كيف نتعامل مع الواقع دون اتخاذه صنماً؟

كثيرًا ما تُستَخدم كلمة الواقعية كسلاح يُشهر في وجه كل دعوة إلى إصلاح النفس أو تحمّل المسؤولية الفردية، فبمجرد أن يتحدث أحد عن ضرورة مراجعة المسار، أو تقويم السلوك، أو السعي للالتزام بما هو أصلح وأقوم، ينبري من يردّ عليه قائلًا: كن واقعيًا، أو راعِ واقع الناس.

في ظاهر الأمر، يبدو هذا الكلام حريصًا وعقلانيًا، لكن عند التأمل، نكتشف أن هذه الواقعية تتحول أحيانًا إلى فزّاعة تمنع الإنسان من أي محاولة جادة لتغيير نفسه، إذ يُصوَّر له أن إصلاحه لذاته قد يؤدي به إلى العزلة، أو إلى القطيعة مع المجتمع، أو إلى الخروج عن السرب، وكأن دعوة بناء الذات ستقوده بالضرورة إلى هدم علاقته بالناس والواقع.

الأغرب من ذلك أن الخوف من احتمال الانفصال عن واقع الآخرين يُغفل تمامًا انفصالًا آخر قائمًا بالفعل؛ انفصال الإنسان عن نفسه، وعن قناعاته، وعن ما يدرك في قرارة قلبه أنه الصواب، حين يساير واقعًا لا يرضاه، هذا النوع من الانفصام يُتغاضى عنه ما دام الواقع المقبول اجتماعيًا في الصدارة، وهنا تظهر المفارقة بوضوح.

الواقع ليس كتلة واحدة مصمتة

من أهم أسباب تضخيم سلطة الواقع في النفوس أننا نتعامل معه وكأنه كيان واحد صلب لا يتجزأ، والحقيقة أن الواقع ليس كذلك، بل يمكن فهمه على مستويات مختلفة، لكل منها طبيعته وطريقة التعامل معه.

أولًا: واقع الوجود:

هناك واقع سابق على البشر جميعًا، وهو واقع الوجود نفسه؛ أي السنن التي أودعها الله في الكون والإنسان والحياة، فالسُّنة في أصل معناها هي الطريق الواضح والمنهج المستقيم، وسُنُة الله هي نظامه وتشريعه وحكمته في الخلق.

وهذه السنن نوعان؛ سنن كونية؛ كتعاقب الليل والنهار، وتتابع الفصول الأربعة، وبنية الكائنات الحية، وطريقة عمل أجهزتها، ونظام التكاثر فيها، هذه سنن ثابتة لا تتغير برغبات البشر ولا باعتراضاتهم، وسنن امتحانية وتمحيصية؛ تتعلق بالأرزاق، والآجال، وتقلب الأحوال، واستجابة الدعاء، وتدبير شؤون الحياة، وهي واقعة على الجميع، لكن الذي يفهم حكمتها ويتعامل معها على وجهها الصحيح هو المؤمن الذي يعرف ربه ويتبع شرعه، فيكون ذلك امتحانًا لإيمانه وتمحيصًا لحقيقته.

في هذا المستوى من الواقع، لا يملك الإنسان إلا خيارًا واحدًا رشيدًا؛ أن يتعامل مع هذه السنن بوعي وتسليم، لا بمنازعة واعتراض، فمخاصمة سنن الوجود لا تغيّرها، لكنها تفسد على الإنسان قلبه وراحته ومآله، أما الانسجام معها في ضوء الهداية الإلهية، فهو طريق السكينة والصلاح.

ثانيًا: واقع المحيط:

أما المستوى الثاني، فهو ما يُسمّى عادة بواقع الناس، وهو في الحقيقة ليس واقع البشرية جمعاء، بل واقع الدائرة المحيطة بالإنسان؛ أهله، وأقاربه، وأصدقاؤه، ومعارفه، ومن يتعامل معهم مباشرة.

المشكلة تبدأ حين نضخّم هذا الواقع، فنحوّله في أذهاننا إلى كتلة هائلة اسمها المجتمع، ونشعر وكأننا نواجه ملايين البشر دفعة واحدة، لا يمكن مخالفتهم ولا الوقوف في وجههم، بينما الحقيقة أن هذا المحيط –مهما اتسع– يظل محدودًا، وليس كل أفراده سواء في التأثير، ولا كل آرائهم ملزمة، ولا كل رضاهم مطلوبًا شرعًا أو عقلًا.

حين نضع الناس في أحجامهم الحقيقية، يصبح التعامل معهم ممكنًا ومتزنًا، أما حين نذيبهم في كيان غامض مخيف اسمه واقع الناس، فإننا نسحق أنفسنا بسهولة تحت ضغط اجتماعي مضخّم، وهذا الانسحاق غالبًا ما يدل على هشاشة داخلية، حيث يستمد الأفراد شعورهم بالقيمة والثبات من بعضهم بعضًا، فتدور الدوامة: ضعف فردي يقود إلى اتكالية جماعية، وضغط جماعي يزيد الضعف الفردي.

وفي هذا السياق، يلفت النظر موقف أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، فقد سمعت الناس يتحدثون عن الحوض، ولم تكن قد سمعت ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، فلما نادى النبي صلى الله عليه وسلم يومًا: «أيها الناس»، بادرت لتسمع، رغم أن الجارية قالت لها: إن النداء للرجال، فأجابت بجملة فاصلة: إني من الناس، ولم تسمح للتصورات السائدة أن تحرمها من العلم، ولم تساير تبريرًا جاهزًا يعفيها من السعي.

ثالثاً: واقع النفس:

وهو ما يصوغه المرء لنفسه من نمط حياة، بما فيها من التزامات وأشغال، وما يقابلها مما ترك من التزامات وأشغال أخرى، فلا يمكن أن ينشغل كل أحد بكل شيء في آنٍ معًا، وهذا الواقع هو ما يقع التقصير في صياغته اكتفاء بالقيام على رد الفعل المُساير لواقع المحيط خاصة.

بين شرع الواقع وشرع الإسلام

قد يقول قائل: إن ظروف الحياة اليوم تفرض التزامات لا مفر منها، وهنا تحديدًا تكمن المشكلة التي يناقشها هذا السياق؛ فليس في وجود واقعٍ معيش، ولا في مراعاته من حيث هو واقع، وإنما في التعامل معه بوصفه تشريعًا مقدّسًا، له سلطة الإلزام المطلقة، ويُطالَب الجميع بالخضوع له دون مساءلة أو تفكير، وهذا وَهْمٌ فارغ، وإن غُلِّف بلغة العقلانية والعملية.

فالاعتياد على البدء دائمًا من التزامات ما يُسمّى بـ«شرع الواقع»، دون عرضها على ميزان الشرع، أو التوقف للسؤال عن مشروعيتها وحدودها ومكانها من التكليف الإلهي، يُنتج أثرًا نفسيًا خطيرًا؛ إذ يُقوّي في نفس صاحبه الشعور بفرضيّتها، أي لزومها الذي لا خيار فيه، حتى تصبح نِدًّا لفرضيّة شرع الله تعالى، أو قد تعلو عليه حرمتها تحت ستار تأويلات مُخترعة من قبيل: «هكذا تفرض الحياة»، أو «هذا ما لا بد منه».

وحين يقع التعارض بين مقتضيات الشرع ومقتضيات الواقع، يكون الشرع هو ما يُزاح جانبًا؛ لأن ضغط الواقع في النفوس أشد وقعًا وأقرب إحساسًا من تعظيم أمر الله تعالى، بعد أن جرى تهميشه طويلًا في ترتيب الأولويات.

ومع ذلك، لا خلاف بين أهل العلم والعقل على أن المسلم قد تعرض له في حياته حاجات ومسائل خاصة، نابعة من ظروفه الشخصية، أو وضعه الأسري، أو حاله المعيشي، ويحتاج معها إلى معرفة حكم مخصوص، واتخاذ موقف عملي من الالتزام بها أو تركها أو تخفيفها، وهذا هو مجال الفتوى التي تُعنى بالأحكام الجزئية في السياقات الجزئية.

غير أن الكلام هنا ليس عن هذه الحالات الخاصة، وإنما عن التفريط العام في العلم العام؛ فالعلم الذي يلزم كل مسلم معرفته من شرع الله تعالى قبل أن يخوض غمار الحياة، فهذا العلم هو الذي يُهيِّئ المسلم للانطلاق على أرضية سليمة؛ يبدأ فيها بما ألزمه الله تعالى أولًا، ثم يُضيف ما يشاء من التزامات شخصية، أو مجاراة لأعراف الناس، بشرط ألا تتعارض مع شرعة رب الناس.

وكذلك لا خلاف على أن واقع كل إنسان قد يفرض عليه مشاغل ومسؤوليات متفاوتة، ولا إشكال في أن يشعر تجاهها بلزوم أو التزام، ما دام منضبطًا بثلاثة أصول:

1- أن يُفرّق بوضوح بين اللُّزوم الشرعي: ما ألزمه الله تعالى به، واللُّزوم العرفي أو الظرفي: ما ألزمه به اختياره، أو رغبته، أو مراعاته لخاطر غيره، وهذه التفرقة بالغة الأهمية نفسيًا ومنهجيًا، لأنها تُعينه عند مفترقات القرار: هل يستمر؟ هل يخفف؟ هل يترك؟ وتُجنّبه الشعور الزائف بالإثم أو التقصير فيما لم يُلزِمه الله به أصلًا(1).

2- أن يلتفت إلى حاله الشخصي، فيسأل: هل هذه الالتزامات لازمة فعلًا في حقي؟ أم هي مجرد مجاراة للناس، أو مسايرة لتيار عام؟ فإن اختار المجاراة عن وعي، تحمّل تبعات اختياره بطيب نفس، وأدّاها دون مرارة، ولا شعور بالغبن، ولا منٍّ على من حوله بتضحياته.

3- أن يرجع إلى موارد الشرع، ويُراجع نواياه، ويزن أولوياته، ويُقدِّر أقدار التزاماته بميزان العبودية، لا بميزان المقارنات الاجتماعية أو المخاوف المستقبلية المتوهَّمة.

بهذا فقط، يصبح التعامل مع الواقع تعاملًا رشيدًا، لا خضوعًا أعمى، ولا إنكارًا ساذجًا، بل وعيًا يضع كل شيء في موضعه، ويمنع الواقع من أن يتحول إلى إلهٍ صامتٍ يُشرِّع من دون الله تعالى!



_______________

(1) لمزيد تفصيل يُراجع: مقال سابق بعنوان «كيف نتخذ قرارات رشيدة؟».

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة