كيف أعادت «الإفيهات» صياغة اللهجة اليومية للشباب؟
اللغة كائن حي،
يتنفس شغف الناس ويعبر عن أوجاعهم وآمالهم، والدراما هي بمثابة القلب الذي يضخ
الدماء في عروق هذا الكائن، وتتجلى في لحظات التعب والراحة، واليأس والأمل،
والمزاح والفرح والبكاء في تجمعات الأهل وجلسات الأصدقاء؛ إذ يهرب البعض وخاصة
الشباب إلى إلقاء «الإفيهات» التي تصبح ملاذهم الوجداني وصوتهم للتعبير عن المواقف
المختلفة، فتتحول الجمل الكوميدية العابرة إلى دروع إنسانية رقيقة يواجه بها الجيل
الجديد قسوة الأيام، ويعبر بها عن مشاعره الدفينة بخفة دم وطرافة.
ولعل تتبعنا
لهذا القاموس البديل من «الإفيهات» قد يمنحنا فرصة جيدة للوقوف على مدى تعبيره عن
روح الشارع وقراءة التحولات الإنسانية في لغة الشباب عبر محطات الدراما المختلفة
سواء كانت مسرحاً، أو سينما، أو تلفزيون.
المسرح.. مبتدع قاموس «الإفيهات»!
من المدهش حقاً
أن المسرح، الذي هو أبو الفنون، يكون هو نفسه المُصدّر الأول لـ«الإفيهات» عابرة
الأجيال، وذلك لطبيعته التي تعتمد على الارتجال والمواجهة المباشرة مع المواقف
وبالتالي الجمهور.
ففي مصر عام
1973م أرست مسرحية «مدرسة المشاغبين» أول معجم للمشاكسة الطلابية والتملص من
القواعد والانضباط، حيث أصبحت عبارات مثل: «مرسي ابن المعلم زناتي اتغلب يا رجالة
بالإنجليزي»، «يا متعلمين يا بتوع المدارس!»، «بعد أربعتاشر سنة خدمة في ثانوي
بتقول لي أقف!»، و«منطق؟ منطق إيه يا مرسي!»، لسان حال الشباب للتمرد الساخر على
السلطة التعليمية!
وفي عام 1975م
من خلال مسرحية «شاهد ماشفش حاجة»، اخترقت الشارع العربي جمل نصية ترسخت في
الذاكرة لتكون صياغة جديدة للادعاء بالبراءة والمناورة: «أنا سرحان عبد البصير، شغلتي
متفرج»، «كلكو بسبعة جنيه»، «ده أنا غلابان!»، و«متعودة، دايماً».
أما في عام 1980م،
فجاءت مسرحية «المتزوجون» بقاموس تهكمي عبر عن التفاوت الطبقي وتعقيدات الزواج،
عبر «إفيهات» مثل: «فين الفرخة يا لينا»، «سي حنفي وسنين سي حنفي»، «أنا داخل
بمجهودي»، «شوف يا سعادة الباشا أنا مش من الشباب اللي بيجري ورا الدهب، أنا بحب
الألماظ».
وفي العام نفسه (1980م)
ظهرت مسرحية «الجوكر» لتفرض شخصية «عم أيوب» وجملها الجريئة للتهكم على المتذاكين:
«أنا جاي؟!» و«عم أيوب بيمسي!»، وكذلك في نفس العام جاءت مسرحية «ريا وسكينة» (1980م)
لتمنح القاموس اليومي مفردات عاطفية وطريفة للتعبير عن التودد والمفارقة: «عاوزة
أتجوز يا أختي!»، «شيلوا الميتين»، «يا أختي كميلة!»، و«ندفنوها مش نيها».
وعلى المستوى
الخليجي في الكويت عام 1983م، أحدثت مسرحية «فرسان المناخ» -التي تناولت أزمة سوق
المناخ- تحولاً لغوياً واضحاً بتصدير «إفيهات» البورصة إلى الحياة الاقتصادية
اليومية مثل: «السوق نازل، السوق طالع!»، و«طارت الفلوس يا شريب بوش الملايين»،
وتلتها في مصر عام 1988م مسرحية «الواد سيد الشغال» لتصوغ مفردات الصراع الطبقي
بين الشباب: «أنتو غاسلين النهاردة؟»، «مش من هنا، من هنا»، «أنا شغال يا بيه!»، و«ناس
طيبين أوي يا خال».
السينما.. صناعة الموضة اللغوية!
وإذا كان المسرح
المولّد والمصدر الأول ومنبع «الإفيهات»، فالسينما المحرك الأسرع لنقلها من صالات
عرض الأفلام المغلقة إلى المقاهي والشوارع، وهو ما يصنع ما يسهم فيما يمكننا
تسميته بالموضة اللفظية، فنرى على سبيل المثال عام 1998م انطلاقة تحول اللغة
الشبابية من خلال فيلم «صعيدي في الجامعة الأمريكية» الذي تفجرت لغته بـ«إفيهات»
التعارف والمشاكسة، مثل: «خلف الدهشوري خلف، أليكس!»، و«علي يا ويكا!»، وتلاه عام
1999م فيلم «همام في أمستردام» ليشكل قاموس الشباب المغترب في التعامل مع الخيبات:
«يا هاردلك يا قلبي!»، «أنا خدامتك»، «يا راجل!»، و«خش باللي بعده».
وفي عام 2000م
أحدث فيلم «الناظر» نقلة نوعية في لغة الهروب من المواجهة والاستسلام الساخر
للمواقف الصعبة: «اعمل نفسك ميت»، «جايب لي ورد وأنا مفطرتش من الصبح»، «كابتن هو
كله ضرب ضرب مفيش شتيمة».
لكن الطفرة
الأبرز في تاريخ «الإفيه» واللهجة اليومية حدثت عام 2002م مع فيلم «اللمبي»، حيث
وُلدت لغة كاملة قائمة على التمطيط والتهكم اللفظي، أصبحت هي اللسان الدارج
للشباب: «صبح صبح يا عم الحاج!»، «الحب الحب، والشوق الشوق!»، «يا ترى أنت فين يا
عوكل.. عايش ولا حي.. جعان ولا شبعان.. رجب ولا رمضان»، واستمر هذا الأثر عام 2003م
في فيلم «اللي بالي بالك»: «يخرب بيتك يا روميو»، «آجي لك بكرة خابط وشي في سور
حديقة».
وتوالت النماذج
السينمائية لتغذي القاموس اليومي المتغير والمتسارع؛ ففي عام 2004 قدم فيلم «غبي
منه فيه» مفردات الذهول وسوء الفهم مثل: «أنا أعمى يا بت؟!»، «إيه اللي أنت بتعمله
ده يا سلطان؟!»، «يا أم نيازي صحي نيازي!»، و«أنا حرامي»، وفي عام 2005م أطلق فيلم
«بوحة» عبارات التحية واللطافة الشعبية: «تصدق بالله؟ صدقت بالله!»، «تصدق سلخت
قبل ما أدبح!»، «العيد فرحة ماااء!»، «يا نااااس!».
أما عام 2007م،
فقد رسخ فيلم «كده رضا» ألقاب التقدير الذاتي: «بيبي بيبي!»، «البرنس برنس في
نفسه!»، «يا برنس!»، بينما شهد عام 2008م مع فيلم «إتش دبور» دمج لغة الطبقات
الراقية بلغة الشارع مثل: «أصلها مش كوول!»، «يا مان!».
وفي عام 2009م
منح فيلم «طير إنت» الشباب لغة التودد والتقرب الكوميدي الخفيف مثل: «يا عم الحمش!»،
«السلك لمس!»، «أنا أطير إنت تنزل»، وصولاً إلى عام 2010م وفيلم «لا تراجع ولا
استسلام» الذي فرض شخصية «حزلقوم» كمرادف للشخصية العفوية مثل: «أنا حزلقوم!»، «السر
في كبسولة»، و«منه له!».
التلفزيون.. الأكثر تأثيراً
ولأن الدراما
التلفزيونية رفيقة البيوت ووليفها؛ تدخلها بلا استئذان، وهو ما يحول «إفيهاتها»
مباشرة إلى عادات لغوية مستقرة، بداية من عام 2010م عبر مسلسل «الكبير أوي»، أوجد
المخرج والكاتب معجماً لغوياً مذهلاً يدمج بين الصعيدية والأمريكية ولغة الشارع،
لتتحول جمل مثل: «جزرة وقطمها جحش!»، «يا بوي!»، «تشرشل!»، «فريش!» إلى كلمات سر
بين الشباب.
وفي عام 2016م
فرض مسلسل «الأسطورة» لغة القوة والتحدي عبر «إفيهات» ناصر، ورفاعي الدسوقي: «أنا
القائد!»، «سيبني أعيش يا ناصر»، «اللي يزعل رفاعي الدسوقي يزعل البلد كلها»، أما عام
2020م فقد حلت لغة الأناقة والاحتيال الذكي محل الكوميديا التقليدية كما في مسلسل «بـ100
وش» مثل: «يا نجاح!»، «هاي يا سكر!»، وفي عام 2023م قدم مسلسل «جعفر العمدة» جمل
التحدي ونشرها في البيوت والشوارع مثل: «أنا جعفر العمدة!»، «حسابك معايا بعدين».
ويمكننا القول
بعد هذه الإطلالة السريعة أن قاموس الدراما البديل يمثل بالفعل آلية دفاعية ونفسية
يستخدمها الشباب وحتى الكبار لتلطيف قسوة الواقع المجحف والضاغط أحياناً، لتخفيف
حدة المشاعر التي يعيشونها والتنفيس عنها عبر لغة السخرية.
كما تعكس تلك
الكلمات العابرة من منظور علم النفس وعلم الاجتماع رغبة عميقة في التكيف النفسي مع
الضغوط، وصناعة هوية جمعية تمنح الجيل الجديد شعوراً بالأمان والانتماء، وتستخرج
من قلب المكابدة ابتسامة تتجدد بها الدماء في عروق لغتنا ولهجاتنا الجميلة.
وبالمقابل، قد
تتحول بعض هذه «الإفيهات» إلى طلقات طائشة تصيب روح اللغة وقوامها في مقتل، وذلك
حين تختزل المعاني السامية في عبارات ركيكة تهوي بها وتبدد ثراء مفرداتها!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً