كن من الأوائل
أمراء الفصاحة والبيان يقولون: إن جميل البيان سحر للجنان، وما أروعه من سؤال يختصر الزمان والمكان! هذا الذي سأله النبي العدنان صلى الله عليه وسلم للصحابي المتردد الحيران يوقظ به الوسنان وينبه الغفلان ليكون في طليعة الركبان: «يَا ذَا الْجَوْشَنِ، هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَكُونَ مِنْ أَوَائِلِ هَذَا الْأَمْرِ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ؟»، قَالَ: رَأَيْتُ قَوْمَكَ كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوكَ وَقَاتَلُوكَ فَأَنْظُرُ فَإِنْ ظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ آمَنْتُ بِكَ وَاتَّبَعْتُكَ وَإِنْ ظَهَرُوا عَلَيْكَ لَمْ أَتَّبِعْكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا ذَا الْجَوْشَنِ، لَعَلَّكَ إِنْ بَقِيَتَ قَرِيبًا أَنْ تَرَى ظُهُورِي عَلَيْهِمْ»، قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَبِضَرِيَّةٍ إِذْ قَدِمَ عَلَيْنَا رَاكِبٌ مِنْ قِبَلِ مَكَّةَ فَقُلْنَا: مَا الْخَبَرُ وَرَاءَكَ؟ قَالَ: ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ: فَكَانَ ذُو الْجَوْشَنِ يَتَوَجَّعُ عَلَى تَرْكِهِ الْإِسْلَامَ حِينَ دَعَاهُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(1).
خاطب النبي صلى
الله عليه وسلم فطرة ذي الجوشن الضبابي ليكون في الطليعة ورأس النفيضة، أراده أن
يكون في صفوف الأوائل رأساً فأبى إلا أن يكون في الأواخر ذنباً، فتأخر إسلامه عن
أقرانه ستاً، والعاقل لا يؤجل فرصة الانضواء تحت لواء الحق، فإن الفرص الذهبية لا
تتكرر بنفس البريق، ومن أراد الارتقاء فلا يرتمي في أحضان السفهاء، وإلا عض أسنة
الندم ولعق الشقاء، وحين يصل الحازم إلى مبتغاه يظل المتردد سادراً في غيّه وعماه،
والتردد في اتخاذ القرارات المصيرية قد يحرمك من مرتبة السابقين، وموكب الصالحين.
السابقون الأولون
الجد والاجتهاد
عواقبه حميدة، وثمرته يانعة، وقطوفه دانية، وظلاله ممتدة، ولذاته مطردة يقول د.
مصطفى السباعي رحمه الله: «عمرك هو اللحظة التي أنت فيها، فأتقن العمل، فقد لا
تواتيك فرصة أخرى للعمل»(2)؛ لذا، حث الإسلام أتباعه إلى ضرورة التبكير
والمسارعة إلى الصلوات والطاعات قبل دخول أوقاتها، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنِ
اغْتَسَلَ يَومَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأنَّما قَرَّبَ
بَدَنَةً، ومَن رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ بَقَرَةً،
ومَن رَاحَ في السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ كَبْشًا أقْرَنَ، ومَن
رَاحَ في السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ دَجَاجَةً، ومَن رَاحَ في
السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ
حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» (صحيح البخاري، 881).
وعن أبي هريرة
رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو يعلم الناس ما في النداء
والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير
لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا» (صحيح البخاري،
59).
وقال صلى الله
عليه وسلم: «تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال أقوام يتأخرون حتى
يؤخرهم الله» (صحيح مسلم، 438)؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «من
جاء أول الناس وصف في غير الأول فقد خالف الشريعة»(3)، التبكير
والتهجير واغتنام الفرص ديدن السابقين وشعار الأولين، وهكذا فلتكن الرجال!
مفتاح البؤس
من بديع كلام
العقلاء: لا تحرق الفرص الذهبية بسبب الإفراط في تناول جرعات زائدة من الكسل، لأنه
آفة قلبية يوهن الهمة ويضعف الإرادة ويجر إلى التراخي والفتور، وهو مفتاح البؤس
وبوابة العجز ومنهما تولدت الفاقة ونتجت الهلكة.
يقول الإمام ابن
القيم رحمه الله: «وأجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من رافق
الراحة فارق الراحة، وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة، فإن قدر التعب
تكون الراحة»(4).
والتكاسل
والتثاقل مقبرة الإبداع؛ لأن صاحبه يميل إلى الدعة وقلة الحركة، طاقاته مدفونة
ومواهبه منسية؛ لذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إنِّي
أعُوذُ بكَ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ، والجُبْنِ والهَرَمِ، وأَعُوذُ بكَ مِن
فِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ، وأَعُوذُ بكَ مِن عَذابِ القَبْرِ» (صحيح البخاري،
2823)، فمن يقف ساكناً كالشجرة التي جفت جذورها، ويبست أغصانها، فذاك امرؤ يطلب
أمراً كان مستحيلاً، ويسلك طريقاً مسدوداً، ولن يتسنى له ذلك حتى يلج الجمل في سم
الخياط! وهلم فانشط ولا تكسل، فمن دام كسله ضل سعيه وخاب أمله وتخلف ركبه وقلت
حيلته.
طليعة الأوائل
في طليعة
النبلاء وكتيبة النجباء ومقدمة الأولياء أبو بكر الصديق رضي الله عنه سيد الفضلاء،
إن أردت أن تذكر خلقه وعبادته فإنه البدر إن رمت بدراً، وهو الشمس إن أردت شمساً، فقد
جمع الفضائل كلها فلم يكن أحد أشبه بالحبيب المصطفى منه، أول الخلفاء الراشدين
وأول العشرة المبشرين، شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم
يفارقه في حضر ولا سفر.
قال عنه الحبيب
المصطفى صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ
ومَالِهِ أبو بَكْرٍ، ولو كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِن أُمَّتي لَاتَّخَذْتُ
أبَا بَكْرٍ، ولَكِنْ أُخُوَّةُ الإسْلَامِ ومَوَدَّتُهُ، لا يَبْقَيَنَّ في
المَسْجِدِ بَابٌ إلَّا سُدَّ، إلَّا بَابُ أبِي بَكْرٍ» (صحيح البخاري، 3904).
كان سباقاً
للخيرات، مشمراً لفعل الطاعات، مسارعاً في الصالحات، فعن أبي هريرة قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «مَن أصبح منكم اليوم صائمًا؟»، قال أبو بكر رضي الله
عنه: أنا، قال: «فمن تَبِعَ منكم اليوم جنازةً؟»، قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا،
قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟»، قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، قال: «فمن
عاد منكم اليوم مريضًا؟»، قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «ما اجتمعن في امرئٍ إلا دخل الجنة» (صحيح مسلم، 1028).
والإمام ابن
القيم رحمه الله يلخص فضائله العظيمة ومواقفه السديدة بعبارة بليغة وجيزة فيقول: «دعي
إلى الإسلام فما تلعثم ولا أبى وسار على المحجة فما زلَّ ولا كبا، وأكثر في
الإنفاق فما قلل حتى تخلل بالعبا، تالله لقد زاد على السبك في كل دينار دينار؛ (ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ) (التوبة 40)، من كان قرين النبي صلى الله عليه وسلم في شبابه؟ من ذا
الذي سبق إلى الإيمان من أصحابه؟ من الذي أفتى بحضرته سريعاً في جوابه؟ من أول من
صلى معه؟ من آخر من صلى به؟ من الذي ضاجعه بعد الموت في ترابه؟ فاعرفوا حق الجار، والله
ما أحببناه لهوانا، ولا نعتقد في غيره هوانا، ولكن أخذنا بقول عليّ وكفانا: رضيك
رسول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا»(5).
وبعد، فهذا ما جادت به القريحة، وفاض به الخاطر، فالتمس فيه ما يناسبك، ودع عنك ما لا يروق لك منه، ولك مني أرق تحية وعليك من الله أغلى سلام.