كيف تنظر المؤسسات الدينية إلى قضية تغيير الجنس؟
خلق الله تعالى
الإنسان وأحسن خلقه، وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى لحكمة مقدرة، وفطره على فطرة سوية تأبى تبديل هيئته ومنازعته قدره، وتغيير الجنس، غير أن عصر ما بعد الحداثة شهد انتكاساً في
الفطرة، حيث اجترأ الإنسان على تغيير جنسه لمحض الهوى، وغدا ذلك حقاً من الحقوق
الإنسانية التي تدافع عنها المنظمات الحقوقية بحجج بعضها طبي «تخفيف الضيق النفسي
ومنع الانتحار»، وبعضها ديني «الضرورة ورفع الحرج»، وبعضها ثقافي «حقوق الإنسان
والاستقلال الجسدي»، فما الموقف الشرعي من مسألة تغيير الجنس؟ ولماذا لا يحظى بدعم
شرعي؟
تاريخ جراحات التغيير الجنسي
كان أول من أقدم
على تغيير جنسه الرسام الدنماركي إينر فيجنر عام 1930م، إلا أنه توفي في العام
التالي جراء مضاعفات طبية ناتجة عن فشل زرع الرحم، ويبدو أن إخفاق الجراحة حال دون
انتشارها، وفي أواخر 1952م أجريت جراحة أخرى صادفت نجاحاً استخدم للترويج لمثل هذه
العمليات حيث توفيت كريستين يورجسن عام 1989م.
أما في العالم
الإسلامي، فلم يظهر ما يشير إلى إجراء مثل هذه العمليات إلا في مطلع الثمانينيات،
استناداً إلى فتوى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، مفتي الديار المصرية آنذاك،
الصادرة عام 1981م تلبية لطلب مجلس الفتوى الوطني الماليزي، ثم أُجريت جراحة شهيرة
في مصر لطالب أزهري عام 1988م، تُعدُّ -على الأرجح- الأولى عربياً، لتتوالى بعدها
الجراحات المماثلة.
الموقف الفقهي.. فتاوى وقرارات
هناك توافق بين
الفقهاء والمؤسسات الفقهية على عدم جواز تغيير الجنس لمجرد الرغبة في الانتقال
والتغيير، وهذا ما تثبته الفتاوى والبيانات الفقهية المتوالية، وفيما يلي أهمها
وبيان بالأدلة التي استندت إليها مرتبة زمنياً:
1- فتوى الشيخ
جاد الحق على جاد الحق، دار الإفتاء المصرية عام 1981م: وهي أولى الفتاوى الرسمية
التي تناولت تغيير الجنس، وفيها جمع جملة من الأحاديث الواردة في التداوي واستخلص
منها «إجازة إجراء جراحة يتحول بها الرجل إلى امرأة، أو المرأة إلى رجل متى انتهى
رأى الطبيب الثقة إلى وجود الدواعي الخلقية في ذات الجسد بعلامات الأنوثة
المطمورة، أو علامات الرجولة المغمورة، باعتبار هذه الجراحة مظهرة للأعضاء
المطمورة أو المغمورة تداوياً من علة جسدية، لا تزول إلا بهذه الجراحة».
ثم أردف: «ولا
يجوز مثل هذا الأمر لمجرد الرغبة في تغيير نوع الإنسان من امرأة إلى رجل أو من رجل
إلى امرأة»، جازماً بحرمة الإقدام على التغيير بمجرد الهوى والرغبة دون داع طبي.
2- فتوى المجلس
الوطني بماليزيا عام 1982م: وهي الفتوى التي استُند فيها إلى فتوى الشيخ جاد الحق
السالفة وقرر فيها: إن تغيير الجنس من ذكر إلى أنثى أو العكس حرام، وإن من وُلد
ذكراً يبقى ذكراً حكماً حتى لو غيّر جنسه جراحياً، وأما الشخص المشكل (الخنثى)
الذي لديه أعضاء الجنسين، فيجوز له إجراء عملية لتثبيت أحد الجنسين.
3- قرار مجمع الفقه الإسلامي- رابطة العالم الإسلامي عام 1989م: وجاء في أعقاب الضجة المثارة
حول تغيير أحد طلاب الأزهر جنسه من ذكر إلى أنثى، وفيه قرر المجمع أن «الذكر الذي
كملت أعضاء ذكورته، والأنثى التي كملت أعضاء أنوثتها، لا يحل تحويل أحدهما إلى
النوع الآخر، ومحاولة التحويل جريمة يستحق فاعلها العقوبة».
وعلله بأنه
تغيير لخلق الله، وقد حرَّم سبحانه هذا التغيير مخبراً عن الشيطان (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ
خَلْقَ اللَّهِ) (النساء: 119)، لكنه في المقابل أجاز علاج الخنثى بما يزيل
الاشتباه وبما يثبت الجنس الغالب.
4- قرار هيئة
كبار العلماء السعودية عام 1993م: وقد سئلت عن طفلة اتضح بالفحص الطبي أنها ذكر،
وأكد قرار الهيئة أن «من غلبت عليه علامات الأنوثة جاز علاجه طبياً بما يزيل
الاشتباه في أنوثته سواء كان العلاج بالجراحة أم بالهرمونات؛ لما في ذلك من
المصلحة العظيمة ودرء المفسدة»، ودعت الأطباء إلى عرض نتائج الفحوص الطبية على
أولياء الطفل حتى يكونوا على بينة من الواقع.
5- فتوى الشيخ
عطية صقر، دار الإفتاء المصرية عام 1997م، ناقشت الفتاوى السابقة مسألة الضرورة
الطبية التي تبيح الانتقال، أما هذه الفتوى فلعلها الأولى التي تناقش مسألة
التغيير استناداً إلى الميل القلبي مع عدم وجود ضرورة طبية.
وفيها قرر أن «مجرد
الميول الأنثوية عند رجل كامل الأجهزة المحددة لنوعه فهي أعراض نفسية لا تنقله إلى
حقيقة الأنثى، وقد تكون الميول اختيارية مصطنعة عن طريق التشبه فتقع في دائرة
المحظور بحديث لعن المتشبه من أحد الجنسين بالآخر، وقد تكون اضطرارية يجب العلاج
منها بما يمكن..».
6- فتوى الشيخ
علي جمعة عام 2016م: وهي فتوى رائدة في بابها ومؤصلة تأصيلاً جيداً يناقش من
خلالها الشيخ ماهية «اضطراب الهوية الجنسية»؛ وهو الاصطلاح الذي باتت قضايا
التغيير الجنسي تناقش في إطاره.
وفيها عرف الشيخ
المقصود باضطراب الهوية وذهب إلى أنه «تشخيص يطلقه أطباء وعلماء النفس على الأشخاص
الذين يعانون من حالة من عدم الارتياح أو القلق حول نوع الجنس الذي ولدوا به، وهو
يُعتبر تصنيفًا نفسيًا».
ثم أردفه
بالنصوص الإسلامية التي توضح حقيقة الجسد واستخلص منها أن «الإنسان لا يملك جسده
ملكًا حقيقيًا؛ لأنه مسؤول عنه أمام الله تعالى، ومجازى على تصرفه فيه وما اقترفه
من ظلم في حق نفسه وجسده، بينما المالك الحق لا يُسأل ولا يُجازى على ما فعل في
ملكه؛ وعلى هذا الأساس لا يحق للإنسان التصرف في أعضاء جسده إلا في حدود ما بينت
شريعة الإسلام إباحته بنص خاص أو بنص عام».
واستناداً إلى
ذلك، قرر أنه «لا يجوز إجراء العملية الجراحية التي تسمى تحويل الجنس أو تغييره أو
تصحيحه إلا في حالة الخنثى الذي اجتمعت فيه أعضاء جسدية تخص الذكور والإناث كآلة
التناسل مثلاً، كما يتضح أنه لا يجوز شرعاً الاعتماد في تحديد هوية الخنثى المشكل
الجنسية على سلوكه وميوله إلا في حالتين؛ الأولى: عند العجز عن التحديد بناء على
العلامات المادية، والثانية: إذا لم يكن له ذكر رجل ولا فرج أنثى، وفيما عدا هاتين
الحالتين لا يجوز إلحاقه بأي الجنسين بناء على ميوله القلبية أو ما يمكن أن يعبر
عنه اليوم بالإحساس الداخلي بأن روحه تنتمي إلى الجنس الآخر».
7- قرار مجمع
الفقه الإٍسلامي الدولة- منظمة التعاون الإسلامي عام 2003م: «وهو كسابقيه يؤكد حرمة
تغيير الجنس، لكنه انفرد ببيان الحكم الشرعي فيمن أجرى هذه العملية ذاهباً إلى أنه
إذا قام الزوج بتحويل نفسه ظاهريًّا إلى أنثى، فيحق للزوجة طلب فسخ عقد النكاح
للعيب، وإذا قامت الزوجة بتحويل نفسها ظاهريًّا إلى ذكر، فللزوج تطليقها».
وأضاف أن
الأحكام الشرعيَّة المتعلقة بالذكر والأنثى تظل ثابتة كما كانت قبل الإقدام على
التغيير مثل أحكام النفقة والحضانة، واختتم بمناشدة الحكومات بوقف تلك العمليات.
يفهم مما سبق أن
الموقف الفقهي من هذه القضية يتلخص في 3 مسائل: التوافق التام بين المؤسسات
والهيئات على حرمة تغيير جنس الشخص السليم الذي اكتملت أعضاؤه، وإجازة التحويل لمن
ثبت طبياً اضطرابه أو اشتبه فيه، والرفض القاطع لإجراء التغيير استناداً إلى
الميول والرغبات النفسية (اضطراب الهوية الجنسية).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً