توازن المشاعر في التربية

كيف ربَّى سعيد بن جبير القلوب بين البكاء والضحك؟

سعيد بن جبير يقرأ في المسجد بين أجواء روحانية تعكس تربية القلوب بالموعظة، والتوازن بين البكاء والضحك.

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن عَطَاءِ بنِ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ يُبْكِيْنَا، ثُمَّ عَسَى أَنْ لَا يَقُوْمَ حَتَّى نَضْحَكَ(1).

تكشف هذه الكلمة الموجزة عن جانب بديع من شخصية الإمام سعيد بن جبير، أحد كبار التابعين وأئمة التفسير والدعوة، فهي لا تصف مجرد قدرة خطيب على التأثير في سامعيه، بل تكشف عن منهج تربوي عميق يقوم على فهم طبيعة النفس البشرية، وكيف تحتاج القلوب إلى من يقودها بين مقامات الخوف والرجاء، وبين لحظات التأثر العميق ومساحات الأنس والراحة.

ويندرج هذا الأثر في سياق مجالس العلم والوعظ في عصر التابعين، حيث كانت حلقات العلماء في الكوفة وغيرها ميدانًا لبناء الإيمان وتزكية النفوس في مرحلة كثرت فيها الفتن والاضطرابات، ولم يكن التحدي أمام العلماء مجرد نقل المعرفة، بل تربية أناس قادرين على حمل الدين في واقع متغير؛ ولذلك كانت معرفة أحوال القلوب جزءًا من صناعة العالم والمربي.

إدارة المشاعر الإنسانية عند سعيد بن جبير بين الخشية والأنس

ليست النفوس آلات تستقبل المعاني بالقدر نفسه في كل وقت، بل تتأثر بالحالة النفسية والوجدانية، وقد أدرك سعيد بن جبير هذه الحقيقة، فلم يكن يقود مجلسه في اتجاه واحد دائمًا، بل كان يعرف متى يفتح باب الخشية، ومتى يفتح باب الأنس.

فقوله: «كان يبكينا» يدل على قوة الوعظ وحضور القلب، أما قوله: «ثم عسى ألا يقوم حتى نضحك» فيكشف عن جانب آخر من الحكمة؛ إذ لم يكن المقصود إغراق النفوس في الحزن، بل إيقاظها ثم إعادتها إلى توازنها الطبيعي.

وهذا المعنى تؤيده السنة النبوية في بيان طبيعة الإنسان، فعَنْ ‌أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ ‌حَنْظَلَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَعَظَنَا فَذَكَرَ النَّارَ قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَضَاحَكْتُ الصِّبْيَانَ، وَلَاعَبْتُ الْمَرْأَةَ قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا تَذْكُرُ، فَلَقِينَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَافَقَ حَنْظَلَةُ فَقَالَ: «مَهْ»، فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا فَعَلَ فَقَالَ: «يَا حَنْظَلَةُ ‌سَاعَةً ‌وَسَاعَةً، وَلَوْ كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ، حَتَّى تُسَلِّمَ عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ»(2).

وقد بيّن العلماء أن المقصود أن الإنسان تتغير أحوال قلبه بحسب المقامات، وأن دوام الحال الواحدة ليس من طبيعة البشر، ومن هنا يظهر أن التربية الناجحة لا تقوم على شحن المشاعر فقط، بل على إدارة هذه المشاعر حتى تتحول إلى طاقة عمل واستقامة.

أخطار اقتصار الموعظة على التخويف وحده

كان البكاء في مجالس السلف ثمرة لمعاني الإيمان والتذكر، لكنه لم يكن غاية مستقلة، فالمؤمن لا يعيش في دائرة الخوف وحدها، كما لا يستسلم للرجاء وحده، وإنما يسير بينهما.

وقد جمع القرآن بين وصف أهل الإيمان بالخشية ووصفهم بالأمل في رحمة الله، قال تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {49} وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ) (الحجر)، وقال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ ‌شَدِيدُ ‌الْعِقَابِ ‌وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: 98)، فقد جاء الوعد والوعيد متجاورين، لأن النفس تحتاج إلى ميزان يحفظها من الغرور كما يحفظها من اليأس.

ولهذا لم يكن انتقال سعيد بن جبير من البكاء إلى الضحك تناقضًا، بل كان صورة عملية لهذا التوازن، فالدمعة توقظ القلب، والابتسامة تعيد إليه قدرته على الاستمرار.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: «رَوِّحُوا الْقُلُوبَ ‌وَابْتَغُوا ‌لَهَا ‌طُرَفَ ‌الْحِكْمَةِ فَإِنَّهَا تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الْأَبْدَانُ»(3)، يكشف هذا القول عن إدراك مبكر لحاجة الإنسان إلى التنويع في الخطاب والتربية، فكما أن البدن يحتاج إلى الراحة بعد الجهد، فإن القلب قد يحتاج إلى تنويع المواعظ والموضوعات والأساليب حتى لا يتحول التعلم إلى عبء يقطع الصلة بالمعنى.

وفي واقع التربية اليوم، تظهر أهمية هذا التوازن في تعامل الوالدين والمعلمين والدعاة؛ فالإفراط في التخويف قد يصنع نفوسًا قلقة، كما أن الإفراط في التسهيل قد يضعف الإحساس بالمسؤولية، أما الحكمة فهي في بناء شخصية تعرف خطورة الطريق وتعرف في الوقت نفسه سعة الرحمة.

أثر الجمع بين الجدية والإنسانية في القيادة

يمثل سعيد بن جبير نموذجًا للقائد التربوي الذي لا يعتمد أسلوبًا واحدًا مع الناس، بل يختار الأسلوب الذي يحقق المقصود، فالقائد ليس من يرفع مستوى الضغط دائمًا، ولا من يجعل كل شيء سهلاً دائمًا، وإنما من يعرف حركة النفوس ومراحل التأثير.

وقد وصف الله تعالى جانبًا من القيادة النبوية بقوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ‌لِنْتَ ‌لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159)، فاللين ليس ضعفًا، بل وسيلة لحفظ العلاقة وبناء المودة وتيسير الأمور، فعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع ‌من ‌شيء ‌إلا ‌شانه»(4).

إن قدرة سعيد بن جبير على نقل المجلس من البكاء إلى الضحك تعني أنه كان يدرك المناخ النفسي لجلسائه، لم يكن يريد صناعة لحظة انفعال مؤقتة، بل بناء نفوس تستطيع مواصلة الطريق، فقد قيل لابن عيينة: المزاح سُبَّة، فقال: بل سُنة، ‌ولكن ‌من ‌يحسنه(5).

وهذا مبدأ حاضر في الإدارة والتعليم؛ فالقائد الذي لا يعرف إلا الضغط قد يحقق استجابة قصيرة، لكنه قد يخسر الحماس الداخلي لأفراد فريقه، أما من يجمع بين الجدية والإنسانية فإنه يبني بيئة أكثر استقرارًا.

أثر الدعابة المنضبطة في تقريب العلوم للقلوب

قد يرتبط العلم في أذهان بعض الناس بالجدية الصارمة، لكن سيرة العلماء الأوائل تقدم صورة أوسع؛ فقد كانوا أهل عبادة وخشية، ومع ذلك كانوا يعرفون قيمة البشاشة والملاطفة.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يمازح أصحابه ولا يقول إلا حقًا؛ ما يدل على أن الابتسامة والملاطفة لا تناقضان الوقار، بل قد تكونان من أسباب قبول الحق، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ‌إِنَّكَ ‌تُدَاعِبُنَا، قَالَ: «إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا»(6)، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنِّي ‌لَأَمْزَحُ، وَلَا أَقُولُ إِلَّا ‌حَقًّا»(7).

فالوقار النبوي لم يكن قائمًا على العبوس الدائم، كما لم تكن البشاشة خروجًا عن الجدية، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يداعب أصحابه، مع التزام الصدق في كلامه، وهذا يوجه المعلم والداعية إلى أن حسن التواصل لا يتعارض مع الهيبة العلمية، وأن الابتسامة إذا انضبطت بالحق والأدب قد تفتح للمتعلم بابًا من القبول والطمأنينة.

ومن هنا، فإن المجلس الناجح ليس الذي يكثر فيه الكلام فقط، بل الذي تُبنى فيه علاقة إنسانية تجعل العلم قريبًا من القلوب، فالمتعلم لا يستقبل المعلومات بعقله وحده، بل يستقبلها بشخصيته كلها.

قال الماوردي: العاقل يتوخى بمزاحه إحدى حالتين لا ثالث لهما؛ إحداهما: إيناس المصاحبين والتودد إلى المخالطين، وهذا يكون بما أنس من جميل القول، وبسط من مستحسن الفعل(8).

ولهذا كانت مجالس العلماء المؤثرة عبر التاريخ تجمع بين العلم والرحمة، وبين قوة المعنى وجمال الصحبة، فقَدْ كَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُكْثِرُ الدُّعَابَةَ، وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَضْحَكُ حَتَّى يَسِيلَ لُعَابُهُ، وَكَانَ شُرَيْحٌ يَمْزَحُ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ مِنْ أَفْكَهِ النَّاسِ، وَكَانَ صُهَيْبٌ مَزَّاحًا، وَكَانَ أَبُو الْعَالِيَةِ مَزَّاحًا، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ إِذَا مَزَحَ لَمْ يُفْحِشْ، وَلَمْ يَشْتُمْ، وَلَمْ يَغْتَبْ، وَلَمْ يَكْذِبْ، وَإِنَّمَا يُذَمُّ مِنَ الْمِزَاحِ مَا خَالَطَتْهُ هَذِهِ الْخِلَالُ، أَوْ بَعْضُهَا(9).

بلاغة المقابلة بين الضحك والبكاء

يحمل النص جمالًا بلاغيًا خاصًا؛ فالمقابلة بين «يبكينا» و«نضحك» ليست مجرد انتقال بين حالتين متضادتين، بل رسم لحركة القلب الإنسانية.

فالعبارة تختصر مجلسًا كاملًا في كلمتين؛ بكاء وضحك، وبينهما يظهر فقه عميق للنفس؛ فالقلب يحتاج إلى من يوقظه، لكنه يحتاج أيضًا إلى من يرفق به.

وقد أشار القرآن إلى اجتماع هذين المعنيين في أصل الخلقة فقال: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ ‌وَأَبْكَى) (النجم: 43)، فجعل الضحك والبكاء من آيات القدرة الإلهية في الإنسان.

ومن جميل المتقابلات ما كان يدعو به سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: «اللَّهُمَّ إِنِّي ضَعِيفٌ فَقَوِّنِي، ‌اللَّهُمَّ ‌إِنِّي ‌غَلِيظٌ ‌فَلَيِّنِّي، اللَّهُمَّ إِنِّي بَخِيلٌ فَسَخِّنِي»(10).

كيف نطبق التوازن النفسي في المؤسسات المعاصرة؟

تقدم قصة سعيد بن جبير رؤية واسعة في التربية والقيادة؛ فالإنسان لا ينمو تحت الضغط المستمر وحده، كما لا ينمو في بيئة خالية من التوجيه، بل يحتاج إلى مزيج من المحاسبة والتشجيع، ومن الجدية والرحمة.

وفي الأسرة، يحتاج الأبناء إلى من يوجههم دون أن يحطم نفوسهم، وفي التعليم، يحتاج الطلاب إلى معلم يجمع بين الهيبة والقرب، وفي العمل، تحتاج الفرق إلى قادة يعرفون متى يطلبون الإنجاز ومتى يمنحون مساحة للراحة.

إن أعظم ما تكشفه هذه الحادثة أن العالم الحقيقي لا يربي العقول فقط، بل يربي القلوب أيضًا؛ لأنه يعلم أن القلب إذا أُنهك انقطع، وإذا أُهمل ضل، أما إذا وُجّه بحكمة فإنه يصبح مصدر ثبات وعطاء.

ويبقى سعيد بن جبير مثالًا للعالم الذي جمع بين عمق الإيمان وفهم الإنسان، فلم يكن همه أن يترك الناس في حالة تأثر عابرة، بل أن يبني نفوسًا متوازنة تعرف الخشية ولا تفقد البشاشة، وتعرف الجد ولا تنقطع عن الفطرة.

لقد كان انتقال مجلسه من البكاء إلى الضحك درسًا تربويًا بليغًا؛ أن صناعة الإنسان لا تكون بإثقاله دائمًا، ولا بإراحته دائمًا، وإنما بحسن قيادة قلبه بين المقامات التي تصلحه.

إن مجالس العلم الناجحة لا تُقاس بقدر ما يسودها من الصمت والجدية الظاهرة وحدهما، وإنما بقدرتها على الجمع بين قوة المعنى وحسن الصحبة، فقد يكون الموقف الجاد سببًا في إيقاظ القلب، وقد تكون الدعابة المنضبطة سببًا في إزالة الحرج وتجديد النشاط، وهذا لا يعني أن يتحول المجلس العلمي إلى ساحة للضحك، بل أن يعرف العالم متى يوجه، ومتى يرفق، ومتى يفتح للنفوس نافذة من الأنس، حتى يبقى العلم قريبًا من الإنسان، مؤثرًا في عقله وقلبه وسلوكه.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 324).
  • 2 صحيح مسلم (2750).
  • 3 الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: الخطيب البغدادي (2/ 129).
  • 4 صحيح مسلم (2594).
  • 5 فيض القدير: الشوكاني (3/ 13).
  • 6 سنن الترمذي بسند حسن (1990).
  • 7 رواه الطبراني بسند صححه الألباني (13443).
  • 8 أدب الدنيا والدين، ص 310.
  • 9 تأويل مختلف الحديث: ابن قتيبة الدينوري، ص 420- 421.
  • 10 الطبقات الكبرى: ابن سعد (3/ 275).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة