بين فضول الأخبار وبرّ الأم..

كيف نترك ما لا يعنينا؟ موقف الربيع بن خثيم يجيب

د. نصر حسن

27 سبتمبر 2026

43

كيف نترك ما لا يعنينا؟ موقف الربيع بن خثيم يجيب

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن الثوري، عن رجل، عن أبيه، قال: «جالست الربيع بن خثيم سنين، فما سألني عن شيء مما فيه الناس، إلا أنه قال لي مرة: أمك حية؟»(1).

تكشف هذه الرواية القصيرة عن ملامح شخصية تجاوزت مجرد الزهد في الكلام إلى بناء منهج متكامل في إدارة النفس والوقت والاهتمام، فالربيع بن خثيم، أحد كبار التابعين ومن أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عاش في مرحلة تاريخية اتسمت بكثرة الأحداث والفتن والاختلافات، وكانت الكوفة آنذاك بيئة تتقاطع فيها الأخبار والمواقف والجدالات، وفي هذا السياق لم يكن ترك السؤال عن أخبار الناس موقفًا عابرًا، بل كان اختيارًا واعيًا لطريقة في التعامل مع الحياة تقوم على حفظ القلب واللسان وتوجيه الطاقة نحو ما ينفع.

وهذه القراءة لا تجعل من الصمت انسحابًا من مسؤولية الإنسان تجاه مجتمعه، وإنما تميّز بين الصمت الذي ينبع من الحكمة، وبين العزلة التي تكون هروبًا من الواجبات؛ فالربيع بن خثيم لم يكن تاركًا للخير، وإنما كان تاركًا لما لا يعنيه.

كيف تبني حصانة إيمانية ضد فضول الأخبار؟

إن أكثر ما يلفت النظر في الرواية قول الراوي: «جالسته سنين»، ثم قوله: «فما سألني عن شيء مما فيه الناس»، فالمشهد لا يتحدث عن موقف لحظي، بل عن نمط مستقر في الشخصية، يكشف عن حصانة داخلية جعلته لا ينشغل بتفاصيل أحوال الناس وأخبارهم إلا فيما يتصل بأمر ذي قيمة.

فالإنسان بطبيعته يميل إلى معرفة أحوال من حوله، وتتولد لديه رغبة في متابعة الأخبار والمناقشات، لكن النضج الإيماني والعقلي يظهر حين يملك الإنسان القدرة على توجيه هذا الميل لا حين ينعدم وجوده، وقد كان الربيع بن خثيم يدرك أن كثرة الاشتغال بأحوال الناس قد تستهلك القلب دون أن تزيد صاحبه علمًا أو عملًا، ولذلك كان ضبط اهتمامه وكلامه قائمًا على استشعار مسؤوليته، وهو معنى يوضحه قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «من ‌عد ‌كلامه ‌من ‌عمله ‌قل ‌كلامه»(2)؛ فمَن نظر إلى كلامه بوصفه جزءًا من عمله، لم يترك لفضوله أن يقوده إلى كثرة السؤال والاشتغال بما لا يزيده علمًا أو عملًا.

وفي واقعنا المعاصر أصبحت هذه المهارة أكثر حاجة؛ فالمتابعة المستمرة للأخبار، والجدالات الرقمية، والخصومات الافتراضية قد تجعل الإنسان يعيش في تفاصيل لا يملك تغييرها، بينما يهمل ما يستطيع إصلاحه في نفسه وأسرته وعمله.

لماذا يتقدم سؤال البر على فضول الأخبار؟

ليس الاستثناء في الرواية أن الربيع بن خثيم سأل مرة عن شيء، وإنما أن السؤال نفسه كان مختلفًا: «أمك حية؟»، فبعد سنوات من عدم السؤال عن شؤون الناس، لم يختر سؤالًا متعلقًا بأخبار أو خصومات أو أحداث، بل اختار سؤالًا يفتح باب البر والرحمة، وكأن ميزان اهتمامه لم يكن قائمًا على الفضول، وإنما على القيمة.

إن سؤال الأم يعيد الإنسان إلى دائرة الواجبات الكبرى التي قد تغيب وسط الانشغال بالتفاصيل؛ فاختيار الأم تحديدًا ينسجم مع ما قرره النبي صلى الله عليه وسلم حين سُئل: ‌مَنْ ‌أَحَقُّ ‌النَّاسِ ‌بِحُسْنِ ‌صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ»(3)، وإذا كانت الأم أحق الناس بحسن الصحبة، فإن السؤال عنها وتفقد حالها يصبحان من صور البر التي تستحق أن تتقدم على كثير من التفاصيل التي تستنزف اهتمام الإنسان.

ومن هنا تتضح دلالة سؤال الربيع بن خثيم؛ فلم يكن يبحث عن خبر جديد من أخبار الناس، وإنما التفت إلى علاقة تستحق العناية والوفاء، فانتقل السؤال من مجرد معرفة حال شخص إلى استحضار واجب البر والرحمة، ولهذا فإن سؤال الربيع بن خثيم لم يكن مجرد استفسار اجتماعي، بل كان توجيهًا غير مباشر إلى ما ينبغي أن يسأل عنه الإنسان حقًا: هل أدى واجبه تجاه أقرب الناس إليه؟ وهل بقيت في حياته روابط الرحمة التي تستحق العناية؟

منهج التعامل مع الأخبار في أوقات الفتن

كانت الكوفة في عصر التابعين مسرحًا لتحولات سياسية وفكرية متعددة، وكانت كثرة الأخبار والآراء قد تفتح أبوابًا من النزاع والخصومة، وفي مثل هذه البيئات يحتاج الإنسان إلى فقه الأولويات؛ فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال ينفع، ومن هنا جاء التوجيه النبوي لعبد الله بن عمرو رضي الله عنه في زمن الفتن ليضع للمسلم ميزانًا يضبط علاقته بالأحداث، ويحفظه من الانجرار إلى الخوض فيما لا يعنيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «‌الْزَمْ ‌بَيْتَكَ، ‌وَامْلِكْ ‌عَلَيْكَ ‌لِسَانَكَ، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ، وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ»(4).

فهذا التوجيه لا يدعو إلى الانقطاع عن المجتمع أو التخلي عن المسؤولية، وإنما يرسم حدود المشاركة حين تضطرب الأحوال؛ فيأخذ الإنسان بما يعرف، ويمسك لسانه عما لا ينفع، ويوجه عنايته إلى ما يخصه ويستطيع إصلاحه، بدل أن يستدرجه اضطراب الأحداث إلى الخوض فيما لا يملك تغييره.

وإذا كان هذا التوجيه يحدد للإنسان ما ينبغي أن يخوض فيه وما ينبغي أن يدعه عند اشتداد الفتن، فإن قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يبين له المنهج الذي يحكم اختياره في مواطن الاشتباه؛ إذ قال: «إنها ستكون أمور مشتبهات، فعليكم بالتؤدة؛ فإنك أن تكون تابعًا في الخير خير من أن تكون رأسًا في الشر»(5).

فحين تختلط الأمور وتتشابك الأخبار، لا تكون الحكمة في سرعة التفاعل أو كثرة الكلام، وإنما في التؤدة والتثبت، حتى لا يتحول الاندفاع وراء كل خبر أو جدل إلى مشاركة في أمر يجر على الإنسان شرًا لا يريده، وهكذا يلتقي الشاهدان في توجيه واحد؛ ضبط موقف الإنسان من أحداث الفتن، فلا يخوض فيما لا يعنيه، ولا يندفع فيما لم يتبين وجهه، ومن هنا يظهر الفرق بين الوعي والفضول؛ فالوعي يوجه الإنسان إلى موقف مسؤول أو عمل نافع، أما الفضول فقد يمنحه شعورًا زائفًا بالمشاركة، بينما هو في الحقيقة يستنزف وقته وقلبه بعيدًا عن دائرة التأثير الحقيقي.

وفي واقعنا المعاصر، حيث تتدفق الأخبار والآراء عبر المنصات الرقمية، يصبح هذا المعنى أكثر إلحاحًا؛ فليس كل خبر يستحق المتابعة، ولا كل نقاش يستحق المشاركة، ولا كل حدث يقتضي من الإنسان أن يجعل نفسه طرفًا فيه، وقد يكون ترك بعض الأخبار والانشغالات صورة من صور الحكمة، حين يدرك الإنسان أن حفظ وقته وقلبه ولسانه، وتوجيه جهده إلى ما يستطيع إصلاحه، أولى من الاستغراق في تفاصيل لا يملك تغييرها.

كيف يرفع ضبط اللسان من قيمة الحديث؟

تكشف سيرة الربيع أن قلة الكلام ليست غاية مستقلة، وإنما وسيلة لحماية المعنى؛ فالكلام عنده ليس نشاطًا عاديًا، بل مسؤولية.

وهذا المعنى تؤكده الآية الكريمة التي تربط القول برقابة الله ومحاسبة العبد عليه، قال الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: 18)، وهي آية تجعل الإنسان يستحضر أن كل كلمة تدخل في ميزان الحساب، فلا يكون حفظ اللسان مجرد تقليل للكلام، وإنما وعيًا بمسؤوليته وقيمته.

وقد عبّر الربيع عن هذا الوعي في نظرته إلى الكلام، فقال: «أقلوا ‌الكلام ‌إلا ‌بتسع: ‌تسبيح، ‌وتهليل، ‌وتكبير ‌وتحميد، وسؤالك الخير، وتعوذك من الشر، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وقراءة القرآن»(6)؛ فالكلمة عنده ليست أمرًا يُطلق بلا ضابط، وإنما شيء ينبغي أن يُوزن قبل أن يخرج، حتى لا يتحول الكلام من وسيلة للخير إلى باب من أبواب الفضول أو الخطأ، وهكذا يصبح الصمت في موضعه ليس عجزًا عن التواصل، وإنما قدرة على أن يكون الكلام عند الحاجة، وبقدر ما يحقق نفعًا أو يدفع ضررًا.

ولم يكن هذا الوعي مجرد موقف فردي، بل ظهر في سلوك السلف حين استشعروا مسؤولية ما يقولون وينقلون؛ فقد كان الزبير بن العوام رضي الله عنه قليل التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سأله ابنه عبد الله عن ذلك، ذكر أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم التحذير من الكذب عليه(7).

فكان ذلك شاهدًا على شدة احتياطه في نقل الكلام، وإدراكه أن مسؤولية الكلمة لا تقف عند مجرد صدق القائل في نفسه، بل تمتد إلى صحة ما ينقله، وهكذا يؤكد موقفه أن قيمة الكلام لا تقاس بكثرته، وإنما بصدقه وأمانته وما يترتب عليه.

وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت قيمة هذا المعنى مضاعفة؛ فكثير من النزاعات تبدأ بسؤال فضولي، أو تعليق غير محسوب، أو مشاركة لا تضيف علمًا ولا إصلاحًا، ومن يملك القدرة على التريث قبل الكلام، وانتقاء ما يستحق أن يُقال، لا يفقد التواصل، وإنما يرتقي بقيمة ما يقول.

كيف تحافظ على تركيزك في زمن التشتت؟

أبرز ما يمكن استحضاره من هذا الموقف أن الإنسان لا يستطيع أن يمنع العالم من الضجيج، لكنه يستطيع أن يختار ما يدخل إلى قلبه وعقله.

فالانتباه اليوم أصبح من أثمن الموارد؛ ومن يوزعه على كل قضية وكل خبر وكل نقاش يفقد قدرته على التركيز في رسالته الأساسية، وقد وجّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله: «‌احْرِصْ ‌عَلَى ‌مَا ‌يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ»(8)؛ فحسن إدارة الانتباه لا يقوم على متابعة كل ما يحيط بالإنسان، وإنما على توجيه طاقته إلى ما ينفعه، والاستعانة بالله في القيام به.

ولهذا فإن منهج الربيع يقدم قاعدة عملية: اسأل نفسك قبل أن تدخل في أي حديث: هل يضيف هذا معرفة؟ هل يحقق إصلاحًا؟ هل يتعلق بواجب أو حق؟ أم أنه مجرد انتقال للوقت من فراغ إلى فراغ؟ وهذا يلتقي مع ما نُقل عن الحسن البصري: «من علامةِ إعراضِ الله عزَّ وجلَّ عن العبدِ أن ‌يجعلَ ‌شُغْلَه ‌فيما ‌لا ‌يَعنيه»(9)؛ فالانشغال بما لا يعني الإنسان لا يستهلك وقته فحسب، بل يبدد انتباهه عن الأولويات التي تستحق عنايته.

فإذا كان الإنسان يحسن اختيار ما يشغل قلبه ولسانه، فإنه لا يعيش خارج المجتمع، بل يعيش داخله بوعي أعلى؛ يرى أكثر، ويتكلم أقل، ويترك أثرًا أكبر.

لقد كان الربيع بن خثيم نموذجًا لإنسان امتلك زمام نفسه قبل أن يحاول التأثير في غيره؛ فالصمت عنده لم يكن فراغًا، بل كان امتلاءً بالذكر والمراقبة والاشتغال بما ينفع، ومن هنا بقي أثره حاضرًا؛ لأن بعض الرجال لا يُعرفون بكثرة ما قالوا، وإنما بما أحسنوا اختياره من القول حين كان للكلام حاجة.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 259).
  • 2 الجامع: معمر بن راشد (11/ 23).
  • 3 متفق عليه، أخرجه البخاري (5971)، ومسلم (2548).
  • 4 أخرجه أحمد في مسنده (6987)، وقال محققه: إسناده صحيح.
  • 5 شعب الإيمان: البيهقي (7/ 297).
  • 6 المصنف: ابن أبي شيبة (19/ 442).
  • 7 أخرجه البخاري (107)، ومسلم (3).
  • 8 أخرجه مسلم (2664).
  • 9 التمهيد: ابن عبد البر (6/ 328).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة