كيانات بديلة ولعنة «العقد الثامن».. الكيان الصهيوني إلى أين؟
في فترات
الانقسام والتشرذم، يبحث الصهاينة عن وطن بديل، وفي أوقات الحروب الصهيونية على
غزة أو لبنان، يكشف الصهاينة عن معدنهم الحقيقي في البحث عن «أرض ميعاد جديدة»
بعيدًا عن الأراضي الفلسطينية المحتلة، ففي العام 2006م إبان الحرب على لبنان،
هاجر آلاف الصهاينة إلى قبرص واليونان، لقربهما الجغرافي ولمناخهما وطبيعتهما
الشرق أوسطية، الأمر الذي تكرر، مؤخرًا، خلال فترة الحرب على إيران، ومن قبلها
سنوات الإبادة الجماعية على القطاع.
تداولت وسائل
الإعلام العبرية، في الفترة الأخيرة، تقارير تفيد بمحاولة الصهاينة البحث عن «أرض
ميعاد جديدة»، وتأتي قبرص على رأس هذه الأماكن، في ظل وجود 15 ألف «إسرائيلي»،
بعدها الأرجنتين ودول أخرى، مثل رومانيا والولايات المتحدة وروسيا، غير أن التركيز
الصهيوني قد انصب على دولتين؛ قبرص والأرجنتين، لعدد من الأسباب، بعيدًا عن
النظريات الدينية التي رأت أن حلم اليهود يتحقق فقط في فلسطين!
«أرض ميعاد» في قبرص
وفي 3 يوليو
2025م، أكدت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، أن عدد «الإسرائيليين» الحقيقي الذين
يعيشون في قبرص يقارب 15 ألفاً؛ وفي يوليو من العام الماضي، نشرت «هيئة البث»
تقريرًا بعنوان «قبرص إكسبريس»، ويتضمن تعبير مستوطنة «إسرائيلية»، يحكي عن حياة
الصهاينة في قبرص الذين لا يفكرون في العودة إلى الكيان، بعدما رأوا أن العيش في
قبرص أفضل منه في «إسرائيل»، وبعضهم حقق نجاحات كبيرة، في مجالات العقارات والطب
والتكنولوجيا ويجدون أن العلاقات الإنسانية غير موجودة في «إسرائيل».
وتناقلت وسائل
الإعلام القبرصية مقاطع فيديو تتناول حوارًا بين أحد اليهود المتطرفين من الحريديم،
وهو يقول: إن لم نسرق قبرص فسيسرقها غيرنا، وفي مقطع فيديو ثانٍ، يقول حريدي آخر: وُعدنا
بقبرص منذ 3500 عام، وأخيرًا عدت إلى وطني.
«غيتو» يهودي في قبرص
كتبت صحيفة «يسرائيل
هيوم» العبرية، في 11 مايو 2026م: إن هناك عاصفة سياسية وغير مسبوقة في قبرص على
خلفية تدفق رؤوس الأموال «الإسرائيلية» إلى الجزيرة، بعدما رأت وسائل الإعلام
المحلية أن عمليات شراء الأراضي والعقارات من قبل «الإسرائيليين» غيَّرت بشكل تدريجي
من وجه الجزيرة وخلقت تبعية خطيرة لرأس المال الأجنبي.
ووجه برلمانيون
قبارصة تحذيراً لبلادهم تحت عنوان «إسرائيل تشتري قبرص» بدعوى أن «الإسرائيليين»
يحتلون الجزيرة عبر شراء الأراضي لتصبح الجزيرة واحدة من أكثر الوجهات المرغوبة
لدى «الإسرائيليين»، سواء لقضاء العطلات أو للاستثمار، لقربها الجغرافي من «إسرائيل»،
وقصر الرحلات الجوية التي تستغرق 40 دقيقة فقط، وإمكانية العمل عن بُعد، فضلاً عن
الشعور بأنها دولة أوروبية قريبة وآمنة.
الصحيفة العبرية
أكدت أن الأمر لم يقتصر على شراء العقارات فحسب، بل تعداها إلى إنشاء مناطق
بأكملها تتركز فيها جالية «إسرائيلية»، مع بنية تحتية شبه مستقلة، وكأنها «غيتو»
صهيوني في قلب قبرص، بعدما دشنت أحياء سكنية مغلقة، تشمل مدارس وخدمات مجتمعية
ومشاريع سكنية خاصة تنفصل عن النسيج الاجتماعي القبرصي، وبدأ القبرصيون يستخدمون
عبارات مثل «الجزيرة تُباع قطعة قطعة»، حتى إن اللغة العبرية باتت مسموعة بوضوح في
الأسواق والمطاعم والفنادق الفخمة، وحتى باتت لديهم مقبرة يهودية.
الأرجنتين وطن بديل قديم
ولم تخرج
الأرجنتين من الحسابات الصهيونية بعد، فقد عادت شكوك قديمة بشأنها من قبل
الصهاينة، وسبق أن رشحها مؤسس الحركة الصهيونية، ثيودرو هرتزل، إلى جانب فلسطين،
لتكون وطنًا بديلاً لليهود، استنادًا إلى نظريات قالها في كتابه «دولة اليهود»،
فثمة حديث عن مخطط «إسرائيلي» يتحرك في البلد الجنوب أمريكي، والمسمى بـ«مخطط
إندينيا»، كاشفًا تحركات صهيونية جديدة لإنشاء دولة يهودية في منطقة باتاغونيا
بجوار جبال الإنديز، وهي سلسلة جبال تقع بين الأرجنتين وتشيلي.
وسبق لعدد من «الإسرائيليين»
القيام بعمليات تخريب في هذه الجبال لإحراق الغابات تمهيدًا لشراء الأراضي فيها
بأبخس الأثمان، وهي الأراضي التي دخلوها تحت غطاء السياحة، في شكوك جعلت الشارع
الأرجنتيني يغلي ويتظاهر، دفعت الرئيس خافيير ميلي إلى سحب بند تملك الأجانب من
قانون حاول تقديمه لتخفيف قيود تملك الأجانب للأراضي الريفية في بلاد، الذي سبق
ووصفته المعارضة الداخلية بأنه محاولة لاستعمار الأرجنتين، في وقت كثر الحديث عن الأرجنتين
«فلسطين الجديدة».
كيانات بديلة وأزمة العقد الثامن
وتأتي رغبة
الصهاينة في تكوين كيانات بديلة عن فلسطين، للعديد من الأسباب، التي ربما تجعل من لعنة العقد الثامن حقيقة ماثلة أمامنا، نتيجة لأزمات راهنة تتزايد بمرور الوقت، وتضر
الكيان بعمق وهي عوامل تفقده تماسكه الداخلي الأساسي، منها الصراع بين العلمانيين
والمتدينين، وصراع على هوية الدولة وحقوق الأفراد قبل النظر لحقوق المجتمع نفسه،
فضلاً عن التغير الديموغرافي لصالح المجتمع المتطرف الحريدي، وصعود التيار اليميني
المتشدد؛ ما يعني نقل مركز الثقل السياسي الداخلي نحو اليمين المتطرف ليزيد الفجوة
مع التيارات الليبرالية والعلمانية التي أسست الكيان، تاريخيًا، ممثلاً في حزب العمل.
فضلاً عن تصاعد
أزمة العبء الاقتصادي والعسكري، والمساوة أمام القانون بشأن قانون التجنيد
الإجباري في الجيش، وهي قضايا باتت نتائجها واضحة من خلال استطلاعات الرأي الأخيرة
التي تتناقلها وسائل الإعلام العبرية، التي تكشف عن تصاعد متنامٍ لتيار اليمين على
حساب التيارات العلمانية – الليبرالية في الكيان.
ربما تعيش «إسرائيل»
أخطر أزماتها البنيوية منذ العام 1948م، بعدما ازدادت الشروخ المجتمعية والدينية
وتآكلت نظريات الردع العسكرية، أمام ارتفاع مؤشرات المقاومة في جهات عدة، بدءاً من
غزة مرورًا بالضفة الغربية ولبنان وإيران وسوريا نهاية باليمن، ما يشي بأن الكيان
الصهيوني الحالي أمام عقبات تحول دون استمراره بنفس صيغة العقود الماضية، لتحل عقد
الجيل الثامن الذي يعني نهاية حتمية وبقاءه مجرد وقت، لينتقل إلى كيانات أخرى خارج
فلسطين.
تحذيرات «إسرائيلية» من نهاية المشروع
الثابت أن
العديد من المسؤولين «الإسرائيليين» قد عبروا عن ذلك أيضًا، منهم أبراهام بورغ،
رئيس الكنيست الأسبق، حينما نشر مقالاً في «هاآرتس» العبرية، عام 2003م، قال فيه:
إن هناك احتمالاً حقيقياً بأن يكون جيلنا هو الجيل الصهيوني الأخير، موضحًا أن المشروع
الصهيوني الاستعماري قد شارف على نهايته، ولم يعد له مكان في القرن الحادي
والعشرين.
وأعرب رئيس
الوزراء الأسبق إيهود باراك عن تخوفه الجم من تعمق الأزمات الداخلية وتفكك كيانه
الصهيوني، مستعرضًا عقدة الجيل الثامن لـ«إسرائيل»، حينما كتب مقالاً في صحيفة «يديعوت
أحرونوت»، في 8ايو 2022م، مستشهدًا في ذلك بـالتاريخ اليهودي الذي يفيد بأنه لم
تُعمَّر لليهود دولة أكثر من 80 سنة إلا في فترتين؛ هما تجربة مملكة داود، وسليمان،
التي دامت 80 عامًا، في العام 1000ق.م، ومملكة الحشمونيين التي دامت 79 عامًا فقط
(بين عامي 140- 37ق.م)، وكلتا الفترتين كانتا بداية تفككهما في العقد الثامن.
التحذير نفسه
كرره نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الأسبق، في 3 مايو 2022م، عن قلقه بشأن زوال
الدولة وتفككها بسبب الخلافات الداخلية، وكأنهما كانا على موعد واحد مع التحذيرات
الداخلية، حيث ذكر في كلمة له أن دولة يهودية موحدة ذات سيادة لم تقم على الأرض
منذ أكثر من 80 عامًا، ونحن الآن في العقد الثامن من عمر «إسرائيل»، وهذه هي
الفرصة الثالثة للشعب اليهودي، إنه عقد لم نشهده من قبل.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً