نَحْوُ النَّصِيرِ وَبَلاغَةُ التَّبْشِيرِ (3)
كيف يُصاغ النصر في لغة الوحي؟
إذا كان مقالنا
السابق قد دار حول «نحو النصير» كقاعدة كلية للأمان، فإننا اليوم ندخل محراب
"الإعزاز" لنبين كيف يصاغ النصر في لغة الوحي من خلال آيات الحروب.
إن الإعزاز في
النحو هو "قوة الامتناع"، وهو المعنى الذي يمنع الجملة من اللحن، ويمنع
الأمة من الهوان، وفي ظل المحن التي تعصف ببلاد المسلمين، نحتاج إلى "بلاغة
الاحتراز" التي تحمي العقيدة من اليأس، وتحمي الأرض من الدنس.
إن القرآن
الكريم حين يتحدث عن الحرب، لا يتحدث بلغة الدمار المحض، بل بلغة "التربية
بالواقعة"، حيث يتحول الميدان إلى مدرسة نحوية كبرى، يعاد فيها ضبط
"المبتدأ" ليكون هو السيادة، و"الخبر" ليكون هو التمكين، إننا
نمتاح اليوم من معين الآيات التي نزلت في صليل السيوف، لنستخرج منها سكينة القلوب
وبشرى الفتح الذي لا يخلف ميعاده.
بلاغة "الثبات" وإعراب الصمود في وجه الأعاصير
تبدأ معالم الإعزاز في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا) (الأنفال: 45)، هنا يقف النحوي أمام
فعل الأمر "فاثبتوا"؛ وهو أمر لا يتعلق بالجوارح فحسب، بل هو "نحو
القلوب"، إن الثبات في لغة العرب يعني الرسوخ، وفي الإعراب يعني لزوم الحالة
الواحدة رغم تغير العوامل، إن بلاغة الاحتراز هنا تقتضي من المؤمن ألا تتغير
"علامة بنائه" بتغير ضغوط العدو، فالمسلم المكلوم في دياره، المحاصر
بآلات الحرب، مطالب بنحو من نوع خاص، هو "نحو اليقين" الذي يجعل من
الفعل "ثبت" لازما لا يتعدى بغير النصر، إن هذا الثبات هو الذي يحول
الفئة القليلة إلى قوة كبرى، لأنها استندت إلى "ركن" شديد هو الله تعالى.
إننا في نكباتنا المعاصرة، نحتاج إلى استحضار هذا الأمر
الرباني؛ فالحرب ليست مجرد تبادل للضربات، بل هي "صراع إعرابي" بين
إرادة تريد خفضنا، وإرادة إلهية تريد رفعنا، إن قوله "فاثبتوا" هو
الصمام الذي يمنع تسرب الوهن إلى الصفوف، وهو الذي يحقق "بناء" الأمة
على أسس متينة لا تزعزعها قذائف المدافع ولا مكر السياسة، وكما قال الشاعر العربي
القديم:
فصبر في مجال
الموت صبر فما نيل الخلود بمستطاع
وهذا الصبر هو
عين "بلاغة الاحتراز" التي تقي النفس من السقوط في فخ الهزيمة النفسية
قبل الهزيمة الميدانية.
نحو "وأعدوا" وبلاغة الاستعداد للإعزاز
ينتقل بنا البيان الإلهي إلى مرحلة الفعل الإيجابي في
قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا
لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال:60)، هنا نجد "نحو
الإعداد" الذي يسبق "نحو الإمداد"، الفعل "أعدوا" فعل
أمر يقتضي الوجوب، وهو متبوع بـ "ما" المصدرية التي تفيد الشمول
والاستغراق في قوله "ما استطعتم"، إن بلاغة الاحتراز هنا تكمن في قوله
"من قوة"؛ فجاءت نكرة لتشمل كل أنواع القوة: المادية، والمعنوية،
والتقنية، والبيانية، إن المسلم المكلوم اليوم مطالب بأن "يعرب" حياته
وفق هذا الإعداد، فلا ينتظر المعجزات وهو غافل عن الأسباب.
إن الإعزاز لا يأتي بالدعوات المجردة من العمل، بل بـ
"نحو الحركة" الذي يحول الفكرة إلى واقع، إن قوة اللغة هنا تعزز قوة
السلاح؛ فالمجتمع الذي يحسن إعداد "قوته" هو المجتمع الذي يحقق
"بلاغة الردع"، إن قوله "ترهبون به عدو الله وعدوكم" هو
النتيجة المترتبة على هذا الإعداد النحوي المحكم، فالحرب في الإسلام غايتها
"تأمين" السبل وحماية المستضعفين، لا التسلط والعدوان، وهذا هو الفرق
بين "نحو الإعزاز" الإسلامي، وبين "نحو الاستكبار" الذي
تمارسه القوى العالمية اليوم، حيث تعد القوة للظلم والنهب، بينما نعدها نحن للحق
والسكينة.
بلاغة "ولا تهنوا" ونحو الرفع النفسي للمتضررين
في لحظات الانكسار المادي، يتنزل البلسم الإلهي بقوله تعالى:
(وَلَا تَهِنُوا وَلَا
تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 139)،
هنا نجد "لا" الناهية التي تدخل على المضارع "تهنوا" لتمنع
سقوط النفس في فخ الضعف، إن البلاغة القرآنية ترفض "كسر" الجملة
المؤمنة، وتصر على "رفعها" في قوله "وأنتم الأعلون"، إن هذه
الجملة الاسمية هي "مبتدأ وخبر" العزة؛ فالمؤمن هو المبتدأ، والعلو هو
الخبر الدائم له، إن الاحتراز هنا هو احتراز من اليأس الذي قد يتسلل إلى قلب
المشرّد أو اليتيم الذي فقد سنده.
إن نحو الإعزاز في هذه الآية يعلمنا أن القوة ليست في
العدد والعدة فحسب، بل في "مقام العلو" الإيماني، فالمسلم، وإن فقد أرضه
مؤقتا، لا يفقد كرامته ولا مكانته عند الله تعالى.
إن قوله
"إن كنتم مؤمنين" هو الشرط النحوي الذي يعلق عليه هذا العلو؛ فبقدر
الإيمان يكون الارتفاع.
إننا اليوم
نخاطب المهجرين في خيامهم، والمحاصرين في أحيائهم، قائلين لهم: إنكم في ميزان
النحو الإلهي أنتم "الفواعل" المرفوعة، والعدو هو "المفعول
به" الذي سحقه بغيه، إن هذه البشرى هي التي تحفظ توازن الأمة في أحلك الظروف،
وتبشرها بأن العاقبة للمتقين.
نحو "أُذن للذين يقاتلون" وبلاغة الإذن بالانتصار
تتجلى روعة العدل الإلهي في قوله تعالى: (أُذِنَ
لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) (الحج: 39)، هنا يلتقي النحو
بالتشريع في أسمى صوره؛ فالفعل "أُذن" مبني لما لم يسم فاعله، تعظيماً
للآذن وهو الله، وتفخيماً لهذا القرار التاريخي، إن بلاغة الاحتراز تظهر في بيان
"العلة" النحوية: "بأنهم ظلموا"، فالمسلم لا يقاتل لأنه يهوى
القتال، بل لأنه "ظلم"، إن هذا النحو الأخلاقي هو الذي يميز جهاد الأمة
عن إرهاب الدول الكبرى التي تقتل بلا مسوغ وتدمر بلا وازع.
إن قوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج: 39) هو
الختام الذي يمنح الطمأنينة الكاملة، إن الجملة مؤكدة بـ "إن" وباللام
في "لقدير"، وهذا التأكيد النحوي يهدف إلى إزالة كل شك من قلب المظلوم، إن
الإعزاز قادم لا محالة، لأن الذي أذن بالقتال هو القادر على تحقيق النصر، إننا
نمسح بهذا البيان على جراح المكلومين في كل مكان، مؤكدين أن ظلم الأعداء هو
المقتضي الشرعي والقدري لتدخل "نحو النصير" ليقلب الطاولة على الظالمين
ويمنح الأمن للمستضعفين.
بلاغة "كم من فئة قليلة" ونحو كسر المقاييس المادية
في حروبنا المعاصرة، يصدمنا الفرق الشاسع في الإمكانيات،
وهنا يأتي قوله تعالى: (كَمْ
مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة: 249)،
"كم" هنا خبرية تفيد الكثرة، وهي تكسر "نحو الأرقام" لتبني
"نحو الأقدار"، إن بلاغة الاحتراز هنا تحمينا من الهيبة أمام حشود
الأعداء وترساناتهم، فالفعل "غَلبت" مسند إلى الفئة القليلة، مما يوحي
بأن الغلبة ليست بالكم بل بالكيف وبالارتباط بـ "بإذن الله"، إن هذه
الجملة هي قانون التمكين لكل مستضعف يواجه جبارا.
إننا حين ننظر إلى واقعنا، نجد أن الأعداء يملكون
"أدوات" القتل، ولكن المؤمنين يملكون "أسباب" البقاء.
إن نحو الإعزاز
يعلمنا أن "القليل" المتصل بالله هو "كثير" لا يغلب، وأن
"الكثير" المنقطع عن الله هو "هباء" لا يثبت، وكما قال
الحكماء: "الحق صلب لا ينكسر، والباطل هش لا يستقر"، إن هذه البشرى هي
وقود الصمود للمرابطين في الثغور، وهي السكينة التي تنزل على البيوت التي تقاوم
التجويع والترهيب، موقنة بأن "بإذن الله" هي العامل الأقوى في معادلة
النصر.
نحو "إن تنصروا الله ينصركم" وبلاغة الشرط والجزاء
يقدم لنا القرآن الكريم ميثاق النصر في قوله تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ
يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: 7)، هنا نجد "أداة
الشرط" (إن)، وفعل الشرط (تنصروا)، وجواب الشرط (ينصركم)، إن هذا الربط
النحوي المحكم يبين أن الإعزاز ليس هبة مجانية، بل هو "جزاء" على موقف، إن
بلاغة الاحتراز هنا تكمن في قوله "تنصروا الله"، وهي كناية عن نصرة دينه
ومنهجه في أنفسنا قبل ميداننا، فإذا تحقق الشرط، وجب الجواب شرعا وقدرا.
إن "تثبيت الأقدام" هو النتيجة النهائية لهذا
العهد النحوي.
إننا نخاطب
الأمة اليوم: إن أردتم الأمن من روعكم، والسكينة في دياركم، فعليكم بتحقيق
"فعل الشرط"، إن النحو يعلمنا أن الجواب لا يتخلف عن شرطه أبدا؛ فمتى
نصرنا الله بصدقنا وإخلاصنا وإعدادنا، نصرنا الله بمدده الذي لا يغلب، إن هذا
الميثاق هو الذي يمنحنا "نحو الأمل" في ظل اليأس، وهو الذي يجعل المكلوم
ينهض من وسط الرماد ليبدأ من جديد، موقنا أن الله ناصره ومثبته.
بلاغة "فإن مع العسر يسرا" ونحو الالتئام بعد الانكسار
تأتي السكينة المطلقة في قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً {5} إِنَّ
مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح)، في هذا التكرار النحوي يكمن سر الإعزاز، فالعسر جاء
معرفا بـ "أل" التي تفيد العهد، واليسر جاء نكرة ليفيد الشمول والتعظيم،
والقاعدة النحوية تقول: "لن يغلب عسر يسرين"، إن بلاغة الاحتراز هنا
تحمي القلب من القنوط أثناء النوازل، فالعسر، مهما اشتد في بلاد المسلمين، هو
"ظرف" مؤقت يحيط به يسران: يسر الصبر الآن، ويسر النصر غدا.
إن هذا النحو الرحيم هو الذي يداوي جراح المصابين ويسلي
قلوب الفاقدين.
إننا نقول لكل
من مر بتجربة الحرب وويلاتها: إن اليسر مقترن بالعسر بـ"مع"، وهي ظرفية
تفيد المصاحبة، لا التعاقب الزمني البعيد، ففي قلب المحنة توجد المنحة، وفي وسط
النار يوجد النور، إن بلاغة التبشير هنا هي التي تمنحنا القدرة على الابتسام وسط
الدموع، لأننا نعلم بـ "نحو اليقين" أن الله تعالى لا يترك عباده للعسر
وحده، بل يغمرهم باليسر الذي يفتح الأبواب الموصدة ويؤمن القلوب المرتجفة.
نحو "حسبنا الله" وبلاغة التفويض للإعزاز
في مواجهة تهديدات الأعداء وتكالبهم، سجل القرآن الكريم
موقفا نحويا خالدا في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ
الْوَكِيلُ) (آل عمران: 173)، هنا نجد "حسبنا الله"؛ وهي جملة
اسمية تفيد الثبات والاستقرار، "الحسب" هو الكافي، والله هو الفاعل في
الكفاية، إن بلاغة الاحتراز هنا هي الاستغناء بالواحد عن الجميع، فبينما يرهبنا
الأعداء بجموعهم، نرهبهم نحن بـ "نحونا" الذي يختزل كل القوى في قوة
الله.
إن النتيجة
النحوية والقدرية لهذا التفويض كانت: "فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم
سوء"، إن هذا "الانقلاب" في الحال من الخوف إلى الأمن هو غاية ما
ننشده اليوم، إن قول "حسبنا الله" ليس كلمة تقال باللسان، بل هو
"نحو سكون" في القلب يزلزل عروش الظالمين، إن المكلوم الذي يرفع يديه
للسماء قائلا "حسبنا الله"، إنما يطلق صاروخا بيانيا يخترق الحجب
ويستجلب الإعزاز والسكينة، إننا نربي الأمة على هذا التفويض الذي يحقق "بلاغة
الاحتراز" من الانهيار أمام جبروت القوة المادية، موقنين بأن الوكيل سبحانه
كفيل بحماية عباده ونصرة أوليائه.
ميثاق الإعزاز وعهد السكينة
في نهاية هذا المقال الثاني، نؤكد أن "نحو
الإعزاز" هو المنهج الذي يحول آيات الحروب إلى رسائل حب وطمأنينة للمؤمنين،
ورسائل رعب ووعيد للظالمين، لقد رأينا كيف أن الحرف القرآني يحمي
"مبتدأ" العزة، ويؤكد "خبر" النصر، ويضع "شروط"
التمكين بكل دقة وجلال، إن بلاغة الاحتراز هي التي تجعلنا نعيش في قلب العاصفة
بقلوب هادئة، لأننا ندرك "إعراب" الأحداث وعلاقتها بالمسبب الأول تعالى.
إننا نعدكم، أيها القراء الأعزاء، أن نظل متمسكين بهذا
البيان الذي يجمع بين أصالة النحو وجمال البلاغة، لنبقى دائما صوتا للمستضعفين
وبشرى للمرابطين، إن المعركة مستمرة، ولكن "نحو النصير" ثابت،
و"بلاغة التبشير" واضحة، والفتح قريب بإذن الله، سنلتقي في المقال
الثالث لنتحدث عن "نحو الائتمان وبلاغة الاطمئنان"، لنكمل عقد هذه
السلسلة التي تهدف إلى بناء الإنسان بالكلمة، وتحرير الأرض بالحقيقة، فإلى ذلك
الحين، لتكن لغتكم عزة، وقلوبكم سكينة، وأفعالكم نصرا، والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته، وصلى الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم! وعلى آله وصحبه أجمعين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً