كيف تسهم الخوارزميات في صناعة «فوبيا» الزواج؟!
جعل الإسلام من
مؤسسة الزواج آية كبرى من آيات السكن والرحمة، وباباً عظيماً لتحقيق الاستقرار
النفسي والاجتماعي؛ حيث يقول الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ
أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21)، وقد جاء الهدي النبوي حثاً على هذا الرباط الإنساني
القائم على التراحم وتأسيس الأسرة، بوصفه الفطرة السوية التي تضمن عمارة الأرض
وسكينة النفوس.
غير أنه في
زماننا هذا، وتحديداً عند الحديث عن ظاهرة تأخر سن الزواج لدى الشباب والفتيات في
المنطقة العربية، تتصدر الأسباب الاقتصادية من ارتفاع تكاليف المعيشة ومتطلبات
المهر والسكن المشهد دائماً.
ورغم محورية هذا
العامل المادي، فإن الاقتصار عليه يغفل تحولاً سيكولوجياً وفكرياً عميقاً تشهده
مجتمعاتنا، يمر هذا الجيل بتغير بنيوي في طريقة تشكّل وعيه وتصوراته الذهنية تجاه
المودة والرحمة الزوجية؛ فلم يعد القرار بالارتباط يعتمد فقط على الجاهزية المادية
والتشجيع الاجتماعي، بل أصبحت هناك حاضنة رقمية تؤثر صمتاً في صياغة هذا القرار
وتدفعه نحو التأجيل أو العزوف التام.
إننا أمام سبب
رقمي خفي تتمثل خيوطه في البيئة الرقمية التي يتنفس فيها الشاب والفتاة يومياً،
والتدفق المستمر للمحتوى عبر شبكات التواصل الاجتماعي، التي تحولت من أدوات
للترابط إلى مهندس خفي يعيد هندسة المخاوف، ويرسم صوراً مشوهة عن الشريك الآخر،
ويبني أسواراً من التردد تُعطل إقدام الشباب على التأسيس لبناء أسري مستقر.
هندسة الانحياز.. كيف تؤثر المنصات الرقمية على قرار الزواج؟
لتفكيك هذا
التأثير الرقمي، لا بد من فهم مبدأ عمل شبكات التواصل الاجتماعي القائم على ما
يُعرف في الأدبيات التقنية بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث لا تهتم برمجيات المنصات بنقل
الحقيقة أو إبراز النماذج الأسرية المتوازنة التي تشكل الأصل والكتلة الصلبة في
المجتمعات، بل تصمم خوارزمياتها لتعظيم وقت البقاء والتفاعل بكل الوسائل المتاحة.
تُظهر البيانات
التحليلية للبيئة الرقمية أن المحتوى الصادم، المحمل بالصراعات، والمشاحنات
الزوجية، وجلسات المحاكم، يحقق معدلات تفاعل وتعليقات وإعادة نشر تتجاوز بخمسة إلى
عشرة أضعاف مقارنة بالمحتوى الهادئ الذي يعرض تجارب ناجحة ومستقرة.
فخ «الشركاء الخياليين».. كيف دمرت
المثالية الرقمية واقع الزوجين؟
تدرك المنصات أن
المشاعر السلبية كالخوف، والغضب، والاستياء هي الأكثر قدرة على إبقاء المستخدم
متسمراً أمام الشاشة (خوارزميات شد الانتباه)، أمام هذه المعادلة المالية
والرقمية، يلجأ صُنّاع المحتوى والباحثون عن الانتشار الرقمي إلى صياغة قصص وهمية
وتجارب متخيلة أو تضخيم الخلافات الأسرية العابرة تحويلاً لها إلى دراما حارقة؛ للأسف
بهدف حصد «اللايكات» وتجميع المتابعات.
ويتم اختزال
العلاقات الزوجية المعقدة في مقاطع قصيرة مجتزأة تُبسط المشكلات وتستعرض الخيانات
والمشاحنات المالية بصورة صادمة؛ ما ينشر انطباعاً زائفاً بأن الحياة الأسرية ليست
سوى حقل ألغام دائم الصراع.

صدى النقرة.. التأطير النفسي للمخاوف
لا يتوقف
التأثير عند حدود العرض العشوائي للمحتوى السلبي، بل يتعمق عبر ما يُعرف بسلوك
الخوارزميات الذكي في تتبع تفضيلات المستخدم، أي بمجرد أن ينقر الشاب أو الفتاة
على مقطع فيديو يتناول تجربة زواج فاشلة، أو يستمع إلى شكوى زوجية بدافع الفضول
الطبيعي، تسجل الخوارزمية هذا التفاعل كإشارة اهتمام قوية، هنا تبدأ آلية ما يعرف
بـ«غرف الصدى» في العمل بشكل مكثف؛ إذ تبدأ المنصة في ضخ مئات المقاطع والمنشورات
المماثلة إلى الواجهة الخاصة بالمستخدم بشكل متكرر.
تؤدي هذه
التغذية الراجعة المكثفة إلى عزل الفرد نفسياً داخل فقرة رقمية مغلقة، حيث تحاصره
قصص الطلاق، والخلافات المالية، والاتهامات المتبادلة بين الجنسين أينما يتجه، ويتعامل
العقل البشري مع هذا التكرار برفع مستوى الاستجابة بالخوف؛ فينشأ لديه قناعة وهمية
بأن هذه النماذج المنحرفة والمضطربة المعيار السائد والحقيقة المطلقة للزواج في
مجتمعه، ويتحول الحذر الفطري والمشروع من اختيار الشريك إلى «فوبيا الزواج»، حيث
يصبح القرار مرتبطاً بالألم والتهديد بدلاً من الاستقرار والسكن والسكينة التي
قصدها التشريع الإسلامي.
الشريك المعجزة.. الهروب إلى خيال النماذج المثالية
على الجانب
الآخر من المشهد الرقمي، تطالع المنصاتُ المستخدمين بوجه مغاير يناقض الصورة
الدرامية السابقة، ولكنه يمارس التدمير الذاتي ذاته؛ وهو المحتوى الذي يستعرض حياة
رومانسية خيالية ومثالية مبالغاً فيها، يحرص بعض صناع المحتوى المؤثرين على تسويق
مشاهد مصممة بعناية تُظهر علاقات أسرية خالية تماماً من الكدر، قائمة على الهدايا
الفاخرة، والسفر المستمر، والمشاعر المتأهبة دوماً دون أدنى تقلب أو تعب يومي.
ويؤدي التعرض
المستمر لهذه الصور المصنوعة إلى رفع سقف التوقعات الخيالي للحياة الزوجية ولشخصية
الشريك المحتمل، ويبدأ الشاب في البحث عن «الزوجة المعجزة» التي تجتمع فيها كل
الصفات المثالية المروج لها؛ من جمال خارق، وعلم واسع، واستقلالية، وخفة دم لا
تنقطع، بينما تبدأ الفتاة في انتظار «الفارس الأسطوري» الذي يحقق لها كل الاستقرار
المادي والعاطفي المطلق دون أي تنازل!
وعندما يصطدم
الشاب أو الفتاة بالواقع الإنساني الطبيعي الذي يتضمن نقاط ضعف، ونقصاً، وبناء
متدرجاً، يحدث العزوف والانسحاب؛ لأن الشريك الواقعي المتاح يستحيل أن يطابق الصورة
النموذجية الوهمية المزروعة في ذاكرتهم الرقمية.
الزيجات الرقمية وأوهام العابر للقارات.. بين صدمة الواقع والانبتات الثقافي
تتجلى خطورة
التضخيم الرقمي أيضاً في نمطين حديثين يساهمان في تغذية العزوف والإعراض عن الزواج
التقليدي الواقعي؛ الأول يتمثل في تجارب «الزيجات الرقمية» التي تبدأ عبر الإنترنت
والتطبيقات، التي يحوم الكثير منها حول الشكليات والتواصل الافتراضي السطحي، وعند
الاصطدام بعواقب الواقع ومسؤولياته، ينتهي العديد من هذه التجارب السريعة بالفشل
الصادم؛ ما يترك انطباعاً سلباً يُعمَّم على فكرة الزواج برمتها.
استرداد الوعي الأسري.. طريق الشباب
لتجاوز دراما «الترند» الرقمية
أما النمط
الثاني، فيظهر في انسياق بعض الفتيات وراء قصص النجاح الاستثنائية والمعروضة بكثرة
على المنصات، كزواج عربيات من جنسيات وثقافات بعيدة (كالشباب الكوريين أو الصينيين
أو الغربيين).
حيث تُبرز مقاطع
«الفلوقات» ومحتوى صناع الحياة اليومية هذه العلاقات كأنها رحلة وردية خالية من
الفوارق الثقافية، والعقائدية، أو التحديات المعيشية والقانونية المعقدة، إن هذا
العرض السطحي يُزهّد الفتاة في شاب مجتمعها الواقعي، ويجعلها في انتظار «فتى أحلام
افتراضي» من وراء الشاشات، ظناً منها أن الأهم تمثيل السيناريو الرقمي الممتع،
ومتغافلة عن أن الاستقرار الأسري الحقيقي يتطلب توافقاً فكرياً واجتماعياً
وإنسانياً عميقاً لا تصنعه المقاطع الترويجية.
استرداد الوعي.. خريطة طريق للتغيير
إن الخروج من
حالة «الفوبيا» الرقمية وتأخير الزواج الناجم عن تشويه الوعي لا يتطلب العزلة عن
التقنية، بل يستدعي بناء تربية إعلامية ورقمية تمكّن الشباب من استرداد حقيقة
الواقع والتمييز بين الدراما التسويقية والحياة الأسرية الطبيعية؛ وذلك من خلال
دورات ومحاضرات توعوية للمقبلين على الزواج، وتصميم وإطلاق برامج إلزامية أو
اختيارية مكثفة للشباب والفتيات قبل الارتباط، يقدمها خبراء ومختصون في الإرشاد
الأسري والنفسي.
وتهدف هذه
المحاضرات إلى تفكيك المفاهيم المشوهة المكتسبة من وسائل التواصل، وتدريبهم على
مهارات إدارة الخلافات بأسلوب واقعي، وتزويدهم بأدوات الحوار الفعال لبناء شراكة
حقيقية بعيداً عن مثاليات الشاشات ودراما «الترند».
العودة إلى الفطرة ورحابة المودة
إن سُنة الله في
الخلق قد جعلت من الزواج سَكناً ومستقراً ومصدراً للحب الصادق والمودة النبيلة،
وهو المفهوم الذي تتقاطر الأدلة الشرعية والفطرة الإنسانية على تأكيده، حيث إن
المحتوى الموجه عبر الشاشات وخوارزمياتها المنحازة لا يمثل حقيقة الفطرة، ولا يحيط
بجمال العلاقات الإنسانية حين تُبنى على التغاضي، والاحترام، والمشاركة الوجدانية.
حين يسترد الشباب
والفتيات بوصلة الوعي، وينفضون عن أذهانهم غبار الدراما الرقمية والتوقعات
الزائفة، وينخرطون في برامج التوعية العلمية والشرعية الواقعية، يعود القرار إلى
نصابه الطبيعي، حيث إن الشجاعة اليوم تتجلى في تجاوز الخوف المصنوع، والتسلح
بالواقعية والتوكل، لبناء بيوت تقوم على التقوى، والمودة، والرحمة، بعيداً عن أسر
الشاشات وضجيج الخوارزميات.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً