فقه الاستقلال في لحظات الاختبار..
كيف يصنع العلم موقفًا؟ سيرة مسروق بن الأجدع
يروي الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عن مسروق بن الأجدع(1)، الإمام القدوة وعلم
الكوفة، صورًا من العبادة والورع التي تعكس حقيقة العلم حين يمتزج بالخشية، فيُذكر
أنه كان يُطيل الصلاة حتى تتورم قدماه، وأنه حج فما نام إلا ساجدًا حتى رجع، ولم
تكن هذه العبادة مشقة بدنية مجردة، بل كانت تجسيدًا لروح العالم الرباني، وهو
القائل في أثر بليغ: «كفى بالمرء علمًا أن يخشى الله تعالى، وكفى بالمرء جهلًا أن
يعجب بعمله».
تقودنا هذه
الآثار إلى شخصية فريدة في جيل التابعين؛ جمعت بين سعة الفقه، وعمق العبادة،
ونزاهة القضاء، واستقلالية الموقف أمام تحديات السلطة والفتنة، وتأتي قراءة سيرة
مسروق هنا لا باعتبارها سردًا للأخبار ومآثر الصالحين فحسب، وإنما بوصفها محاولة
لفهم كيف تصنع المرجعيات الشرعية شخصية متماسكة قادرة على مقاومة ضغط الواقع،
وتحويل العلم من مجرد نصوص تُحفظ إلى موقف يُتخذ وإنسان يُبنى.
لماذا تتجاوز صحبة العلماء مجرد التلقين والتحصيل؟
إن الناظر في سير سلفنا الصالح يدرك يقيناً أن العلم الشرعي لم يكن يوماً مجرد صحائف تُقرأ أو متون تُحفظ، بل كان نوراً يُقتبس وأرواحاً تتلاقى، وفي أروقة هذا التاريخ المشرق، تبرز سيرة التابعي الجليل مسروق بن الأجدع؛ فلم تكن مكانته العلمية الشامخة وليدة كثرة الرواية وحدها، بل كانت ثمرة يانعة لاتصال مباشر وعميق بجيل الصحابة، فقد نهل من معين كبارهم، وفي مقدمتهم عائشة، وابن مسعود، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين، حتى غدا من أخصّ أصحاب عبدالله بن مسعود الذين عُرفوا بالتعليم والإفتاء، وحملوا على عواتقهم أمانة تبليغ السُّنة والفقه.
وهنا تتجلى
أمامنا القيمة العظمى للبيئة العلمية في بناء الإنسان، فالعلم عند مسروق وأمثاله
لم يكن مجرد معلومات متراكمة يُتفاخر بها، بل كان طريقة نظر إلى الحياة، ومنهجاً
يسير به في الناس، ولذلك وصفه الإمام الشعبي بأنه كان من أطلب الناس للعلم، لأنه
أدرك أن مفتاح المعرفة الحقة يكمن في ملازمة العلماء.
وهذا السر
العظيم؛ سر التكوين بالصحبة والتواضع للمعرفة، الذي صاغ عقول أئمة الإسلام، ولنا
في موقف الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) خير شاهد على أن طالب العلم يبحث عن
النور في قلوب الرجال قبل صدور المجالس؛ ففي قصة بديعة أوردها ابن الجوزي في كتابه
«صفة الصفوة»(2)، يروي التاريخ أن نافع بن جبير لام علي بن الحسين على
جلوسه في حلقة مولى من الموالي وهو الإمام زيد بن أسلم، وتخلفه عن مجالس سادات
القوم ومطارفهم، فما كان من علي إلا أن أجابه بكلمة تُكتب بماء الذهب، تختزل منهج
السلف في الطلب، قائلًاً: «إنه ينبغي للعلم أن يُتَّبع حيثما كان».
فرسالة علي بن
الحسين تؤكد ما عاشه مسروق؛ فالعلم ليس مجرد تلقين أصم يتلقاه المرء عن بُعد، بل
هو مصاحبة لأهله، وتواضعٌ في رحابهم، وارتحالٌ إليهم أينما وُجدوا وكيفما كانوا.
وهذا المعنى
العميق ينسجم تمام الانسجام مع قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ
طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) (التوبة: 122)؛ فالآية الكريمة
ترسم لنا صورة النفير والحركة، لتؤكد أن العلم الشرعي وظيفة إصلاحية تُعنى بصناعة
الحياة، وليست مجرد فضيلة فردية يكتنزها العقل.
وفي واقعنا
التعليمي المعاصر، تقرع هذه السير العطرة أبواب قلوبنا لتذكرنا بحقيقة غائبة؛ أن
بناء العالم أو المربي لا يبدأ من حشد المعلومات وتكديس المعارف فقط، بل ينطلق
أساساً من صحبة أهل العلم، وطول التكوين على أيديهم، حتى تتحول المعرفة من مجرد
حبر على ورق، إلى أثر حيٍ يمشي بين الناس.
العبادة عند مسروق بن الأجدع.. حين يصبح الإيمان قوة داخلية
في صفحات التاريخ
الإسلامي المضيئة، لا يقف العلم عند حدود المعرفة الذهنية الباردة، بل يتجاوزها
ليصبح حرارةً في القلب ونوراً ينطق في الجوارح.
وإذا طالعنا سير
السلف الصالح، تكشف لنا أخبار التابعي الجليل مسروق بن الأجدع عن نموذج مبهر وشديد
الحضور للعبادة؛ فقد نُقل عنه أنه كان يُطيل الصلاة حتى تتورم قدماه، وأنه حج بيت
الله الحرام فلم ينم طيلة رحلته إلا ساجدًا حتى رجع إلى دياره.
لكن المتأمل في
سير هؤلاء الكبار يدرك أن قيمة هذه العبادة لم تكن يوماً في المشقة البدنية
المجردة، بل في المعنى العميق الذي يحركها ويُذكي نارها.
فقد كان مسروق يعيش بعقلية الآخرة، متجرداً من
حظوظ النفس، ولذلك أطلق كلمته الخالدة التي تقرر هذا الميزان الدقيق: «كفى بالمرء
علمًا أن يخشى الله تعالى، وكفى بالمرء جهلًا أن يُعجب بعمله»(3).
وهذه العبارة
الموجزة تختصر منهجًا ربانياً متكاملاً؛ فالعلم الحقيقي ليس ذاك الذي ينفخ صاحبه
بالكبر ويزيده إعجابًا بغزارة محفوظه، بل هو العلم الذي يكسوه جلالاً، ويزيده لله
خشيةً وانكساراً، مصداقاً لقوله جل وعلا: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28).
وهذا المعنى
السامي -ارتباط العلم اليقيني بالعبادة الخالصة- سِمةٌ أصيلة توارثها مصابيح الأمة،
وكما تجلى هذا النور في مسروق، فقد تجسد بأبهى صوره في الإمام علي بن عبدالله بن
عباس رضي الله عنهما؛ ذلك العَلم الذي انعكس إيمانه الداخلي وخشوعه القلبي على شدة
انقطاعه لله تعالى.
فقد حفظ لنا
التاريخ وصفاً جامعاً لمآثره، حيث وُصف بأنه «كان في غاية العبادة والزهادة،
والعلم والعمل، وحسن الشكل، والعدالة والثقة، وكان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة»(4).
إن التقاء هذه
النماذج الفذة، من مسروق إلى علي بن عبدالله بن عباس، يؤكد لنا حقيقة كبرى؛ وهي أن
العبادة عند العلماء الربانيين لم تكن قط انسحاباً من الواقع أو انفصالًا عن
الحياة، وإنما هي المحطة الروحية والقوة الدافعة التي تضبط بوصلة السلوك، وتهذب
النفوس لتؤدي رسالتها بأمانة في ساحات العلم، ومجالس القضاء، وشتى العلاقات
الاجتماعية.
كيف تبدأ خطورة الفساد الإداري من التجاوزات الصغرى؟
تتجلى عظمة
المنهج الإسلامي في إرساء دعائم النزاهة وحفظ حقوق الناس وممتلكاتهم، مبتدئةً من
قمة هرم القيادة لتسري في أوصال المجتمع كله.
ولقد تجسد هذا
المعنى بأبهى صوره في موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين غلا السعر في المدينة،
وطلب منه الناس التدخل المباشر لحل الأزمة قائلين: يا رسول الله، سعِّر لنا، فما
كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن امتنع عن اتخاذ قرار قد يظلم أحداً من التجار
أو يسلب حقاً من حقوق العباد في أموالهم، مجيباً إياهم بالكلمة الفصل: «إن الله هو
المسعِّر، والقابض الباسط»(5).
إن هذا الموقف
النبوي الخالد يمثل أعلى معايير النزاهة، ويؤسس لقاعدة عظيمة مفادها أن القيادة
الصالحة هي التي تحرس حقوق الناس ولا تتجاوزها.
وعلى مائدة هذه
المشكاة النبوية، تربى سلفنا الصالح، فتشربوا معاني النزاهة والأمانة حتى في أدق
تفاصيل حياتهم، ومن أكثر المواقف دلالة على هذا الأثر التربوي العميق، ما نجده في
سيرة التابعي الجليل مسروق بن الأجدع؛ وذلك حين عاد من عمله وتوليه شؤون «السلسلة»
بعد مدة طويلة، فلما حط رحاله، وجد أهله فأساً في متاعه لا تعود إليه، ولما سألوه
عنها، أدرك بورع المسؤول أنها مستعارة وأنه نسي ردها لأصحابها.
قد تبدو القصة
في ظاهرها حادثة عابرة أو تفصيلاً صغيراً، لكنها في ميزان القيم تكشف عن معيار
شاهق للنزاهة؛ فالرجل الذي تولى مسؤولية عامة لم يستصغر شيئاً بسيطاً كفأس، ولم
يعتبره أمراً تافهاً يتجاوز عن المحاسبة عليه.
لقد أدرك أن
ملكية الناس وحقوقهم أمانة عظيمة في عنقه، مهما قلّ حجمها أو رخص ثمنها.
وهذا الوعي
العميق بمسؤولية الأمانة، سواء في القيادة العليا أو الوظيفة العامة، هو استجابة
حية لنداء القرآن الكريم، الذي يعلنها قاعدة ربانية صارمة: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن
تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا) (النساء: 58).
وفي زمننا
المعاصر، الذي تتكاثر فيه الأسئلة الملحة حول أخلاق الإدارة، ومبادئ الوظيفة
العامة، تقف هذه السلسلة الذهبية -من عدل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ورع مسروق-
لتقدم لنا معياراً إدارياً وأخلاقياً لا يقبل المساومة؛ أن فساد المسؤول لا يبدأ
دائماً باختلاسٍ ضخم أو سرقةٍ كبيرة، بل تتسلل جرثومته الأولى من ثغرة الاستهانة
الصغيرة بالأمانة.
فمن عظمت عليه
حقوق الناس في القليل، كان على الكثير أشد أمناً وحفظاً.
التحرر من سلطان المال شرطٌ لاستقلالية العالم
كان مسروق
مثالًا في التحرر من سلطان المال؛ فقد روي أن خالد بن عبدالله بن أسيد أهدى إليه
ثلاثين ألفًا فلم يقبلها، مع حاجته إليها، ولم يكن رفضه للمال موقفًا من المال
نفسه، فالمال في الإسلام وسيلة للخير، وإنما كان موقفًا من تعلق العالم بالعطاء
الذي قد يؤثر في استقلاله.
ولهذا كان
العلماء الأوائل يدركون أن استقلال العالم جزء من رسالته؛ فالعالم الذي يبيع موقفه
يفقد أعظم ما يملكه: الثقة.
وفي واقع الدعوة
والإعلام والتعليم اليوم، تبقى هذه القاعدة حاضرة؛ فالقيمة الحقيقية للعلم ليست
فقط فيما يقوله صاحبه، بل في قدرته على قول الحق دون أن تتحكم فيه المصالح.
مسروق بن الأجدع وموقفه من أحداث الفتنة
كان موقف مسروق
من أحداث الفتن الكبرى من أكثر الجوانب التي تحتاج إلى قراءة متأنية، فقد نقلت عنه
أخبار مختلفة في علاقته بأحداث عليّ رضي الله عنه، والثابت أن شخصيته اتسمت بالحرص
على الدماء والابتعاد عن القتال الداخلي.
وقد عبّر عن هذا
المعنى باستدلاله بقوله تعالى: (وَلَا
تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء: 29).
وهنا تظهر شجاعة
من نوع آخر؛ فالشجاعة ليست دائمًا في التقدم بالسيف، بل قد تكون في ضبط النفس
عندما تضغط الجماعات وتشتد الاستقطابات.
وهذا درس مهم في
زمن الاستقطاب الإعلامي والفكري؛ فليس كل اندفاع دليل قوة، وليس كل توقف دليل ضعف،
وإنما الميزان هو العلم والعدل وحفظ المقاصد الكبرى.
من فقه القضاء إلى فقه الحياة
بلغ مسروق منزلة
كبيرة في الفتوى، حتى نقل عن الشعبي أنه كان أعلم بالفتوى من شريح، بينما كان شريح
أعلم بالقضاء، وكان شريح يستشير مسروقًا، وكان يرى أن القضاء بالحق أعظم من كثير
من أعمال التطوع، فقد قال: «لأن أفتي يومًا بعدل وحق أحب إليَّ من أن أغزو سنة».
وهذا يكشف فهمًا
عميقًا لمقاصد الشريعة؛ فإقامة العدل ليست عملًا إداريًا جافًا، بل عبادة تحفظ
حقوق الناس وتصون المجتمع.
وفي واقع
المؤسسات اليوم، يحتاج أصحاب القرار إلى هذا الفقه؛ فإتقان المسؤولية التي وُكلت
إلى الإنسان قد يكون من أعظم أبواب القرب إذا اقترنت بالعدل والإخلاص.
مسروق بن الأجدع.. نموذج الإنسان المتوازن
تجمع شخصية
مسروق عناصر قلّ اجتماعها؛ فهو عالم ومجاهد، عابد وقاضٍ، زاهد وصاحب أثر اجتماعي، لم
يكن زهدُه هروبًا من الواقع، ولم يكن علمُه انفصالًا عن المجتمع، بل جمع بين تهذيب
النفس وخدمة الناس.
وهذا هو سر خلود سيرته؛ فالشخصيات العظيمة لا تبقى لأنها عاشت في زمانها فقط، بل لأنها تحمل معاني تتجاوز الزمان: طلب العلم، مراقبة الله، صيانة الأمانة، والاستقلال أمام الضغوط.
الهوامش
- 1 مسروق بن الأجدع، هو أبو عائشة الوادعي، الهمداني، الكوفي، إمام وقدوة من كبار التابعين، أدرك كبار الصحابة وروى عنهم، وعُرف بغزارة العلم وشدة الورع والنزاهة (سير أعلام النبلاء).
- 2 صفة الصفوة ج2، ص98.
- 3 أخرجه الدارمي في سننه، المقدمة، باب «العلم الخشية لله تعالى» (296).
- 4 ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق: د. عبدالله بن عبدالمحسن التركي، ج9، ص87.
- 5 شذرات الذهب، ج1، ص127.
اترك تعليقاً
التعليقات (1)
الدكتور سعد الأزهري
منذ شهرينبسم الله ما شاء الله المفكر الكبير والكاتب العظيم والأديب الأريب الأستاذ المحترم / احمد سعد عبد المعطي دمت موفقاً ومسددًا ومعان بارك الله فيك ونفع بك وتقبل