كيف ربح ترمب وعائلته من الحرب بينما خسر الجميع؟!
في عام 1987م،
سطر دونالد ترمب برفقة الصحفي توني شوارتز كتابًا بعنوان «فن الصفقة»، متحدثًا فيه
عن شخصيته وتكوين إمبراطوريته العقارية، ورغم مرور قرابة 40 عامًا على تأليف
الكتاب، فإننا نجد ملامح مما كتب فيه شاخصة أمام أعيننا، لم يزدها مرور الزمان إلا
وضوحًا وانجلاء.
فرجل الأعمال
الذي لا يخسر صار الرئيس الذي سيرهق الأمريكيين من كثرة الانتصارات، ومن يرى أنه يجب
على المرء أن يسعى لتحقيق مصلحته فقط دون أي اعتبار لمصلحة غيره بالطبع لن يضع
مصلحة الغير نصب عينيه يوم يكون رئيسهم، ومن ربح 50 مليون دولار في نفس اليوم الذي
فقد فيه آلافاً من موظفيه مصدر قوتهم، لن يشعر بالشفقة من ازدياد سعر الوقود الذي
يراه بسيطًا، وقد يكون كذلك بالنسبة لمن وصف ثروته بأنها تفوق كل شيء قد احتاجه.
فصاحب هذا
الكتاب يرى أن الصفقة الأمثل في ترك الآخرين يتحملون العواقب، وهذا السطر الأخير
لا يصف فترة ترمب السياسية فحسب، بل
يتعداها ليصف حياته ككل.
أسرار أسرية
ومما ترك فيه ترمب
الآخرين يتحملون عواقب أفعاله بينما يجني هو ثمارها، حربه الأخيرة التي استفاد
منها هو وحاشيته، فصارت تصريحاته تتزامن مع صفقات بمئات الملايين في سوق الأسهم
بما لا يدع مجالًا للشك أن أحدهم يعلم أكثر مما نعلم، أو ما يُعرف بـ«التداول
الداخلي»، وهو ببساطة اتخاذ الشخص قرارًا استثماريًا في سوق تداول الأموال
(البورصة) ببيع أو شراء بناء على معلومات غير متاحة لغيره، ومصدر تلك المعلومات
غالبًا ما يكون شخصًا من الداخل (داخل الشركة التي تباع أو تشترى أسهمها) وهو ما
يفسر سبب التسمية، ورغم كون هذا الفعل محظورًا قانونيًا لإخلاله بمبدأ تكافؤ الفرص،
فإن من بنوا ثروتهم على أساسه أكثر من أن يعدوا.
ومن أمثلة جني
الأرباح من التداول الداخلي في الحرب الأخيرة توقيت صفقة تجاوزت قيمتها نصف مليار
دولار، فبينما كان العالم يحبس أنفاسه منتظرًا إبرار ترمب لوعده بقصف منشآت البنية
التحتية النفطية الإيرانية؛ إذ به يطل علينا من منصته «Truth Social» ليخبرنا أن الولايات المتحدة أجرت محادثات مثمرة مع طهران وستوقف
خططها الهجومية، هذه التهدئة أخمدت نار الأسواق الملتهبة، لكن تلك النار حصدت
بالفعل ثروات كثيرين ممن راهنوا على ارتفاع الأسعار بناءً على تهديدات الرئيس
السابقة.
ووسط هذا
الركام، برز شخص أو جهة مجهولة لم تكتوِ بنيران تلك الخسائر؛ إذ قررت قبل نشر
التدوينة الرئاسية بـ15 دقيقة فقط، الدخول في صفقة بيع على المكشوف لخام برنت
بقيمة 580 مليون دولار.
الليالي من الزمان حبالى يلدن كل عجيبة!
في صيف عام 2025م،
قرر «صندوق كابيتال 1789 الاستثماري» الذي يشارك في إدارته نجل ترمب، والصندوق
الاستثماري عبارة عن وعاء يضم عددًا من الأصول الاستثمارية المتنوعة (كأسهم في
شركات أو عقارات) التي يقوم الصندوق بالاستثمار فيها، والتنوع فيه راجع لقاعدة لا
تضع جميع البيض في سلة واحدة، ولها صداها في الاستثمار كما لا يخفى، وقرر ضخَّ
استثمار ضخم في شركة مختصة بالمعادن النادرة اسمها «Vulcan Elements»، وكانت قيمتها السوقية آنذاك نحو 200 مليون دولار.
وإذ فجأة ينهال
الدعم الحكومي على تلك الشركة من ذات اليمين ممثلًا في شراء وزارة التجارة لحصة من
الشركة بـ50 مليون دولار ومن ذات الشمال، ممثلًا في وزارة الدفاع التي منحت الشركة
قرضًا بأكثر من نصف مليار دولار، لتقفز قيمة الشركة نتيجة لهذا الدعم إلى ملياري
دولار، هذا عائد استثماري نسبته 900%، أيجود الزمان بمثل هذه الفرص؟!
وعلى الرغم من
نفي «1789 Capital» والإدارة الأمريكية أي تنسيق مباشر، يبقى
هذا نموذجاً صارخاً لتعارض المصالح؛ صندوق مرتبط بنجل الرئيس يؤمِّن لشركات محفظته
أكثر من 70 مليون دولار في عقود حكومية، محوِّلاً الدعم السياسي إلى أصل تجاري
مربح.
ما قبل الحرب.. فضيحة التعريفات الجمركية
في أبريل 2025م،
أحدث القرار المفاجئ لترمب بفرض تعريفة جمركية أساسية بنسبة 10% على كافة الواردات
صدمة عنيفة في الأسواق العالمية؛ ما أسفر عن محو ما قيمته 5 تريليونات دولار من
مؤشر «S&P 500»، في وقت قياسي، وفي خضم هذا الانهيار،
وتحديداً في تمام الساعة 9:37 صباحاً من يوم 9 أبريل، استبق ترمب الأحداث بنشر
تدوينة عبر منصته «تروث سوشيال» وصف فيها التوقيت بأنه فرصة ذهبية لشراء أسهم في شركته ورمزها في البورصة (DJT)، وبعد مرور
أقل من 4 ساعات على هذا التوجيه، أصدر قراراً سيادياً غير متوقع بوقف مؤقت للرسوم
الجمركية لمدة 90 يوماً، هذا التحول الدراماتيكي في السياسة العامة أدى إلى ارتداد
الأسواق صعوداً بنسبة 9.5%؛ ما ضاعف ثروة ترمب الشخصية بنحو 415 مليون دولار في
يوم واحد، في واقعة اعتبرها مراقبون نموذجاً صارخاً لاستغلال المعلومات السيادية
لتحقيق مكاسب مالية خاصة.
لماذا يُفلتون من العقاب؟
حار كثيرون لهذا
السؤال جوابًا! فعلى الرغم من الصورة الجلية للفساد، فإننا لا نرى أحدًا يقضي
أيامه في عد ما تبقى من عقوبته في السجن، وسبب إفلاتهم من العقاب بسهولة يمكن عزوه
إلى ثلاثة أسباب رئيسة:
1- قانون
البورصات وقيد «القصد الجنائي»: بموجب قانون الأوراق المالية لعام 1934م (المادة
10-ب)، لا يُجرَّم «التداول الداخلي» إلا إذا تم بناءً على معلومات جوهرية وسرية
بشرط إثبات القصد الجنائي، وهنا تكمن الثغرة القانونية التي أفلت بسببها عدد لا
يحصى من العقاب فلإثبات القصد الجنائي (Scienter)؛ يتعين على
الادعاء تقديم دليل ملموس على أن المتلقي للمعلومة السرية (Tippee) كان يدرك
تماماً أن المصدر، صاحب المعلومة السرية (Tipper) قد انتهك
واجبه القانوني الذي يلزمه بعدم تسريب مثل تلك المعلومات وأنه فعل ذلك مقابل منفعة
متبادلة.
2- تقويض
الرقابة الداخلية (المفتش العام): شهدت الهيكلية الإدارية تقليصاً ممنهجاً
لصلاحيات مكاتب المفتش العام، وهي الأجهزة المستقلة المنوط بها مراقبة النزاهة
داخل السلطة التنفيذية، هذا التقليص الممنهج لم يؤدِّ إلى ندرة التحقيقات فحسب، بل
أدى لعزوف المبلغين عن المخالفات عن التبليغ عن الانتهاكات نتيجة غياب ما يضمن
سلامتهم وحمياتهم بعد التبليغ، وغياب ما يضمن التحقيق فيما بلغوا بخصوصه.
3- تحصين المصدر
الأساسي للمعلومة: في أعقاب أحكام المحكمة العليا الأخيرة بشأن «الحصانة الرئاسية»،
باتت الأفعال التي تُصنف كـ«تصرفات رسمية» محصنة من الملاحقة الجنائية؛ ما يعني
توفير غطاء قانوني للمصدر الأصلي للمعلومة (ترمب أو كبار مساعديه)؛ ما يقطع الطريق
أمام إثبات عدم مشروعية تسريب المعلومة في المقام الأول.
والحال كذلك، لا
نبالغ إذا قلنا: إن النظام صُنع خصيصًا لحماية أكثر المستفيدين منه، فبالنسبة لترمب
وحاشيته، تبدو الحرب أقل تعلقًا بالأمن القومي، وأعظم ارتباطًا بتأمين الصفقة
المُثلى!
اقرأ أيضا
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً