بين دعم المنهار.. وتوجيه المتفوق
كيف تواجه الأسر صدمة الثانوية العامة؟
في صباح يومٍ من أيام يوليو الحارقة،
انهالت رسائل "النتيجة ظهرت!" على ملايين الهواتف المصرية، وسرعان ما
امتلأت البيوت إما بزغاريد أو دموع.
وبين فرحة هنا، وصدمة هناك، كان ثمة صوتٌ
مكتوم لفتاة متفوقة، خرجت من غرفتها هامسة والدموع تملأ عينيها، مخاطبة والدها:
"أنا جبت 52٪.. وشايلة مادتين.. دي مش نتيجتي أكيد في حاجة غلط"!
بهذه الكلمات نطقت "رحمة"،
الطالبة التي اعتادت أن يصفق لها زملاؤها وأساتذتها والمدعوون في حفلات التفوق،
لكنها وقفت هذا العام مذهولة أمام نتيجة لا تشبهها، وكأن شخصًا آخر كتب إجاباتها.
"رحمة" لم
تكن الوحيدة، بل مثلها آلاف.. لعلها أخفهم في ردود أفعالها، فهناك هبة.. بنت
محافظة الدقهلية التي أعلنت المواقع الإخبارية عقب نتيجة العام الماضي خبر
انتحارها.. سقَطت بنت السابعة عشرة من شرفة الطابق التاسع، بعد دقائق من معرفتها
أنها لم تحصل على النسبة التي كانت تنتظرها في نتيجة الثانوية العامة... لم تصرخ..
لم تبكِ.. فقط كتبت: "آسفة يا ماما.. خذلتكم".
لحظة
النتيجة
مأساة تتكرر في كل عام... حين تتحول
نتيجة الثانوية العامة من ورقة درجات إلى حكم بالإعدام النفسي، أو وصمة عار لا
تُمحى في أعين بعض الأُسر.. ومع إعلان النتيجة تنقلب البيوت إلى محاكم تفتيش،
وتتحول المشاعر إلى سكاكين حادة، ويضيع الطالب بين جلد الذات وسياط المقارنة.
إنها في نظر البعض لحظة قَدرٍ أخير، لا
رجعة فيه.. فيها يُدفن الحُلم، أو يُولد بصرخة فرح... هكذا صورتها مناهجنا،
وأسرنا، ومجتمعاتنا.
لكن.. من المسؤول عن هذه الكارثة
التربوية؟ وكيف تتحوَّل ورقة نتيجة إلى شهادة ميلاد أو شهادة وفاة؟!
وكيف نواجه هذه اللحظة؟ كيف ندعم من سقط؟
وكيف نرشد من نجح؟ كيف نوازن بين الرضا والإرادة، بين الإيمان والعمل، بين العاطفة
والعقل؟
أرقام
مخيفة
حسب إحصاءات رسمية منشورة في العام 2023،
شهدت مصر خلال أسبوع إعلان نتيجة الثانوية العامة أكثر من 21 محاولة انتحار، بينها
7 حالات مكتملة، أغلبها في محافظات الصعيد والدلتا.
وفي دراسة أعدّها المركز القومي للبحوث
الاجتماعية، أكثر من 64% من طلاب الثانوية يشعرون بأن مصير حياتهم بالكامل متوقف
على تلك اللحظة، لحظة النتيجة.
ووفقا لدراسة شملت 553 طالبًا بالقاهرة
خلال العام 2021–2022، تبين أن 11.03% لديهم مخاطر اعتداء على النفس أو أفكار
انتحارية، ونحو 17.5% يعانون من اضطرابات نفسية.
ووفق دراسة حديثة (2025) على طلاب
المرحلة الثانوية، ارتفع الخطر الشديد بإنهاء حياتهم إلى 2.8% بين طلاب السنوات
النهائية، بينما وصل إجمالي نسبة من لديهم نوايا انتحارية بنسب متفاوتة إلى 11%.
يشير بحث ميداني أجراه المركز القومي
للبحوث الاجتماعية والجنائية عام 2022، إلى أن 58% من الطلاب المصريين يشعرون أن
نتيجة الثانوية تمثل "مسألة حياة أو موت"، بينما قال 42% من أولياء
الأمور إنهم يربطون بين النتيجة وبين "مستقبل الأسرة كله".
هذه مجرد لقطة من واقع مؤلم عن ضغط
الثانوية.. في لحظة حاسمة يظنّ فيها بعض الطلاب أن مصيرهم قد حُكم عليه بالانتهاء
أو البقاء في قفص الضياع!
كيف
ننتشل أبناءنا؟
ليس أشدّ على قلب أم من أن ترى ابنها وقد
تحوّل فجأة من شاب متّقد بالحياة إلى جثة روحية هامدة، عيناه شاخصتان، لا دمع
فيهما ولا كلام.
وليس أقسى على أبٍ من أن يقف عاجزًا أمام
ابنته وقد ذبل وجهها، وصارت نظراتها تقول: "ما عدت أساوي شيئًا!"
فشل بعض الطلاب في الثانوية العامة ليس
نهاية الطريق.. لكنه قد يكون بداية النهاية إذا لم تتدخل الأسرة بحكمة وإيمان
واحتواء.
حين يخيب الأمل يكون الدعم، وحين يبدأ
اليأس في الشخوص تكون يد الأسرة الحانية هي من تروي شجرة الأمل الذابلة.
ولهذا ينصح الخبراء والتربويون في مثل
تلك الحالات بضرورة اتباع بعض الخطوات وتجنب أخرى، ومنها:
- الاحتواء الفوري: ففي اللحظات الأولى بعد
النتيجة، لابد أن تكون ردود الأفعال محسوبة بعناية.. لا صراخ، لا تأنيب، لا نظرات
لوم، فقط صدرٌ مفتوح، وكلمات تشجيع تفتح أبواب الأمل على مصراعيها، مثل:
"لسّه قدامك حياة كاملة.. ودي مش نهاية العالم".
- الأب.. مصدر الطمأنينة: فلابد أن يعي دوره
جيدا، بحيث لا يكون في هذه اللحظة قاضياً، بل حائط صد، كلمته قد تعيد بناء الطفل
من داخله: "أنا فخور بيك حتى لو الدنيا كلها مش شايفاك".
- الأم.. مرهم الجرح، فالأم التي تحتوي،
وتطبطب، وتدفع طفلها للحياة من جديد هي أم تبني المستقبل "نجحت أو ما نجحتش..
أنا لسه شايفاك الأمل بتاعي".
- الإخوة.. سند نفسي صادق، فالأخ أو الأخت
القريب سِنًّا أقرب لنفَس الروح، وصوتهم يؤثر أكثر من غيرهم، ولذلك لابد أن
يشاركوه التجربة، ويحكوا عن إخفاقاتهم الخاصة إن وجدت، أو يقدموا دعمًا بلا وعظ.
وينصح الخبراء بضرورة أن تقوم الأسرة
مجتمعة بجلسات نقاش هادئة، يتم خلالها طرح بدائل واقعية للأمل الذي لم يتحقق،
وبالتالي تحويل الطاقة إلى خطط مستقبلية قصيرة المدى.
للإيمان نصيب
نعم لابد أن يكون للإيمان بالقضاء والقدر
النصيب الأوفى في مداواة تلك الجراح، خاصة مع شباب وفتيات في مقتبل أعمارهم.
ولذلك يرى الشيخ محمود فكري من علماء
وزارة الأوقاف المصرية، أن الطالب حين يُربّى على أن النجاح توفيق، وأن الله أعلم
بما هو خير، تنكسر حدّة الصدمة.
ويضيف في حديثه لـ"المجتمع" أن
البعد الإيماني إن لم يكن حاضرا وقت الابتلاءات والمحن فإنها تصعب وتشتد وربما
كسرت الروح وحطمت الأمل، وجعلت صاحبها غير قادر على التناغم مع سنن الله في الكون
ومن أهمها الابتلاءات، حيث يقول تعالى: (... الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) (الملك:2).
ويشدد الشيخ "محمود" على أن
الإيمان بالقدر يريح النفس، ويدخل الروح في عالم فسيح من الطمأنينة، لأنها موقنة
بقوله تعالى: (وَعَسَى أَن
تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) (البقرة:216)، وهو اليقين الذي
يجعل الإنسان واثقا في اختيارات الله عز وجل له، حتى وإن بدت غير متسقة مع ما يراه
بحواسه، لكنه يؤمن أن الخير في هذا الاختيار الإلهي.
وماذا
بعد الفرحة؟
المفارقة أن التفوق أيضًا قد يتحوّل إلى
مصيدة قلق، إذا لم تحسن الأسرة التعامل معه، فبعد لحظات الفرح، يبدأ التوتر: أي
كلية؟ وما طبيعة مستقبلها؟ وهل سأكون بالفعل ناجحا بعد هذا الاختيار؟
وهنا يأتي دور الأسرة في توجيه الناجح،
من خلال:
1- الهدوء وعدم الضغط، فلا تُحاصر ابنك
المتفوق بالآراء والتوقعات، اترك له مساحة للاختيار.
2- الحوار والإصغاء.. استمع لرغبته، واسأله
ماذا يحب، ولا تجعله نسخة مكررة من طموحاتك المؤجلة، أو رغباتك في الوجاهة
الاجتماعية، تريده طبيبا ليكون دلالة على نجاحك في تربيته، وكأن النجاح تم حصره في
الطب فقط!
3- استشارة أهل الخبرة، حيث يجب أن تشارك معه
استشارات مع متخصصين في المجال الأكاديمي.
4- غرس النية، فلابد من تذكير الطالب بأن
التفوق أمانة، وأنه لا قيمة له دون نية صالحة.
إياكم
وهذه الأمور
- المقارنة مع الآخرين: "فلان حصل على
درجات أعلى منك!".. هذه العبارة وشبيهاتها تسمعها كثيرا داخل الأسر في غرفها
المغلقة، والتي تمثل سياطا ملتهبة على ظهور أبنائها... حيث تدمر الثقة، وتخلق
شعورًا بالدونية.
- الصراخ أو الإهمال: فكلاهما خطأ، لأن
الصراخ يجرح المشاعر ويؤلمها، والإهمال يجعل الطالب يشعر بالدونية.
- المعايرة بالفشل: وذلك عن طريق التذكير به
ولو على سبيل المزاح، حيث يتناسى الأهل أن كثيرا من العظماء سقطوا في بداية الطريق.
وفي النهاية.. ما بعد النتيجة إلا
البداية.. لابد لأولياء الأمور أن يدركوا أن نتيجة الثانوية العامة ليست نهاية
الحكاية، بل فصل صغير منها، وأن أولادهم ليسوا مجرد أرقام على ورقة، ولا مجموعة
درجات في شهادة.. وليتذكّر الجميع أن عباقرة العالم كله سقطوا في محطات كثيرة من
حياتهم، لكنهم نهضوا بإرادة أقوى وعزيمة أصلب، وأن أبناءهم يمكن أن يخلدهم التاريخ
في قائمة هؤلاء العظماء! فقط إن آمنوا به ودعموه.. فمن فشل اليوم، قد ينجح غدًا..
ومن تفوق اليوم، قد يُبتلى غدًا.. لكن من نشأ في حضن أسرة واعية مؤمنة، فاز في كل
الأحوال.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً