الذكاء الأخلاقي حين يلتقي المبدأ برقة القلب..
كيف جمع سعيد بن جبير بين التوكل وبر الأم؟
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ سَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:
«لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ، فَأَقْسَمَتْ عَلَيَّ أُمِّي أَنْ أَسْتَرْقِيَ (أطلب
الرقية)، فَأَعْطَيْتُ الرَّاقِي يَدِي الَّتِي لَمْ تُلْدَغْ، وَكَرِهْتُ أَنْ
أُحَنِّثَهَا (كرهت أن أخالفها فيما أقْسَمَتْ به)»(1).
يبدو هذا الموقف
في ظاهره حادثة عابرة من حياة أحد كبار التابعين، لكنه عند التأمل يكشف عن طبقات
عميقة من بناء الشخصية المؤمنة؛ فهو موقف اجتمع فيه ألم الجسد، وحرص الأم، وقوة
المبدأ، وحسن التصرف في لحظة قصيرة.
إن قراءة هذا
الموقف لا تقف عند مسألة الرقية وحدها، بل تتجاوزها إلى سؤال أوسع: كيف يحافظ
الإنسان على ثوابته، وفي الوقت نفسه يحفظ مشاعر من يحب؟ وكيف يتحول الالتزام
بالمبدأ إلى سلوك رحيم لا إلى صلابة منفرة؟
كيف يجمع المسلم بين قوة العقيدة مع رقة القلب؟
اللافت في موقف
سعيد بن جبير أنه لم يكن اختيارًا بين الطاعة والعاطفة، بل كان محاولة للجمع بين
قيمتين عظيمتين؛ تعظيم أمر الله، وبر الوالدة.
فالأم في لحظة
خوفها لم تكن تنظر إلى التفاصيل العلمية الدقيقة، بل كانت ترى ابنها يتألم وتبحث
عن أي سبب يخفف عنه، وهذا شعور إنساني فطري، ولذلك لم يقابل سعيد هذا القلق بالرفض
الجاف، ولم يجعل تمسكه بما يراه من الورع سببًا لإيذاء قلب أمه.
وهنا تظهر منزلة
البر في التصور الإسلامي؛ فقد قرن الله تعالى عبادته بالإحسان إلى الوالدين في
مواضع متعددة، ومن ذلك قوله سبحانه: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) (الأحقاف: 15)،
فالإيمان ليس مجرد أفكار ذهنية، بل يظهر في طريقة تعامل الإنسان مع أقرب الناس
إليه.
ومن جمال هذا
الموقف أن سعيدًا لم يجعل قوة المبدأ عذرًا للقسوة، ولم يجعل العاطفة سببًا
للتنازل عن قناعته، بل بحث عن طريق يحفظ المعنى الأخلاقي في الجانبين.
ومن الأمثلة
الدالة على اجتماع قوة العقيدة مع رقة القلب ما ثبت في الصحيحين عَنْ أَسْمَاءَ
بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي
عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدَهُمْ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ
رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ»(2)، فقد
بحثت السيدة أسماء عما يشبع رقة القلب ويحقق مقصده في إطار عدم التنازل عن
العقيدة.
البديل الثالث بين التمسك والمواجهة
قد يظن بعض
الناس أن الالتزام بالقيم يعني الوقوف أمام كل ضغط اجتماعي بالرفض المباشر، لكن
سيرة الحكماء تكشف أن الثبات لا يناقض الحكمة.
فحين طلبت منه
أمه أن يسترقي، لم يواجه طلبها بالمجادلة، ولم يردّ عليها بما قد يزيد خوفها، بل
اختار تصرفًا عمليًا؛ أعطى الراقي يده التي لم تُلدغ، وهنا تظهر قدرة عالية على
معالجة الموقف من خلال حل ثالث يخفف التوتر ويحفظ المقصد
هذا النوع من
التصرف يمكن وصفه بالذكاء الأخلاقي؛ لأن صاحبه لا يسأل فقط: ماذا أريد؟ بل يسأل
أيضًا: كيف أصل إلى ما أراه حقًا بأقل قدر من الإضرار بمن حولي؟ فليس الذكاء
الأخلاقي تنازلًا عن المبدأ
والذكاء
الأخلاقي في هذا الموقف لا يعني أن سعيد بن جبير بحث عن حيلة للتخلص من موقف أمه
فحسب، بل يعني أنه أدرك أن المواقف الإنسانية لا تعالج دائمًا بطريقة ثنائية: إما
أن أتمسك بموقفي وإما أن أرضي الآخر.
لقد وجد مساحة
ثالثة: أن يستجيب لأمه في ظاهر الفعل، مع بقاء اختياره الشخصي قائمًا؛ فأعطى
الراقي يده التي لم تُلدغ.
ومن هنا يمكن أن
نتعلم أن الحكمة لا تعني دائمًا تغيير القناعة، كما أن الثبات لا يعني دائمًا
المواجهة، فقد يكون الإنسان ثابتًا في مبدئه، لكنه مرن في أسلوب التعبير عنه.
ومن أعظم
المواقف في هذا الذكاء ما كان منه صلى الله عليه وسلم في وضع الحجر الأسود حين
أعادت قريش بناء الكعبة، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ الْقَبَائِلَ مِنْ
قُرَيْشٍ جَمَعَتْ الْحِجَارَةَ لِبِنَائِهَا، كُلُّ قَبِيلَةٍ تَجْمَعُ عَلَى
حِدَةٍ، ثُمَّ بَنَوْهَا، حَتَّى بَلَغَ الْبُنْيَانِ مَوْضِعَ الرُّكْنِ،
فَاخْتَصَمُوا فِيهِ، كُلُّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى مَوْضِعِهِ
دُونَ الْأُخْرَى، حَتَّى تَحَاوَزُوا وَتَحَالَفُوا، وَأَعَدُّوا لِلْقِتَالِ،
فَقَرَّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا، ثُمَّ تَعَاقَدُوا
هُمْ وَبَنُو عَدِيِّ ابْن كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ عَلَى الْمَوْتِ، وَأَدْخَلُوا
أَيْدِيَهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّمِ فِي تِلْكَ الْجَفْنَةِ، فَسُمُّوا لَعَقَّةَ
الدَّمِ، فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَ لَيَالٍ أَوْ خَمْسًا، ثُمَّ
إنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ، وَتَشَاوَرُوا وَتَنَاصَفُوا.
قال أهل
الرِّوَايَة: إن أَبَا أُمِّيَّةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ
عُمَر بْنِ مَخْزُوم، وَكَانَ عامئذ أَسَنَّ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، قَالَ: يَا
مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَوَّلَ مَنْ
يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ فِيهِ، فَفَعَلُوا، فَكَانَ
أَوَّلَ دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ، رَضِينَا، هَذَا مُحَمَّدٌ،
فَلَمَّا انْتَهَى إلَيْهِمْ وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، قَالَ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلُمَّ إلَيَّ ثَوْبًا»، فَأُتِيَ بِهِ، فَأَخَذَ الرُّكْنَ
فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «لِتَأْخُذَ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ
مِنْ الثَّوْبِ، ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا»، فَفَعَلُوا: حَتَّى إذَا بَلَغُوا
بِهِ مَوْضِعَهُ، وَضَعَهُ هُوَ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ(3).
وهذه مهارة
يحتاج إليها العالم والداعية والمربي والزوج والأب والمعلم؛ لأن كثيرًا من
المشكلات لا تحتاج إلى التنازل عن الحق، وإنما تحتاج إلى طريقة أذكى في حمل الحق
إلى الناس.
وفي واقع الناس
اليوم تظهر الحاجة إلى هذا الفقه في الأسرة والعمل والمجتمع؛ فكثير من الخلافات لا
تنشأ بسبب اختلاف المبادئ فقط، بل بسبب طريقة عرضها، وقد يكون الأسلوب الحكيم
سببًا في قبول الحق، بينما قد يؤدي الأسلوب القاسي إلى نفور الناس منه.
حقيقة التوكل وعلاقته بالتداوي والرقية
يتصل هذا الموقف
بباب التوكل الذي كان حاضرًا بقوة في حياة السلف، فالتوكل عندهم لم يكن تركًا
للأسباب، وإنما كان تعلق القلب بالله مع التعامل مع الأسباب بميزان الشرع، فعن
ضرار بن مرة عن سعيد بن جبير قال، «التوكل على الله جماع الإيمان»(4).
وقد جاء في
الحديث المشهور في الصحيحين عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي
سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ»، قَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟
قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ،
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»(5).
قال الإمام
النووي: اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال الإمام أبو عبدالله المازري: احتج
بعض الناس بهذا الحديث على أن التداوي مكروه، ومعظم العلماء على خلاف ذلك، واحتجوا
بما وقع في أحاديث كثيرة من ذكره صلى الله عليه وسلم لمنافع الأدوية والأطعمة
كالحبة السوداء والقسط والصبر وغير ذلك وبأنه صلى الله عليه وسلم تداوى، وبإخبار
عائشة رضي الله عنها بكثرة تداويه، وبما علم من الاستشفاء برقاه، وبالحديث الذي
فيه أن بعض الصحابة أخذوا على الرقية أجراً، فإذا ثبت هذا حمل ما في الحديث على
قوم يعتقدون أن الأدوية نافعة بطبعها ولا يفوضون الأمر إلى الله تعالى(6).
ففي هذا تأكيد أن
المراد ليس تحريم كل رقية أو كل علاج، وإنما يتعلق الأمر بمن يعتقدون أن الأدوية
نافعة بطباعها، لا أنهم يفوضون الأمر إلى الله سبحانه وحده(7).
ولهذا، فإن موقف
سعيد بن جبير يعكس معنى دقيقًا؛ قوة تعلق القلب بالله، مع فهم مراتب الأعمال
واختلاف الناس في الورع والاختيار، فهو موقف شخصي يعبر عن درجة عالية من الاحتياط
لنفسه في العبادة، وليس دعوة لإلغاء كل أسباب العلاج المشروعة.
فقد كان سعيد بن جبير يميل إلى ترك الرقى وعدم الاعتماد عليها زيادة في التوكل على الله تعالى، حيث
أورد ابن عبد البر أنه ذهَب مع طائفة من العلماء إلى كراهيةِ الرُّقَى والمعالجةِ،
فقالوا: الواجبُ على المؤمنِ أن يترُكَ ذلك، اعتصامًا بالله تعالى، وتوكُّلًا عليه،
وثقةً به، وانقطاعًا إليه، وعلمًا بأنَّ الرُّقيةَ لا تنفَعُه، وأنَّ تركَها لا
يضُرُّه، إذْ قد عَلِم اللهُ أيامَ الصِّحةِ وأيامَ المَرضِ، فلا تزيدُ هذه
بالرُّقَى والعلاجاتِ، ولا تنقُصُ تلك بتركِ السَّعي والاحتيالاتِ، لكلِّ صنفٍ من
ذلك زمنٌ قد علِمه اللهُ، ووقتٌ قد قدَّرَه قبلَ أنْ يَخلُقَ الخلقَ، فلو حرَص
الخلقُ على تقليل أيَّام المرضِ وزمنِ الدَّاءِ، أو على تكثيرِ أيَّام الصِّحَّةِ،
ما قدَروا على ذلك، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ
إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) (الحديد: 22)(8).
وعَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كَانَتْ بِهِ شَقِيقَةٌ، قَالَ:
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَرْقِيكَ مِنْهَا، قَالَ: «لَا حَاجَةَ لِي بِالرُّقَى»(9).
وهذا المعنى مهم
في زمان تتأرجح فيه النفوس بين طرفين: طرف يجعل الأسباب كل شيء، وطرف يرفضها بحجة
التوكل، أما المنهج المتوازن فيجعل القلب متعلقًا بالخالق، مع احترام السنن التي
جعلها الله في الكون.
أثر التربية بالموقف في ترسيخ القيم
لم يكن سعيد بن جبير في هذا المشهد يلقي درسًا على تلاميذه، لكنه صنع درسًا بقي عبر القرون، فبعض
المواقف تختصر كتبًا كاملة؛ لأنها تقدم الفكرة في صورة عملية.
فالعالم لا
يُعرف فقط بما يحفظ من النصوص، بل بما يظهر من أخلاقه عند الاختبار، وقد كان علماء
السلف يربطون العلم بالعمل، ويرون أن حقيقة المعرفة تظهر عند نزول المواقف.
ومن هنا فإن
القصة تحمل قيمة تربوية كبيرة للآباء والمربين؛ فالجيل لا يتعلم القيم من الكلمات
وحدها، بل يتعلمها من طريقة تعامل الكبار مع الضغوط، فالابن الذي يرى أباه أو
معلمه يجمع بين الرحمة والثبات يتلقى رسالة أعمق من أي خطاب نظري.
وفي المؤسسات
التعليمية والدعوية اليوم يمكن استثمار هذا المعنى؛ فصناعة القدوة ليست إضافة
جانبية، بل هي أحد أقوى أدوات بناء الإنسان.
شخصية العالم في المجتمع بين الثبات وحسن المخالطة
كان العلماء في
المجتمعات الأولى جزءًا من حياة الناس اليومية، يعيشون معهم أفراحهم وآلامهم،
ولذلك كانت مواقفهم الصغيرة ذات أثر كبير.
وسعيد بن جبير
في هذه القصة يظهر بصورة العالم الذي لا ينفصل عن مجتمعه؛ فهو ابن بار، وإنسان
يشعر بالألم، وعابد يراقب علاقته بالله، وصاحب عقل يحسن ترتيب الأولويات.
وهذه الصورة
تصحح تصورًا شائعًا عن التدين، وهو أنه يؤدي إلى الجفاف العاطفي أو الانعزال عن
مشاعر الناس، فالسلوك الإيماني الكامل يجمع بين خشية الله والرحمة بالخلق.
ولهذا كانت
منزلة العلماء عند الناس لا تقوم على كثرة المعلومات فقط، بل على اجتماع العلم مع
الخلق، والعبادة مع حسن المعاملة.
بلاغة التصرف العملي في الجمع بين الرحمة والحكمة
من الناحية
البلاغية، تحمل القصة صورة مؤثرة؛ فهناك يد أصابها الألم، ويد لم يصبها شيء، لكن
اليد السليمة أصبحت أداة لمعالجة تعارض معنوي أكبر.
فالحدث الخارجي
بسيط: راقٍ يقرأ على يد، لكن المعنى الداخلي أعمق: إنسان يحاول أن يحفظ قلب أمه،
ويحفظ في الوقت نفسه ما يراه من كمال التوكل.
وهنا تظهر
عبقرية الموقف؛ إذ لم يكن الحل في كثرة الكلام، وإنما في تصرف مختصر جمع بين
الرحمة والحكمة.
كيف نطبق ذكاء سعيد بن جبير الأخلاقي في حياتنا المعاصرة؟
تتكرر مثل هذه
المواقف في صور مختلفة في حياتنا المعاصرة؛ فقد يجد الإنسان نفسه بين رغبة والديه،
أو ضغط المجتمع، أو مقتضيات العمل، وبين مبادئ يؤمن بها.
والمنهج الذي
تقدمه هذه القصة ليس أن يرضي الإنسان الجميع على حساب الحق، ولا أن يجعل التمسك
بالرأي مبررًا لإيذاء الآخرين، بل أن يبحث عن الحكمة التي تجمع بين وضوح المبدأ
وحسن التعامل.
ففي الأسرة
يحتاج الأبناء إلى بر الوالدين حتى عند الاختلاف، وفي الدعوة يحتاج الدعاة إلى
مخاطبة الناس برفق، وفي القيادة يحتاج المسؤول إلى تحقيق الأهداف مع مراعاة النفوس،
وهذه كلها صور مختلفة لمعنى واحد: القوة الحقيقية ليست في القسوة، وإنما في القدرة
على الثبات مع الرحمة.
إن موقف سعيد بن جبير مع لدغة العقرب يظل مثالًا على أن عظمة الإنسان تظهر غالبًا في اللحظات الصغيرة؛ فالنفوس الكبيرة لا تكشفها الشعارات، بل تكشفها طريقة تصرفها عندما تجتمع عليها الضغوط، ففي موقف واحد اجتمع بر الأم، وتعظيم التوحيد، وحسن التدبير، فصار مشهدًا قصيرًا من مشاهد الحكمة الإنسانية في تراث العلماء.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (4/ 333).
- 2 متفق عليه، أخرجه البخاري (2620)، ومسلم (1003).
- 3 سيرة ابن هشام (1/ 196).
- 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (10/ 70).
- 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (5705)، ومسلم (218).
- 6 شرح النووي على مسلم (3/ 90).
- 7 المعلم بفوائد مسلم (1/ 346).
- 8 التمهيد: ابن عبد البر (3/ 662).
- 9 مصنف ابن أبي شيبة (5/ 36).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً