصف هذا
الدعاء بأنه شرك خفي، فقول المسلم: «اللهم أعن من تولى أمر الناس على العدل» سؤال
لله، لا صرف للعبادة إلى غيره.
وكذلك لا يثبت
من الرواية أن موسى بن نصير تعرض بسبب هذا الموقف لخطر سياسي محدد، أو أنه كان يواجه
اتهامًا بالعصيان، قد تجذب هذه التصورات القارئ، لكنها تزيد في الخبر ما لم يذكره.
والمعنى الذي
يمكن استلهامه دون هذا التكلف هو حفظ مقصد الخطاب: ألا يطغى مدح الأشخاص على حاجة
الناس، وألا تتحول الشعائر إلى مناسبات للمبالغة في الثناء، فالإنصاف يجمع بين
مشروعية الدعاء بالصلاح وبين رفض التملق؛ لا يجعل أحدهما ستارًا للآخر، ولا يتخذ
الإخلاص ذريعة إلى أحكام لم يثبت دليلها.
لماذا يفسد استعجال الإجابة أدب الملازمة في الدعاء؟
يقول الخبر: أن موسى بن نصير بقي إلى الظهر، وهذه العبارة تحدد نهاية المكث، لكنها لا تحدد بدايته، ولا
تمنحنا عدد ساعات الوقوف أو مقدار المشقة التي احتملها كل حاضر، ومع ذلك، فإن
امتداد الانتظار في المشهد يفتح معنى تربويًّا تؤيده السنة: ألا يُقطع الدعاء لأن
المطلوب لم يقع في الوقت الذي توقعه الإنسان، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ
مَا لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَا أَوْ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي»(12)،
وذكر ابن حجر أن من أدب الحديث أن الداعي: «يلازم الطلب ولا ييأس من الإجابة»(13).
فالدعاء ليس
تجربة يضع لها الإنسان موعدًا نهائيًّا، ثم يحكم على قيمتها بحسب النتيجة العاجلة،
كما أن حكاية نزول المطر عقب الاستسقاء لا تصلح وعدًا بأن كل اجتماع مماثل سينتهي
بالمطر في الساعة نفسها؛ وإنما المرجع إلى الوعد الشرعي وأدب السؤال والتسليم
لحكمة الله.
وفي التربية،
يحتاج الأب والمعلّم والداعية إلى هذا الاتزان؛ فيغرسون الرجاء دون أن يعدوا
بنتائج غيبية محددة، ويعلّمون الصبر دون أن يبرروا التقصير في العمل، فالاستمرار
في الدعاء لا يعفي من مراجعة وسائل الإغاثة، ومراجعة الوسائل لا تعني ضعف الثقة
بالله، وبين الرجاء والعمل تتربى النفس على الثبات، لا على التعلق بموعد صنعته
لنفسها.
كيف نحافظ على المكتسبات الأخلاقية لأوقات المحن؟
تختم الرواية
بعبارتين موجزتين: «فسقوا، وأغيثوا»، ومن جهة البيان، ينقل هذا الإيجاز القارئ من
امتداد الحاجة إلى انفراجها، دون وصف طويل للمطر، لكن القراءة التربوية لا ينبغي
أن تقف عند لحظة الفرج؛ إذ يبقى السؤال عما يصنعه الإنسان بالنعمة بعد وصولها.
قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ
الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ
الْحَمِيدُ) (الشورى: 28)، فالماء في هذا السياق باب لحياة تنتفع بها
مخلوقات كثيرة، لا مجرد نهاية لمشهد الانتظار، وفي الحديث الصحيح جاء الإقرار بالمنعم:
«مطرنا بفضل الله ورحمته»(14)، ومن هذا الإقرار يبدأ أدب الشكر: ألا
ينسب القائد الفرج إلى عبقريته، ولا يحوّل نجاح الجماعة إلى رصيد شخصي، ولا ينسى
الناس من بقيت حاجته قائمة بعد زوال أشد الأزمة.
ويمكن أن يمتد
هذا الشكر إلى سلوك يحفظ أثر المحنة؛ صيانة الماء من الهدر، واستمرار التعاون الذي
نشأ وقت الشدة، ومتابعة حقوق المتضررين، وتثبيت ما ظهر من وسائل نافعة في خدمتهم، فليس
من الحكمة أن تُنسى الحاجة المشتركة بمجرد أن تتحسن الأحوال، ولا أن تعود المظالم
التي دُعي الناس إلى الخروج منها.
وهكذا يقود خبر
موسى بن نصير إلى معانٍ أوسع من تصوير قائد لا يخاف أو جماعة تبكي: إلى إنسان يعرف
حاجته إلى ربه، ومسؤول لا يتخلى عن تدبيره، ومجتمع يصون ضعيفه، وقارئ لا يضحي
بالدقة في سبيل التأثير، وما لم يثبت من تفاصيل الرواية يبقى في دائرة التوقف، أما
التوبة والتوكل والعدل والرحمة، فشواهدها قائمة في أصولها المعتبرة.
ولعل أجمل ما يبقى من هذا المشهد أن الافتقار إلى الله لا يصغّر الإنسان عن مسؤوليته، بل يرده إليها من غير غرور؛ يعمل لأنه مأمور، ويدعو لأنه محتاج، ويرحم لأنه لا يستغني عن الرحمة، فإذا اخضرت الأرض، بقي عليه أن يتعهد ما نبت في قلبه زمن القحط.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (4/ 498).
- 2 معجم البلدان (1/ 228).
- 3 روضة الطالبين (2/ 91).
- 4 جامع العلوم والحكم (2/ 498).
- 5 سنن الترمذي بسند صحيح (558).
- 6 الأحكام السلطانية: الماوردي، ص 40.
- 7 صحيح البخاري (2896).
- 8 فتح الباري (6/ 89).
- 9 المغني: ابن قدامة (3/ 335).
- 10 روضة الطالبين (2/ 91 - 92).
- 11 المجموع شرح المهذب (4/ 521).
- 12 متفق عليه، أخرجه البخاري (6340)، ومسلم (2735).
- 13 فتح الباري (11/ 141).
- 14 متفق عليه، البخاري (846)، ومسلم (71).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً