كيف نبني شخصية رقمية جادة؟
الرقمية أصبحت
خياراً لا مفر للإنسان من التعامل معه، وأصبح الوسيط الرقمي امتداداً للوعي
البشري، فالشاشة باتت قادرة على صناعة شخصية رقمية وتوليد الكثير من المعاني في الأذهان، بعدما تحولت
من آلة تنقل المعلومات إلى شريك في صناعة الوعي وتشكيل المفاهيم، من خلال ما يتيحه
الوسيط من إمكانات وقدرات، لعل من أهمها التفاعل، فلم يعد الإنسان متلقياً سلبياً
في العصر الرقمي، ولكنه أصبح مشاركاً ومتفاعلاً مع ما يشاهده، وهو تفاعل لا يتم
عبر وسطاء أو رقباء، ولكنه تفاعل لحظي.
هذا التحول رسخ
في وجدان الإنسان المعاصر أنه لم يعد في مقدوره الانفصال عن الرقمية، وهذا ما يفرض
بناء شخصية رقمية جادة تستفيد من تلك القدرات الهائلة للرقمية، ولن يتحقق ذلك إلا
من خلال الإرادة الإنسانية، وهنا يُطرح السؤال الأهم: كيف نبني شخصية جادة في
العالم الرقمي؟
بناء شخصية جادة
في العالم الافتراضي ليس مهمة سهلة يسيرة، ولكنها تحتاج إلى جهد ووقت وإدراك
لطبيعة الرقمية، وإرادة للبعد عن التفاهـة والحالة الغثائية التي يفيض بها العالم
الافتراضي، فالتفاهة تعني استهلاك كل ما هو سلبي وسطحي وهامشي، وهذا الابتعاد يشبه
السباحة ضد التيار.
وحتى نستطيع
بناء شخصية رقمية جادة، قد يكون من المهم الاستفادة من تلك الأفكار:
1- بناء شخصية رقمية
نقصد بذلك تشكيل
صورة وسمعة في العالم الافتراضي، تُشيد وتترسخ من خلال ما تنشره وتتابعه وتشاركه
وتتفاعل معه، وكذلك قائمة الأصدقاء على صفحاتك، فهذا كله يعكس أفكارك وقيمك
ومهاراتك واهتماماتك.
فمثلاً لا بد أن تكون صفحاتك على مواقع التواصل الاجتماعي باسمك من دون أي
استتار أو إخفاء، وأن تكون صورتك واضحة وتحمل سمات الجدية والحيوية، وأن تنتقي ما
تنشر، فلا تشارك الأخبار التافهة والمثيرة وقليلة المصداقية، وأن تستحضر أخلاقيات
الحوار والخلاف في نقاشاتك، وأن تحرص على ألا تعرض تفاصيل حياتك الشخصية على مواقع
التواصل الاجتماعي، وألا تجعل مشاركاتك في العالم الافتراضي تنفيساً لغضبك اللحظي
والسريع؛ لأن للرقمية ذاكرة لا تنسى، كذلك قد يكون من المفيد تقديم سيرة ذاتية
مختصرة عن التخصص والمهنة والخبرات التي تمتلكها.
2- انتقاء المحتوى المنشور والمتابع
هذه الخطوة عملية
فرز ضرورية في البيئة الرقمية، فالكثير يُقيّم جدية الشخصية من خلال ما تنشره أو
تتابعه، فإذا كان المنشور ذا تفاهة وسطحية، فإن ذلك لا يتلاءم مع بناء شخصية جادة،
ومن الضروري التدقيق والتوثيق لما تنشره، فلا تجد الصحافة الصفراء ولا الصحافة
السوداء ولا المتعصبة ولا الطائفية مكاناً لها بين منشوراتك ومتابعاتك.
3- التحول من خانة المستهلك السلبي إلى المؤثر النافع
يجب إدراك أن
البيئة الرقمية امتداد لشخصيتنا الواقعية في الحياة، فمن الضروري أن تتحول من معدة
تستهلك ما هو موجود لتصبح مؤثراً رقمياً نافعاً ينشر ما يفيد وينفع، وأن يصاحب هذا
التحول قدرٌ من الإيمان بأنك صاحب رسالة في العالم الافتراضي لنفع الناس وإفادتهم،
فهذا الإحساس بالرسالية يجعلك تنشر النافع، وتضع كلماتك في مواطن الإصلاح، لتتحول
منشوراتك إلى إضاءات ومنارات هادية.
في كتابه «أظهرعملك!» يقدم مؤلفه أوستن كليون فكرة جديدة لدور المؤثر الرقمي، فهو برأيه ليس
بالضرورة أن يكون خبيراً أو متخصصاً عميقاً في الفكرة أو الموضوع الذي يشاركه،
ولكن قد يكون من المهم أن يكون هاوياً شجاعاً يشارك خطوات تعلمه وما يقرأه ويبحثه
يومياً، الكتاب يكسر حاجز الخوف من النشر الرقمي ويعلمك كيف تجذب مجتمعاً يهتم بما
تقدمه من قيم وأفكار.
يدعو كليون أن
يعتمد الشخص مبدأ الكرم الذي يتفوق على العبقرية؛ فيقول: لكي يكتشفك الناس، لا
تحتاج لأن تكون عبقرياً متخفياً، بل تحتاج فقط لأن تكون قادراً على أن تُكتشف عبر
مشاركة كواليس عملك ورحلتك اليومية من خلال جذب مجتمع ينمو معك، ومن خلال مبدأ شارك
شيئاً صغيراً كل يوم على اعتبار أن الإبداع تراكمي.
ومن الضروري إدراك
أن التفاهة في العالم الرقمي لها جمهورها الواسع من المتابعين والمعجبين، على خلاف
المضمون الجيد الذي يحظى بقلة في المتابعة والانتشار، وهذه ظاهرة طبيعية، فالزبد
دائماً تراه يملأ العين، ولكنه سريع الزوال.
فالمستهلك
الرقمي السلبي دوماً يبحث عما يأخذه، أما المؤثر النافع الإيجابي فإن ما يشغله ما
الذي سوف يقدمه من نفع للآخرين فيما ينشره؟ والإصرار والاستمرارية في تقديم
المحتوى الهادف والنافع، سيؤدي مع الوقت إلى إحداث تغيرات إيجابية في العقلية
الرقمية الاستهلاكية التي تفضل السطحي والسريع.
في كتابه «البساطة الرقمية»، يؤكد مؤلفه كال نيوبورت أن العزلة ليست حلاً للتعامل مع الرقمية، ولكن
الحل الأمثل الخروج من دور المستجيب السلبي للتنبيهات واللوغاريتمات إلى المستجيب
الفعال عبر القيام بتصفية رقمية، واستغلال الوقت المستقطع في بناء مشاريع عملية،
والتعلم العميق، والإنتاج الفعلي المؤثر خارج الشاشات وداخل الفضاء الرقمي بشروطك
الخاصة.
لكن ربما الأهم
الذي طرحه نيوبورت بناء إدراك مختلف للتعامل مع وقت الفراغ عبر استعادته إلى ما
يخدم قيماً ليست مادية، ولكن تحقق الرضا، فيقول: إن الحياة الطيبة تتطلب أنشطة لا
تخدم أي غرض آخر سوى الرضا الذي يولده النشاط نفسه.
4- عدم الاكتفاء بالإلهاء أو الترفيه
لا بد من تجاوز
مرحلة الاكتفاء بالتسلية والترفيه؛ لأنها تنتج شخصية سطحية ضحلة هشة، فالمحتوى
الترفيهي لا يمكن أن يطور تفكيرنا النقدي ولا مهاراتنا، وإنما يصرف الانتباه
والتركيز نحو البحث عن الفكاهة والتسلية والابتسامات الخالية من المعنى.
في كتابها «أمة
الدوبامين» الذي بيعت منه مليون نسخة، ترى عالمة النفس الأمريكية آنا ليمبكي أن
الهواتف الذكية وتطبيقات الترفيه تحولت إلى ما يشبه حقنة دوبامين مستمرة، فالدماغ
البشري يتعامل مع الترفيه الرقمي السريع كمصدر للمتعة اللحظية، وعندما يُفرط الشخص
في مثل هذا النوع من الاستهلاك، يقوم الدماغ بموازنة المتعة والألم عبر خفض
مستقبلات الدوبامين الطبيعية، ولعل هذا ما يفسر شعور الناس بالاكتئاب والملل
الشديد بمجرد إغلاق هواتفهم.
وهو ما يؤكده
كذلك الكاتب البريطاني جوهان هاري في كتابه «التركيز المسروق»: لماذا لا تستطيع
التركيز؟ والكتاب هو مجموعة لقاءات مع عدد من كبار علماء الأعصاب، وهؤلاء أجمعوا
أن هناك تدهوراً في قدرات البشر بسبب نمط التسلية السريع واللامتناهي، والسبب أن
هذا النمط يدرب العقل على التشتت المستمر، وأن المنصات الرقمية صُممت لسرقة انتباه
الإنسان من أجل تحقيق الأرباح، وهذا ما يجعل العقل غير قادر على التفكير العميق
والنقدي أو حتى قراءة كتاب بالكامل أو نصوص طويلة نسبياً.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً