العنوان الشرق والغرب في خدمة الهجرة اليهودية
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1985
مشاهدات 62
نشر في العدد 747
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 24-ديسمبر-1985
تحدثت وسائل إعلامية مختلفة عن صفقة جديدة يجري الإعداد لها حاليًا ويشترك فيها المعسكران الشرقي والغربي، وتدور هذه الصفقة حول ترحيل عدة آلاف من اليهود الروس ربما يصل عددهم إلى 15 ألف يهودي من الاتحاد السوفييتي إلى إسرائيل وأن هذه الصفقة يجري بحثها من خلال اتصالات مكثفة بين العواصم المعنية، وهي واشنطن وموسكو والقدس المحتلة وباريس ووارسو ... وهذه العواصم تمثل الكتلتين الشرقية «موسكو ووارسو» والغربية «واشنطن وباريس»، وما يجري بين هذه العواصم يخدم الكيان الصهيوني ويدعم مسيرته الاستيطانية.
فقد ذكرت صحيفة «لوموند» الفرنسية الواسعة الاطلاع أن محادثات دولية سريَّة حول مغادرة خمسة عشر ألف يهودي من الاتحاد السوفييتي إلى إسرائيل عبر بولندا كانت أحد الأسباب المباشرة لزيارة الزعيم البولندي الجنرال ياروزلسكي لفرنسا قبل أسبوعين، وقالت الصحيفة إن محادثات تجري حاليًا بين العواصم المعنيَّة بالهجرة اليهودية، وإن هذه المحادثات تعرضت إلى كافة النقاط التي تساعد على تحقيق هذا الهدف والتي يُعتقد أن من بينها الموافقة على عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط يشارك فيه الاتحاد السوفييتي، وعندها يمكن تنفيذ مخطط تهجير اليهود بإشراف فرنسي بولندي تكون فيه العاصمة البولندية وارسو محطة تجميع اليهود الروس لنقلهم بعدها إلى إسرائيل.
المؤشرات الدالة على الصفقة
ما ذهبت إليه الصحافة العالمية ومنها صحيفة اللوموند الفرنسية على سبيل المثال عن وجود صفقة جديدة «يشترك فيها المعسكران الدوليان» تهدف إلى ترحيل 15 ألف يهودي روسي من الاتحاد السوفييتي إلى إسرائيل لم نكن لنعتقد بوجودها «أي الصفقة» لولا توفُّر عدة مؤشرات تدل عليها، نستعرض بعضًا منها فيما يلي:
1- زيارة الرئيس البولندي لفرنسا:
الزيارة التي قام بها الجنرال ياروزلسكي رئيس الدولة البولندية لفرنسا قبل أسبوعين والتي قوبلت باحتجاجات ومظاهرات جماهيرية كبيرة تعبيرًا عن رفض الشعب الفرنسي لهذه الزيارة بسبب الدكتاتورية القمعية التي يتصف بها الجنرال البولندي، حتى أن رئيس الوزراء الفرنسي لوران فايوس قدم استقالته «التي لم تقبل» احتجاجًا على هذه الزيارة ومع ذلك تمت هذه الزيارة التي وصفت بأنها ناجحة مما يدل على أنها كانت ضرورية جدًا، وأنه لم يكن بالإمكان التراجع عنها مما يدعم الآراء التي تقول إن هذه الزيارة كانت بتحريض من القوتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، لتدرس مسألة هجرة اليهود نيابة عنهما، وهذا ما أكدته صحيفة اللوموند الفرنسية بقولها إن أحد الأسباب الرئيسية لهذه الزيارة كان بحث موضوع هجرة اليهود السوفييت لإسرائيل، كما أكد وزير خارجية إسرائيل على ذلك في تصريح له أثناء زيارته لإسرائيل في الأسبوع الماضي حين قال: إن الزعيم البولندي والرئيس الفرنسي ميتران بحثا موضوع اليهود السوفييت خلال زيارة ياروزلسكي لباريس.
2- زيارة وزير خارجية فرنسا لإسرائيل: قام وزير خارجية فرنسا رولان دوما بزيارة إسرائيل في الأسبوع الماضي أجرى خلالها محادثات مع زعماء العدو حول قضية الشرق الأوسط، وقد تمت الزيارة إثر انتهاء زيارة الزعيم البولندي ياروزلسكي لفرنسا مما يدل على أن الوزير الفرنسي نقل لزعماء العدو ما دار بين الرئيسين البولندي والفرنسي وخاصة أنه أكَّد أن محادثات الزعيمين البولندي والفرنسي تضمنت هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل، كما حاول دوما استمالة العدو الإسرائيلي من خلال تعرضه لمنظمة التحرير الفلسطينية، ووصفها بأنها منظمة مقاتلة لا تمثل الشعب الفلسطيني كله، كما تعهد بأن تبذل فرنسا جهودها لإعادة العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول الإفريقية بالإضافة إلى تعهده بضمان توريد المنتجات الإسرائيلية إلى دول السوق الأوروبية المشتركة... كل هذه النقاط تشكل عوامل جذب باتجاه دفع إسرائيل لقبول فكرة المؤتمر الدولي واشتراك الاتحاد السوفييتي لضمان وصول المهاجرين اليهود من الاتجاه السوفييتي، وجدير بالذكر أن الموقف الفرنسي كان مؤيدًا لترحيل اليهود السوفييت إلى إسرائيل، وقد تأكد ذلك بشكل قاطع من خلال إعلان الرئيس الفرنسي ميتران عن استعداد فرنسا لتأمين نقل اليهود السوفييت إلى إسرائيل عبر جسر جوي بين باريس وموسكو ومن ثم يتم نقل اليهود المهاجرين من باريس إلى إسرائيل.
3- زيارة رئيس المؤتمر اليهودي لبولندا: قام رئيس المؤتمر اليهودي العالمي ادغار برونغمان بزيارة للعاصمة البولندية وارسو حيث التقى بعدد من المسؤولين البولنديين الذين بحث معهما المصالح اليهودية، وفي مقدمتها هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل وكانت الأنباء قد ذكرت أن هذه الزيارة تمت تلبية لدعوة وجهت لرئيس المؤتمر اليهودي من الرئيس البولندي الجنرال ياروزلسكي مباشرة.
والملاحظ في هذه الدعوة أنها أتت بعد السوفييتي، والجدير بالذكر أن الموقف الفرنسي أجرى محادثات مع الرئيس الفرنسي ميتران حول هجرة اليهود الروس، والذي نعتقده أن ياروزلسكي نقل إلى رئيس المؤتمر اليهودي العالمي نتائج محادثاته مع ميتران وما تم التوصل إليه بشأن الهجرة اليهودية وأبعاد التحرك الفرنسي والبولندي لخدمة هذا الغرض.
4- العلاقات الإيجابية بين بولندا وإسرائيل: سبق التحرك البولندي حول قضية المهاجرين اليهود تطوير العلاقات بين إسرائيل وبولندا إلى الحدِّ الذي يمكن معه تحقيق الهدف من ذلك التحرك، فمن المعروف أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قطعت منذ عام 1967 إثر حرب الأيام الستة، وقد اتخذت الدولتان في الأشهر القليلة الماضية عدة إجراءات لتحقيق التقارب بينهما ومنها اللقاءات الرسمية كلقاء إسحق شامير وزير خارجية إسرائيل مع نظيره البولندي، افتتاح مكاتب دبلوماسية في العاصمتين تمهيدًا لأي إعلان يتم مستقبلًا عن إعادة العلاقات الدبلوماسية كاملة، افتتاح مكاتب تجارية وتبادل خبرات فنية وقيام فرق فنية بتقديم عروضها الفنية كان آخرها عرض مسرحية بولندية في إسرائيل حضرها رئيس دولة العدو حاييم هيرتزوغ وشمعون بيريز وشامير وغيرهم... وتعني هذه العلاقات الإيجابية إعطاء الضوء الأخضر لأي تحرك بولندي رسمي حول قضية الشرق الأوسط وهجرة اليهود والسوفييت.
5- مؤتمر الحزب الشيوعي الإسرائيلي: عقد في الرابع من شهر ديسمبر الحالي المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي الإسرائيلي وقد تميز هذا المؤتمر بالذات بحضور رئيس الكيان الصهيوني حاييم هيرتزوغ الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، وما يلفت النظر في هذا الحضور الرسمي للدولة أنه يحدث لأول مرة في تاريخ الكيان اليهودي، ومن المعتقد أن حضور رئيس الكيان الصهيوني للمؤتمر الشيوعي يمثل في حد ذاته توجهًا إيجابيًّا نحو الاتحاد السوفييتي، وكما يقول بعض المراقبين الغربيين في إسرائيل أن حضور حاييم هيرتزوغ مؤتمر الحزب الشيوعي الإسرائيلي يهدف إلى توجيه رسالة لموسكو تلفت نظر الزعامة السوفييتية إلى التوجهات الإيجابية لإسرائيل نحو الاتحاد السوفييتي ورغبتها في تحسين العلاقات معه...
وفي الخطاب الذي ألقاه هيرتزوغ بالمؤتمر شكر الدول الشيوعية على دعمها للدولة اليهودية منذ نشأتها قبل 40 عامًا وأشار إلى موقف الاتحاد السوفييتي والشيوعية الدولية الإيجابية تجاه إسرائيل عند مناقشة إنشاء الكيان اليهودي عام 1947... وبعد انتهاء الخطاب أجرى حاييم هايرتزوغ لقاء مع ميناشيف رئيس الوفد السوفييتي إلى مؤتمر الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وطلب منه نقل تحياته إلى الزعماء السوفيات وأبدى استعداده لقبول دعوتهم لزيارة الاتحاد السوفييتي، وجدير بالذكر هنا أن ميناشيف هذا هو أحد أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي ... ومن هنا فإن لقاءه مع رئيس الكيان الصهيوني بالإضافة إلى خطاب هيرتزوغ في المؤتمر الشيوعي الإسرائيلي... يعتبر تأكيدًا على الاتجاهات الإيجابية في العلاقات الإسرائيلية مع الكتلة الشيوعية ومن ثم توظيف هذه العلاقات لتحقيق حلم الزعامة الإسرائيلية وفي رؤية الآلاف من يهود الاتحاد السوفييتي وقد استقروا في فلسطين المحتلة.
بالإضافة إلى هذه المؤشرات فهناك مؤشرات أخرى لم نتمكن من ذكرها لا تقل أهمية عن تلك التي ذكرناها في هذه المقالة، ومنها القمة الأمريكية- السوفييتية، التي جمعت بين غور باتشيف، وريغن والتي تأكد من خلال تصريحات بعض المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين أن القمة المذكورة بحثت موضوع هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل.
وأيضًا هناك زيارة غور باتشيف إلى فرنسا واجتماعه مع ميتران وبحث موضوع الهجرة اليهودية.
وبعد،
فإن الذي يهمنا نحن المسلمين أن نستوعب حقيقة الاتجاهات العدائية التي تجمع بين الشرق والغرب ضدنا وضد قضيتنا الأولى فلسطين، وإن هذا العداء ينطلق من مفهوم عقدي يجمع بين العقيدتين الشيوعية والصليبية ضد العقيدة الإسلامية، سواء كان ذلك في فلسطين أو في أي مكان آخر.