لغات الحب الخمس في ضوء الهدي النبوي

مقال للكاتبة فداء الجوهري مجلة المجتمع عنوانه لغات الحب الخمس

في عالم تتعقد فيه تفاصيل الحياة اليومية، وتتصاعد ضغوطها، تبقى العلاقات الإنسانية، وفي مقدمتها العلاقة الزوجية، بحاجةٍ دائمة إلى لغات الحب الخمس التي تجدد دفئها وتعيد إليها معاني المودة والسكن التي قام عليها الميثاق الغليظ، وحين نبحث عن معاني الحب، لن نجد أصدق من هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم بما فيه من صور إنسانية راقية للحب وحسن العشرة، تجلت قولاً وسلوكًا.

وبينما تبحث العلاقات الزوجية اليوم عن أطر تساعد على فهم احتياجات الشريك وطرائق التعبير عن المشاعر، يمكن أن نصل بين الهدي النبوي والأدبيات النفسية الحديثة، لنرى كيف يتحول الحب من شعور داخلي إلى كلمات وأفعال ومواقف.

تجليات لغات الحب الخمس في الهدي النبوي

في عام 1992م، صدر كتاب «لغات الحب الخمس» للدكتور غاري تشابمان، ليقدم إطارًا مبسطًا لفهم طرائق التعبير عن الحب، يرى أن للحب لغة يجب ألا تُفهم فقط، وإنما يجب أن تمارس بطريقة يفهمها الطرف الآخر، إذ إن اختلاف طرائق التعبير عن الحب قد يؤدي إلى سوء فهم المشاعر وجفاف العلاقة إذا لم ينتبه الطرفان إلى احتياجات بعضهما، فأنت حين تكتفي بلغتك (غير المفهومة) للطرف الآخر، فقد لا يصل حبك كما تريد.

لذا، اختصر تشابمان السلوك العاطفي البشري في 5 وسائل للتعبير، وعبر عنها بلغات الحب الخمس، وهي: كلمات التوكيد والتشجيع، وأعمال الخدمة، والهدايا، وتكريس الوقت القيّم، واللمسة الجسدية(1).

ولا يعني هذا تصنيف الناس في 5 خانات ثابتة، فقد تتعدد احتياجات الإنسان العاطفية وتتغير بحسب الظروف، وقد يشعر بالحب والتقدير من خلال أكثر من صورة في الوقت نفسه.

غير أن صور التعبير عن الحب التي صنفها تشابمان تحت مفهوم لغات الحب ليست غريبة عن الهدي الإسلامي، فعند تأمل السيرة النبوية العطرة نجد نماذج ثرية للكلمة الطيبة، والاهتمام، والوفاء، والخدمة، والقرب الجسدي، ولكن بروح تعبدية ترفع الفعل العاطفي إلى مرتبة القربة والطاعة(2).

1- كلمات التقدير.. جلاء القلوب:

تعبر هذه اللغة عن الحب بالكلمات المشجعة، والثناء، والاعتراف بجهود الطرف الآخر، وهي من أكثر الوسائل تأثيرًا في إشعار الإنسان بالتقدير.

لم تكن المودة في بيت النبوة مجرد مشاعر خفية خلف الأبواب، بل كانت تظهر في الكلمة والموقف وحفظ مكانة الزوجة، ويتجلى ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم أمام أصحابه في شأن السيدة عائشة رضي الله عنها: «لا تؤذوني في عائشة» (أخرجه البخاري، 3775) وهو موقف يفيض بالحرص على صيانة قدرها ومكانتها ومراعاة مشاعرها، ويؤسس لمعنى أصيل في الحياة الزوجية؛ أن المحبة الصادقة لا تقتصر على المشاعر الداخلية، بل تُترجم إلى كلمات وأفعال ومواقف تمنح الشريك الأمان والتقدير.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخجل من إظهار محبته وتقديره لأهل بيته، فكان يثني عليهن ويمدحهن، وفي الحديث الصحيح أنه كان يقول عن السيدة خديجة رضي الله عنها: «إِنِّي رُزِقْتُ حُبَّهَا» (أخرجه مسلم، 2435).

وعندما سُئل صلى الله عليه وسلم عن أحب الناس إليه، قال: «عائشة»، ولم يخفِ ذلك، فلما سُئل عن الرجال قال: «أبوها» (يعني أبا بكر الصديق) (أخرجه البخاري، 3662)، كما كان صلى الله عليه وسلم يدلل السيدة عائشة بترخيم اسمها، فيناديها: «يَا عَائِشَ» (متفق عليه)، في دلالة على الألفة والحنان، وهكذا لم تكن الكلمة الطيبة في بيت النبوة أمرًا عابرًا، بل وسيلة لإظهار المحبة والتقدير.

2- تكريس الوقت والإصغاء الودود:

تعني هذه اللغة منح الشريك وقتًا واهتمامًا حقيقيين، بعيدًا عن التشاغل والانصراف الذهني.

وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم قول سلمان الفارسي لأبي ذر رضي الله عنهما: «إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه» (أخرجه البخاري، 6139) فجعل للأهل حقًا في الوقت والاهتمام.

وفي حديث أم زرع الشهير، جلس النبي صلى الله عليه وسلم يستمع للسيدة عائشة وهي تطيل في سرد قصة إحدى عشرة امرأة وتفاصيل حياتهن، بكل اهتمام ودون إهمال، ثم عقب عليها بما يطمئنها ويؤكد مكانتها عنده قائلًا: «كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ، إلا أنَّ أبا زرعٍ طلَّق، وأنا لا أُطلِّقُ» (أخرجه الطبراني، 270)، فالإصغاء باهتمام، ومجالسة الزوجة، ومؤانستها، كلها صور عملية من منح الوقت وبناء القرب العاطفي.

3- لغة الهدايا ورموز الوفاء:

قيمة الهدية ليست في ثمنها، بل في الرسالة التي تحملها؛ أن الطرف الآخر حاضر في التفكير والاهتمام، وقد جاء في الحديث النبوي قوله صلى الله عليه وسلم: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» (رواه البخاري في الأدب المفرد، 594) في إشارة إلى ما للهدية من أثر في تقوية المودة.

وقد بلغ إحسان النبي صلى الله عليه وسلم إلى زوجته خديجة ووفائه لها، أنّه كان يهدي صديقاتها بعد موتها رضي الله عنها، وهذا يدل على أن الهدية عند النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن مرتبطة بالحياة فقط، بل امتدت لتكون وفاءً لذكراها وحفاوة بأثرها وإكرامًا بعد الممات؛ ما يعكس عمق المعنى الذي يوليه الإسلام للهدية وأثرها النفسي كتعبير عن الحب والوفاء.

4- لغة تقديم الخدمات وإعمال الخاطر:

تعني أعمال الخدمة القيام بأشياء تخفف عن الشريك أعباءه بما يشعره بالراحة والاهتمام، وقد ثبت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يعين أهله في البيت، فقد سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها ما كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصْنَعُ في بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكونُ في مَهْنَةِ أهْلِهِ -تَعْنِي خِدْمَةَ أهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ» (أخرجه البخاري، 676) كما قالت رضي الله عنها: «كان بشرًا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه» (رواه أحمد، 26194).

وهذا الفعل النبوي يعكس أسمى صور الرحمة وحسن العشرة في العلاقة الزوجية، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على مكانته وعلو منزلته يرى حرجًا في خدمة أهله بنفسه، ليكون قدوة لأمته في التواضع واهتمامه بمن يحب.

5- القرب الجسدي والتعبير العاطفي:

اللمسة الحانية هي لغة الحب الأكثر حميمية، التي تعبر عن الحنان والمودة في إطار العلاقة الزوجية، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُقبّل نسائه حتى وهو صائم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» (متفق عليه).

كما كان صلى الله عليه وسلم يحرص على اللفتات العاطفية الصغيرة التي تبني الدفء، فكان يشرب من الموضع الذي شربت منه السيدة عائشة، ويضع رأسه في حجرها، هذا القرب والتلامس اليومي والتفاصيل الصغيرة اللطيفة تُبقي رصيد الحب وتصون القرب الروحي والجسدي بين الزوجين.

كيف نكتشف لغة حب الشريك من هدي النبي؟

إنَّ وقفة متأمِّلة في الهدي النبوي تكشف عن أسرار أعمق من مجرد التعبير عن الحب، ألا وهو اكتشاف احتياجات الطرف الآخر، إذ لا يكفي أن يحسن أحدنا التعبير بلغته هو، بل لا بدَّ أن يتعلم قراءة لغة شريكه، وهذا ما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبرع الناس فيه؛ فقد كان فَطِنًا بحركات نسائه، مدركًا لتغيرات ملامحهن ونبرات أصواتِهنَّ، بل يميز رضا عائشة من غضبها من أدقِّ الكلمات.

قالت رضي الله عنها: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى»، فقلت: ومن أين تعرف ذلك؟ قال: «أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى، قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ» (متفق عليه) وفي هذا دليل على اليقظة العاطفية، فلم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بسماع الكلام، بل تتبّع أدقّ الفروق اللغوية والنفسية ليعرف حالة زوجته في كل لحظة، وهذا هو لبّ اكتشاف لغة الحبّ.

الحب كعبادة وسكن

إن فهم احتياجات الشريك والانتباه إلى الصور التي يشعر من خلالها بالمحبة والتقدير ليس مجرد مهارة اجتماعية، بل هو جزء من حسن العشرة التي دعا إليها الإسلام وجسدها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، بما يُحيل العاطفة إلى عبادة، والبيت إلى واحة طمأنينة.

وحين نتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم في بيته، نتعلم كيف نحب بصدق، وكيف نجعل من بيوتنا سكنًا ومودةً ورحمة، فالحب ليس مجرد مشاعر، بل هو رصيد يحتاج إلى الشحن المستمر بلغة يفهمها الطرف الآخر، والمنهج النبوي الشريف يقدم لنا أعمق درجات الفهم النفسي والعاطفي؛ فقد جمع بين الكلمة الطيبة، واللمسة الحانية، والموقف الداعم، والتقدير المعلن.

الهوامش
  • 1 Chapman, G، (1992)، The Five Love Languages: How to Express Heartfelt Commitment to Your Mate، Northfield Publishing.
  • 2 عباس، رامي سامي، (2021)، تنمية الحب بين الزوجين (بيت النبوة أنموذجاً) (دراسة موضوعية)، مجلة الجامعة للدراسات الإسلامية، 29(4).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة