لعنة عرش اليمن.. تراجيديا الفناء والمنفى!
تبدو جغرافيا
اليمن السياسية كمسرح إغريقي تراجيدي، لا تكتفي بصناعة الأحداث العاصفة، بل تلتهم
صانعيها بشراهة مطلقة لا تعرف الرحمة، في هذا الركن الجنوبي للجزيرة العربية لا
تمثل السلطة وظيفة إدارية أو تفويض دستوري مؤقت، بل هي التزام وجودي مطلق؛ يبدأ
بالغلبة والقهر وينتهي بالتصفية أو النفي!
من يقرأ ويطالع
ويتأمل تاريخ اليمن الحديث، يجد أن من تولى الحكم فيه كان خروجه منه إما مقتولاً
أو منفياً أو مخلوعاً، فإذا تأملنا مصائر رؤساء اليمن منذ مطلع القرن الماضي وحتى
اليوم، سنجد سلسلة تكاد تبدو وكأنها لعنة تاريخية.
الرئيس المشير
عبدالله السلال مات مخلوعاً بعد أن كان قائد الثورة والجمهورية، والرئيس القاضي
عبدالرحمن الإرياني مات منفياً خارج البلاد بعد أن قاد أول تجربة حكم مدني نسبي،
والرئيس إبراهيم الحمدي قتل غيلة في ذروة مشروعه السياسي الغامض والمثير للجدل،
والرئيس أحمد الغشمي قتل بعد أشهر قليلة من وصوله إلى السلطة، والرئيس سالم ربيع
علي المعروف بـ«سالمين» قتل بعد محاكمة خاطفة، والرئيس علي ناصر محمد خارج البلاد
ولم يعد بعد.
وكذلك الرئيس
عبدالفتاح إسماعيل اختفى وسط نيران يناير 1986م، والرئيس قحطان الشعبي مات تحت
الإقامة الجبرية بعد عزله، الرئيس علي عبدالله صالح قتل على أيدي حلفائه، والرئيس
علي سالم البيض أحد صانعي الوحدة اليمنية مات بعيداً خارج البلاد، ثم انتهى الأمر
بأن مات الرئيس عبدربه منصور هادي بعيداً عن البلاد التي حكمها، ومن قبل في العهد
الإمامي قتل الإمام يحيى بن حميد الدين، وأعدم الإمام الدستوري عبدالله الوزير،
وقضى الإمام أحمد حميد الدين متأثراً بمحاولة اغتيال، ونفي آخر الأئمة محمد البدر
ومات خارج البلاد، وكأن اليمن لا يسمح لأحد بأن يغادر السلطة بصورة طبيعية.
فكيف تحولت
السلطة طريقاً إلى المنفى أو القبر؟! ولماذا أنتج اليمن هذا النمط المتكرر من
النهاية لحكّامه؟!
تختلف الدول
الحديثة في أنظمتها السياسية، وفي طبيعة انتقال السلطة داخلها، لكن قلّما نجد
بلداً تكاد تكون فيه نهاية الحكام جزءًا ثابتاً من بنية النظام نفسه كما هي الحال
في اليمن، كما أنه من الصعب العثور على تجربة سياسية عربية أخرى مات فيها هذا
العدد من الرؤساء مقتولين أو مخلوعين ومنفيين، وكأن السلطة في اليمن ليست منصباً
سياسياً، وإنما امتحان وجودي لا ينجو منه أحد.
إن هذه النهايات
ليست حوادث منفصلة ولا مصادفة تاريخية، وإنما أعراض متكررة لمرض سياسي عميق، إنها
ظاهرة تستحق أن تُقرأ باعتبارها مفتاحاً لفهم المأزق اليمني كله.
دولة لم تكتمل
لفهم المأساة،
ينبغي العودة الى البداية، إلى مرحلة تشكل الدولة الحديثة في اليمن، لم تتشكل
الدولة اليمينة بالطريقة التي تشكلت بها في أوروبا أو حتى في بعض الدول العربية
المركزية، فأغلب التاريخ اليمني الطويل كانت السلطة موزعة بين القبائل والمشيخات
والمذاهب والمراكز المحلية، لم تكن هناك دولة مركزية مستقرة بالمعنى الحديث، بل
كانت سلطات متعاقبة تتفاوض باستمرار مع المجتمع أكثر مما تحكمه.
لهذا، عندما
جاءت الدولة الحديثة بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر لم ترث مؤسسات، وإنما ورثت فراغاً
هائلاً، ورثت مجتمعاً أقدم من الدولة نفسها وأقوى منها أيضاً.
منذ تلك اللحظة
بدأت المعضلة الكبرى، الدولة تحاول فرض مركزيتها، والمجتمع يقاوم الذوبان الكامل
داخلها.
كما أن الدولة
الحديثة والمستقرة تحمي المؤسسات من أخطاء القادة من خلال الإطار الذي يحكم الأشخاص،
بينما في اليمن ظل القادة يحاولون حماية الدولة عبر نفوذهم الشخصي وليس من خلال
منظومة القواعد والمؤسسات التي تجعل الجميع خاضعين للقانون.
الدولة الحديثة
تقوم على احتكار العنف، وعلى مؤسسات تتجاوز الأفراد، أما في اليمن فقد ولدت الدولة
من رحم ثورات وانقلابات وحروب أهلية وتسويات قبلية وتدخلات إقليمية متعاقبة، لذلك
لم تنشأ كمؤسسة مستقلة، بل كتوازن هشّ بين مراكز قوى متعددة، الرئيس فيه مجرد مدير
لهذا التوازن، وحين يختل هذا التوازن يسقط الرئيس؛ لذا لم يكن اغتيال الرؤساء
حوادث جنائية، وإنما تعبير عن حقيقة أعمق؛ أن السلطة نفسها لم تكن مستقرة بما يكفي
لتسمح باستقرار صاحبها.
جغرافيا تهزم المركز
الكثير من الدول
جغرافيتها تصنع الدولة، لكن اليمن من الدول التي كثيراً ما صنعت الجغرافيا فيها
مراكز قوى تنافس الدولة؛ الجبال الشاهقة، والعزلات التاريخية، والتكوينات القبلية
المتعددة، والانقسامات المذهبية والمناطقية، كلها أسهمت في نشوء مراكز نفوذ محلية
قوية سبقت الدولة الحديثة نفسها بقرون؛ لذا ظل مفهوم المركز هشّاً.
صنعاء كانت
عاصمة، لكنها لم تكن دائمًا صاحبة السيادة الكاملة، وعدن كانت عاصمة، لكنها لم
تستطع احتواء الجنوب كله، أما الجمهورية والوحدة والدستور، ظلت مفاهيم سياسية
تتقدم على واقع اجتماعي لم يكتمل اندماجه بعد، وحين تكون الدولة أضعف من شبكات
النفوذ المحيطة بها؛ يصبح الرئيس أول ضحايا هذا الخلل.
لعنة الزعيم المنقذ
في علم السياسة،
تميل المجتمعات الهشة إلى البحث عن الرجل المنقذ، الشخصية التي تختصر الدولة في
شخصها، وقد عرف اليمن هذا النموذج مراراً؛ السلال كقائد الثورة، الحمدي كصاحب
مشروع الدولة الحديثة، صالح كرجل قادر على إدارة التناقضات، لكن المشكلة أن الزعيم
المنقذ ينجح في تأجيل الأزمة لا في حلها.
كلما ضعفت
المؤسسات؛ ارتفع الطلب على الفرد القوي، وكلما ارتفع نفوذ الفرد؛ ضعفت المؤسسات
أكثر، هكذا تدخل الدولة في حلقة مفرغة؛ تنتظر رجلاً ينقذها، ثم تكتشف بعد سنوات
أنها أصبحت رهينته أو رهينة صراع عليه.
السلطة من السياسة إلى البقاء
السياسة في كثير
من الدول تكون صراعاً حول البرامج، أما في اليمن فغالباً ما تحولت السياسة إلى
صراع حول البقاء؛ البقاء الجسدي، والقبلي، والمناطقي، والطائفي، والاقتصادي؛ ولهذا
أصبحت السلطة مرتبطة بالخوف أكثر من ارتباطها بالإدارة، فسؤال السياسي دائماً ليس
كيف أحكم؟ بل يسأل أولاً: كيف أنجو؟
وعندما تصبح
النجاة أولوية أعلى من البناء، تتحول الدولة إلى مشروع مؤجل باستمرار.
المنفى قدر النخب اليمنية الثابت
من اللافت أن
المنفى يكاد يكون المؤسسة الأكثر استقراراً في التاريخ السياسي اليمني؛ رؤساء، ومعارضون،
وقادة عسكريون، ومفكرون، وزعماء أحزاب، الجميع تقريباً مرّوا بطريقة ما عبر تجربة
المنفى، كأن اليمن منذ عقود طويلة، لم ينجح في إنتاج مساحة سياسية تسمح للخاسر
بالبقاء داخل الوطن، ففي الديمقراطيات المستقرة يخسر السياسي الانتخابات ثم يعود
إلى منزله، أما في اليمن فالهزيمة السياسية كثيراً ما كانت تعني الخروج من
الجغرافيا نفسها، وهذا مؤشر خطير على هشاشة النظام السياسي؛ لأن النظام الناضج ليس
الذي يحمي المنتصر فقط، بل الذي يحمي المهزوم أيضاً.
الخوف العميق من الدولة
وربما تكمن
المعضلة الأعمق في البنية النفسية السياسية المتراكمة عبر قرون، فالمجتمع الذي عاش
طويلاً تحت أنظمة إمامية وسلطناتية واستعمارية وعسكرية وثورية وحربية متعاقبة،
طوّر علاقة ملتبسة مع السلطة، فهو يريد الدولة لكنه يخافها، يطالب بالنظام ويشك
فيه، يحلم بالمركز ويتمرد عليه، يبحث عن القائد ثم يتوجس منه.
هذا التناقض
النفسي ليس خاصاً باليمن وحده، لكنه في اليمن بلغ درجة استثنائية بسبب كثافة
الصراعات وتكرار الانقطاعات التاريخية، فلم يتشكل وعي سياسي مستقر بما يكفي لإنتاج
عقد اجتماعي دائم، ولهذا بقيت السلطة محكومة بمنطق الريبة المتبادلة بين الحاكم
والمحكوم.
لماذا تبدو نهايات الرؤساء اليمنيين مأساوية؟
لأن نهاياتهم
تعكس مأساة أكبر منهم جميعاً، إنها مأساة الدولة اليمنية نفسها، فالرئيس في اليمن
لا يسقط وحده، فوراء كل رئيس سقط، كانت هناك مؤسسة فشلت، أو نخبة انقسمت، أو جماعة
تغلبت على الدولة، أو دولة خارجية تدخلت، أو مجتمع لم يحسم بعد شكل العقد الذي
يريد أن يعيش داخله، لهذا تبدو المقابر والمنافي والاغتيالات في التاريخ اليمني
الحديث أقل ارتباطاً بالأفراد وأكثر ارتباطاً بالبنية العامة للنظام السياسي.
ليس صحيحاً أن
اليمن يكره قادته، بل ربما المأساة أنه أحبّ فكرة الزعيم أكثر مما أحبّ فكرة
الدولة، ولهذا كان يرفع الرجال إلى مرتبة الأسطورة، ثم يتركهم يسقطون وحدهم عندما
تتغير موازين القوة.
ومن هنا، فإن
السؤال: ليس لماذا انتهت حياة هذا الرئيس أو ذاك بهذه الصورة المأساوية، وإنما السؤال
الأعمق: متى ستولد في اليمن دولة تكون أقوى من الأشخاص، دولة لا يصبح فيها مصير
الوطن معلقاً بمزاج قائد، ولا مصير القائد معلقاً برصاصة، أو منفى، أو غرفة معزولة
في آخر العالم؟! عندها فقط سيتوقف التاريخ اليمني عن كتابة السيرة نفسها بأسماء
مختلفة، وسيتحول الرئيس من ضحية محتملة للتاريخ إلى موظف عابر في خدمة دولة باقية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً