حِينَ تُصْبِحُ الْغَايَةُ الْوَاضِحَةُ طَرِيقًا لِبِنَاءِ الْإِنْسَانِ

كيف حول عامر بن عبد قيس وقته إلى أثر؟

د. نصر حسن

06 أغسطس 2026

201

مشهد تعبيري يجسد أحد أعلام التابعين وهو يجعل يومه قائمًا على تعليم القرآن والعبادة والانضباط، في إشارة إلى قيمة الوقت وصناعة الأثر.

أورد الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ قَيْسٍ(1) كَانَ يَقُولُ: مَنْ أُقْرِئُ؟ فَيَأْتِيهِ نَاسٌ، فَيُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيُصَلِّي إِلَى الظُّهْرِ، ثُمَّ يُصَلِّي إِلَى الْعَصْرِ، ثُمَّ يُقْرِئُ النَّاسَ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَيَأْكُلُ رَغِيفًا، وَيَنَامُ نَوْمَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يَقُومُ لِصَلَاتِهِ، ثُمَّ يَتَسَحَّرُ رَغِيفًا، وَيَخْرُجُ(2).

يقدم هذا الأثر صورة مكثفة عن واحد من أعلام التابعين الذين ارتبطت أسماؤهم بالزهد والعبادة والتعليم، وهو عامر بن عبد قيس التميمي العنـبري البصري، ولا يظهر هذا الموقف بوصفه جدولًا يوميًا مجردًا، بل بوصفه نافذة تكشف عن طريقة تشكل الإنسان في عصر التابعين؛ عصرٍ انتقلت فيه الأمة من مرحلة التأسيس الأولى إلى مرحلة الاتساع الحضاري، وبدأت تظهر فيه تحديات جديدة تتعلق بالمال والعمران والانشغال بالدنيا.

والقراءة العلمية لهذا الخبر تنطلق من كونه أثرًا منقولًا في كتب التراجم والرقائق، فيُفهم ضمن سياقه التاريخي والتربوي، مع التمييز بين ما يثبته النص نفسه وبين الدلالات التحليلية التي يمكن استنباطها منه.

بيئة البصرة بين اتساع الدنيا والتربية الإيمانية

نشأ عامر بن عبد قيس في البصرة، إحدى أهم الحواضر الإسلامية في القرن الأول الهجري، وقد تميزت هذه المدينة بتنوع مظاهر الحياة فيها؛ فكانت مركزًا للعلم والقراءة والفقه، كما كانت في الوقت نفسه بيئة نشطة بالحركة التجارية واتساع العمران وتنوع الوافدين إليها بفعل الفتوحات، ولذلك فقد جمعت البصرة بين مجالين متجاورين؛ مجال ازدهار الدنيا واتساع أسبابها، ومجال بناء الإنسان علميًا وروحيًا.

وفي هذه البيئة المتنوعة برز نموذج عامر بن عبد قيس بوصفه اختيارًا واعيًا لمنهج يقوم على تقديم الغاية الإيمانية على الانشغال بالمظاهر الدنيوية.

ولم يكن عامر بن عبد قيس متفردًا بهذا المنهج، بل كان امتدادًا لمدرسة تربوية أصيلة نشأت في جيل الصحابة والتابعين، جمعت بين الزهد القلبي والمشاركة الإيجابية في الحياة؛ فلم تجعل المال مذمومًا لذاته، وإنما حذرت من أن يتحول إلى غاية تستعبد الإنسان وتصرفه عن رسالته.

ويؤكد ذلك ما رُوِيَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، أَنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ كِيسٌ فِيهِ خَمْسُمِائَةُ دِينَارٍ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَسْتَعِينَ بِهَا، فَأَبَى، وَأَخَذَ نَعْلَهُ وَخَرَجَ، وَلَمْ يُمْسِكْهُ، وَكَانَ يَلْبَسُ الْقَمِيصَ الْوَاحِدَ فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ، وَيَأْكُلُ الْخُبْزَ وَالزَّيْتَ، وَيَشْتَدُّ فِي الْعِبَادَةِ»(3).

فهذا الموقف لا يعكس مجرد اختيار فردي للتقشف، وإنما يمثل نمطًا من التربية الإيمانية التي نشأت في ذلك العصر، حيث كان ضبط العلاقة بالدنيا وسيلةً لحفظ استقلال القلب والتفرغ لما هو أسمى من متعها.

وفي إطار هذا المناخ التربوي نفسه يمكن فهم خصوصية نموذج عامر بن عبد قيس؛ فقد عاش في مجتمع اتسعت فيه مظاهر العمران والحياة، لكنه اختار أن يجعل هذه البيئة مجالًا لبناء الإنسان لا لاستغراق النفس في متاعها، فكان زهده صورةً من صور التربية الإيمانية التي تضبط علاقة الإنسان بالدنيا؛ يأخذ منها ما يعينه على رسالته، ولا يسمح لها أن تشغله عنها، وبذلك يقدم نموذجًا لشخصية استطاعت أن تجمع بين الحضور في المجتمع، والاستقلال القلبي عن التعلق بما يبعدها عن غايتها.

كيف نبني الانضباط الذاتي من إدارة الوقت؟

يكشف تنظيم عامر بن عبد قيس ليومه عن مستوى مرتفع من الانضباط الذاتي؛ إذ ينتقل بين تعليم القرآن والصلاة والقيام والراحة المحدودة دون مساحة واسعة للفراغ.

ويلاحظ أن هذا التنظيم لم يكن قائمًا على الإكراه أو التكلف، وإنما كان ثمرة وضوح الغاية واستقرارها في النفس، وهو ما جعل جميع أنشطته اليومية تدور حول رسالة واحدة هي عبادة الله وتعليم كتابه.

ويتفق هذا المعنى مع توجيه القرآن الكريم الذي جعل اغتنام الليل من صفات أهل الإيمان، فقال تعالى: (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ {17} وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات)، فالآية لا تصف مجرد كثرة العبادة، وإنما تشير إلى قدرة المؤمن على تنظيم وقته وفق أولوياته الإيمانية.

ومن هنا، نبَّه العلماء إلى أن قيمة العمر لا تُقاس بعدد السنين، وإنما بحسن استثمار لحظاته؛ يقول ابن الجوزي: «واعلم -يا بني- أن الأيام تُبسط ساعات، والساعات تُبسط أنفاسًا، وكل نفس خزانة؛ فاحذر أن يذهب نفس بغير شيء، فترى في القيامة خزانة فارغة فتندم»(4)، ومن النماذج العملية التي تؤكد هذا المعنى ما جاء عن عروة بن الزبير أنه «كان يقرأ ربع القرآن كل يوم نظرًا في المصحف، ويقوم به من الليل، حتى إنه لم يترك ورده إلا في الليلة التي قُطعت فيها رجله بسبب المرض، ثم عاد إلى قيامه في الليلة التالية مباشرة»(5).

ويكشف هذا الشاهد أن المحافظة على الأعمال الصالحة لا تقوم على النشاط المؤقت أو الحماس العابر، وإنما على بناء عادة مستقرة تستمر في مختلف الظروف، وهذا هو المعنى الذي يجمع بين سيرة عروة بن الزبير، وسيرة عامر بن عبد قيس؛ فكلاهما جعل العبادة جزءًا من نظام حياته، لا عملًا استثنائيًا مرتبطًا بظروف معينة.

ومن ثَمَّ، فإنَّ القيمة التربوية لهذا النموذج لا تتمثل في تقليد تفاصيله الجزئية، وإنما في استيعاب المبدأ الذي يحكمه؛ وهو أنَّ الإنسان كلما سمت غايته، أصبح أقدر على إعادة تشكيل عاداته اليومية، وتوجيه وقته نحو ما يحقق رسالته، فالطاقة البشرية تتبع المعنى الذي يحكمها؛ فإذا امتلأ القلب بهدف كبير أصبح احتمال المشقة أيسر.

وفي واقع الناس اليوم، حيث تتنافس المشتتات على اقتطاع الوقت والانتباه، يقدم هذا النموذج سؤالًا جوهريًا: ما الذي يحتل المساحة الأكبر في يوم الإنسان؟ فإدارة الوقت ليست مجرد مهارة إنتاجية، بل تعبير عن ترتيب القيم.

«من أُقرئ؟» كيف تبني المبادرة الشخصية القيادية؟

من أكثر العبارات دلالة في الخبر قول عامر بن عبد قيس: «مَنْ أُقْرِئُ؟»؛ إذ تكشف هذه العبارة عن شخصية لا تنتظر أن يُطلب منها العطاء، وإنما تبادر إلى البحث عن مواضع النفع، فالسؤال لم يكن بحثًا عن مكانة أو شهرة، بل كان تعبيرًا عن شعور عميق بالمسؤولية تجاه تعليم كتاب الله، حتى أصبح التعليم جزءًا أصيلًا من برنامجه اليومي.

وهذا المعنى يلتقي مع التوجيه النبوي الذي جعل تعليم القرآن من أفضل الأعمال، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «‌خَيْرُكُمْ ‌مَنْ ‌تَعَلَّمَ ‌الْقُرْآنَ ‌وَعَلَّمَهُ»(6)، ومن ثَّم، فإن المبادرة إلى التعليم لم تكن عند عامر عملًا فرديًا عارضًا، بل كانت امتثالًا عمليًا لهذا التوجيه النبوي، وإدراكًا بأن العلم لا يؤدي رسالته إلا إذا انتقل من صاحبه إلى غيره.

وتتجلى روح المبادرة كذلك في مواقف الصحابة رضي الله عنهم، ولم تقتصر هذه الروح على الرجال، بل شاركت فيها نساء الصحابة مشاركة فاعلة؛ فقد سارعت أم شريك رضي الله عنها، بعد إسلامها، بمبادرة ذاتية منها إلى الدخول سرًّا على نساء قريش تدعوهن إلى الإسلام، حتى ظهر أمرها لأهل مكة، فأخذوها وعذبوها بشدة في الشمس ليمنعوها، فأنزل الله عليها الكرامة، والدلو من السماء، وشربت وسط العذاب(7).

ويؤكد هذا الموقف أن المبادرة في نشر الخير كانت سمة أصيلة في الجيل الأول، فلم يكن الصحابة ينتظرون الظروف المثالية أو توافر أسباب الراحة، بل كانوا يبادرون إلى أداء رسالتهم كلما وجدوا إلى ذلك سبيلًا، وهو المعنى ذاته الذي يظهر في سلوك عامر بن عبد قيس حين جعل تعليم القرآن محور نشاطه اليومي.

كما أن وجود العذر لا يُسقط عن المسلم دوره في خدمة الدين إذا وجد إلى ذلك سبيلًا، ومن أظهر الأمثلة على ذلك عبدالله بن أم مكتوم رضي الله عنه، الذي نزل فيه القرآن: (أَنْ ‌جَاءَهُ ‌الْأَعْمَى) (عبس: 2)، حيث لم تمنعه إعاقته البصرية من المبادرة إلى الهجرة، والقيام بما أُسند إليه من مهام؛ حتى شارك في الجهاد، وتولّى الاستخلاف على المدينة، وعقد الرايات، واستُشهد في معركة «القادسية» وهو يحمل راية المسلمين، حريصًا على سد الثغور وخدمة الدين بنفسه(8).

ومن ثم، تتجاوز القيمة التربوية لنموذج عامر بن عبد قيس تعليم القرآن إلى بناء شخصية مبادرة تستشعر واجبها قبل حقوقها، وتسأل: ماذا أقدّم؟ لا ماذا أحصل؟ وهو مبدأ يمتد أثره إلى مجالات التعليم والدعوة والعمل المؤسسي والتطوعي؛ إذ تقوم القيادة الحقيقية على الإحساس بالمسؤولية، والبحث عن مجالات النفع والعطاء، لا مجرد المطالبة بالحقوق.

هل يعني الزهد الانقطاع عن المجتمع؟

قد يُفهم الزهد أحيانًا على أنه انقطاع عن الناس، لكن نموذج عامر بن عبد قيس يقدم صورة مختلفة؛ فقد كان قيامه وصلاته وورعه مرتبطًا بعطاء اجتماعي واضح: تعليم القرآن.

وهنا تظهر العلاقة الوثيقة بين تزكية الفرد وبناء المجتمع؛ فالإنسان الذي يصلح باطنه يكون أقدر على إصلاح محيطه، والعلم الذي يستقر في النفس يتحول إلى أثر نافع في الآخرين، وعلى هذا المنهج تربّى البيت النبوي، فتخرّجت منه أجيال حملت هذا الفهم المتوازن؛ فلم يفصلوا بين العبادة والإصلاح، بل جعلوا العبادة منطلقًا لإصلاح المجتمع وخدمة الناس.

ومن أبرز الشواهد على ذلك موقف علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما (زين العابدين) في الجمع بين العبادة والنفع الاجتماعي الخفي؛ «فقد كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، ومع ذلك لم ينعزل عن مجتمعه، بل كان يحمل جراب الخبز والدقيق على ظهره ليلًا، فيتصدق به على فقراء أهل المدينة، وكان يقوت مائة بيت من أهلها لا يدرون مصدر معاشهم، حتى مات ففقدوا ذلك العطاء، ورأوا آثار السواد على ظهره من حمل الجراب»(9).

وهكذا جمع رضي الله عنه بين صلاح النفس وإصلاح المجتمع، مؤكدًا أن العبادة لا تكتمل آثارها إلا حين تتحول إلى نفعٍ للآخرين، ولهذا كان تعليم القرآن في صدر الإسلام مشروع بناء حضاري؛ فلم يكن مجرد نقل معلومات، بل كان صناعة إنسان يحمل تصورًا عن الله والكون والحياة، ويترجم هذا التصور إلى عمل وإصلاح.

كيف يساعد ضبط النفس على بناء الإرادة؟

يشير الخبر الوارد عن عامر بن عبد قيس إلى حرصه على قلة الطعام وقلة النوم، وهي صورة مرتبطة بمنهج الزهاد في تقليل التعلق بالماديات، والمقصود في هذا السياق ليس تعذيب النفس، وإنما منع الشهوات من أن تتحول إلى قائد للحياة.

فالإنسان إذا أصبح أسيرًا لكل رغبة عاجلة فقد جزءًا من قدرته على الصبر والإنجاز، أما ضبط النفس فيمنح صاحبه مساحة من الحرية الداخلية، ويجعله أقدر على توجيه طاقته نحو ما يراه ذا قيمة.

وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى من خلال سيرته العملية؛ فلم تكن الدنيا في يده غاية، ولم يكن الجسد قائدًا له، بل كان يضبط حاجاته ويوجهها لخدمة رسالته، فقد كان صلى الله عليه وسلم «يمر عليه الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ولا يوقد في بيته نار(10)، وكان يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع في غزوة الخندق»(11)، ولم يكن ذلك دعوة إلى ترك المباحات أو تعذيب النفس، وإنما كان تعبيرًا عن قوة التعلق بالغاية، بحيث لا تصبح متطلبات الجسد عائقًا أمام أداء الرسالة.

ومن هنا، فإن التقليل الواعي لا يُفهم بوصفه حرمانًا، بل باعتباره تدريبًا على امتلاك الإرادة؛ فالإنسان الذي لا يستطيع ضبط رغبة صغيرة قد يصعب عليه الالتزام بهدف كبير، ولذلك يرتبط هذا المعنى في واقعنا المعاصر بمقاومة أنماط الاستهلاك المفرط، والإفراط في الترفيه، والإدمان على المشتتات الرقمية؛ إذ إن الاقتصاد في استهلاك الوقت والطاقة والانتباه قد يكون وسيلة لاستعادة التركيز والقدرة على البناء.

بين النص الشرعي والتحليل المعاصر: كيف نفهم سير الصالحين دون مبالغة؟

إنَّ عظمة نموذج عامر بن عبد قيس لا تحتاج إلى إضافة قصص غير ثابتة أو أوصاف خارقة، فالمعنى الظاهر في النص كافٍ للدلالة على قوة الصلة بالله، وعلى قيمة التعليم، وعلى أثر القدوة العملية، غير أن القراءة المنهجية لسير الصالحين تقتضي فهم مواقفهم في إطار المقاصد الشرعية الكلية، التي تجمع بين قوة العبادة وحسن التوازن، وبين علو الهمة ومراعاة طبيعة الإنسان وحدوده.

وقد بَيَّنَ النبي صلى الله عليه وسلم أصل هذا المنهج حين نهى عن المبالغة التي قد تحوِّل العبادة من وسيلة للإصلاح إلى مشقة تؤدي إلى الانقطاع؛ فقد دخل صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها، فقالت: «هذه الحولاء بنت تُوَيْت، زعموا أنها لا تنام الليل»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تنام الليل! خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَوَاللَّهِ، لَا يَسْأَمُ اللهُ حَتَّى تَسْأَمُوا»(12)، فأرشد صلى الله عليه وسلم بذلك إلى أن قيمة العمل ليست في كثرته المجردة، وإنما في استمراره واتزانه وقدرته على بناء الإنسان.

وهذا الفهم هو الذي سار عليه العلماء والعباد من بعده؛ فلم يجعلوا كثرة العمل غاية مستقلة، بل ربطوا العبادة بحضور القلب وتحقيق المقصد، ومن ذلك قول محمد بن كعب القرظي: «لَأَنْ أَقْرَأَ فِي لَيْلَتِي حَتَّى أُصْبِحَ بِإِذَا زُلْزِلَتْ، وَالْقَارِعَةُ، لَا أَزِيدُ عَلَيْهِمَا، وَأَتَرَدَّدُ فِيهِمَا، وَأَتَفَكَّرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَهُذَّ الْقُرْآنَ لَيْلَتِي، أَوْ قَالَ أَنْثُرَهُ نَثْرًا»(13)، فهو يبين أن المقصود من العبادة ليس مجرد الكثرة أو السرعة، وإنما الوصول إلى أثرها في النفس والسلوك.

ومن ثَمَّ، فإن التعامل الرشيد مع سير الصالحين يقوم على أمرين متلازمين؛ احترام خصوصية أحوالهم، واستخراج المعاني القابلة للاقتداء، فليس المطلوب أن يعيش كل إنسان تفاصيل حياة عامر بن عبد قيس نفسها، وإنما أن يستلهم منه حضور الغاية، والانضباط، وبذل الخير، مع الالتزام بالميزان الشرعي الذي يجمع بين العبادة والعمران، وبين قوة الإرادة وحسن التوازن.

كيف يبقى أثر الإنسان بعد رحيله؟

يبقى من سيرة عامر بن عبد قيس أن الإنسان لا يصنع أثره بكثرة ما يملك، بل بوضوح ما يريد، فقد امتلك وقتًا محدودًا وجسدًا له حاجاته، لكنه وجه ذلك كله نحو رسالة واضحة، ولذلك لم يكن أثر الصالحين مرتبطًا بحضورهم الجسدي فقط، بل بما خلفوه من قيم وأعمال انتقلت إلى من بعدهم.

وقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) (يس: 12)؛ أي: «نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم فنجزيهم على ذلك أيضا إن خيراً فخير وإن شراً فشر»(14)، فدلَّت الآية على أن عمل الإنسان لا يقتصر على ما باشره بنفسه، بل يشمل ما يتركه من آثار تستمر بعد رحيله، سواء كانت آثارًا في العلم أو التربية أو الخير المتعدي إلى الآخرين.

ويظهر هذا المعنى في سير العلماء الذين امتد أثرهم بعد رحيلهم؛ ومن ذلك الإمام الشافعي رحمه الله، الذي جعل حياته للعلم والتعليم والتأصيل، فبقي أثره حاضرًا في الأمة من خلال كتبه وتلاميذه ومدرسته العلمية، فلم يكن امتداد أثره نتيجة كثرة ما ملك، وإنما ثمرة ما بذله من علم نافع تجاوز حدود عمره إلى أجيال متتابعة(15).

ومن هنا، فإن القيمة المعاصرة لنموذج عامر بن عبد قيس لا تتمثل في تكرار تفاصيل حياته، وإنما في استلهام المبدأ الذي حكمها؛ أن الإنسان يستطيع أن يحول وقته وطاقته وعلمه إلى أثر نافع يتجاوز حدود ذاته.

  • ففي الأسرة يظهر هذا المعنى حين يجعل الإنسان من وقته مصدر بناء لا مجرد استهلاك.
  • وفي التعليم يظهر حين يتحول العلم إلى خدمة.
  • وفي العمل يظهر حين يربط الإنجاز بالقيمة لا بالمصلحة العاجلة فقط.

إن نموذج عامر بن عبد قيس يذكرنا بأن أعظم المشاريع قد تبدأ من تنظيم يوم واحد، وأن صناعة الإنسان تبدأ حين يقرر أن يكون وقته وعلمه وطاقته في خدمة معنى أكبر من ذاته.

دروس عامر بن عبد قيس للإنسان المعاصر

تكشف سيرة عامر بن عبد قيس عن نموذج إنساني جمع بين العبادة والعطاء، وبين صفاء القلب ونفع المجتمع، فلم يكن زهده انصرافًا عن عمارة الحياة، بل وسيلةً لتحرير النفس من التعلق بما يشغلها عن رسالتها، وتسخير الوقت والجهد فيما يبقى أثره، وهكذا تظل سيرته شاهدًا على أن الإنسان يستطيع، بحسن صلته بالله، وإدارته لوقته، وإخلاصه في عمله، أن يترك أثرًا يتجاوز حدود عمره، ويبقى نافعًا لأمته من بعده.

الهوامش
  • 1 عامرُ بنُ عبدِ قيسٍ التميميُّ العنبريُّ البصريُّ: القُدْوَةُ، الوَلِيُّ، الزَّاهِدُ، أبو عبدِاللهِ، ويُقال: أبو عمرو، التميميُّ، العنبريُّ، البصريُّ، رَوَى عن: عمرَ، وسلمانَ، وعنه: الحسنُ، ومحمدُ بنُ سيرينَ، وأبو عبدِ الرحمنِ الحُبُلِيُّ، وغيرُهم، وقَلَّما رَوَى، قال العِجْلِيُّ: كان ثقةً، من عُبَّادِ التابعين، رآه كعبُ الأحبارِ، فقال: «هذا راهبُ هذه الأمةِ»، وقال أبو عبيدٍ في «القراءات»: «كان عامرُ بنُ عبدِاللهِ، الذي يُعرَفُ بابنِ عبدِ قيسٍ، يُقرئُ الناسَ»، ورَوَى عثمانُ بنُ عطاءٍ الخُراسانيُّ، عن أبيه: أنَّ قبرَ عامرِ بنِ عبدِ قيسٍ ببيتِ المقدسِ، وقيل: تُوُفِّيَ في زمنِ معاويةَ. (سير أعلام النبلاء، (4/ 15 - 19)؛ طبقات ابن سعد، (7/ 103)؛ أسد الغابة، (3/ 88)؛ تاريخ الإسلام، (3/ 25)؛ الإصابة، (3/ 130/ 2714)).
  • 2 سير أعلام النبلاء: الذهبي، (4/ 15).
  • 3 صفة الصفوة: ابن الجوزي (2/ 153 - 155).
  • 4 صيد الخاطر: ابن الجوزي، ص505.
  • 5 صفة الصفوة: لبن الجوزي (2/ 86 - 87).
  • 6 رواه البخاري، (6/ 192/ 5027).
  • 7 صفة الصفوة: ابن الجوزي (2/ 53 - 54).
  • 8 شذرات الذهب في أخبار من ذهب: ابن العماد الحنبلي (2/ 53 - 54).
  • 9 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبي نعيم الأصبهاني (3/ 136).
  • 10 متفق عليه، البخاري، (8/97/6459)، ومسلم، (4/ 2283/ 2972).
  • 11 أخرجه البخاري (5/ 108/ 4101).
  • 12 أخرجه مسلم (1/ 542/ 785).
  • 13 العظمة: أبو الشيخ الأصبهاني (1/ 258).
  • 14 تفسير ابن كثير (6/ 502).
  • 15 مناقب الشافعي: أبو بكر البَيْهَقِي (1/ 96 - 160).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة