لماذا ينجح السودانيون في بلاد المهجر؟
يتساءل أبناء
السودان: لماذا نقدم نماذج ناجحة وتحتل القمة في بلاد المهجر، ويبقى بلدنا غارقاً
في ديونه ومتنقلًا بين أزماته منذ الاستقلال في يناير 1956م وحتى أكتوبر الجاري؟
وكان السؤال
يتبعه آخر: لماذا يبقى الشعب السوداني فقيرًا رغم امتلاكه كل هذه الثروات فوق
الأرض وتحت الأرض التي يمكن أن تجعل منه سلة غذاء أفريقيا؟
كان البعض يرمي
أبناء هذا الشعب باتهامات غير حقيقية، ومن بينها أنه لا يحب العمل، على الرغم من
أنه أكثر الشعوب بحثًا عن الرزق والنجاح داخل وخارج السودان، وبينما تطرح الأسئلة
تأتي الإجابة من السودانيين الذين يتجاوزون رحلة الحرب والمعاناة إلى رحلة التفوق
واحتلال القمة في بلاد المهجر، سواء كانت عربية أو أفريقية أو أوروبية.
والحقيقة أن تلك
القمم لم تكتفِ في معظم الأوقات لتحقيق إنجازات فردية وتتناسى أبناء وطنهم، ولكنهم
ينقشون دائمًا صفحات ناصعة على وجه التاريخ تقول: إنهم نقلوا تجاربهم من بلاد
المهجر إلى الوطن الأم بالدعم والتدريب والمساعدات الإنسانية ومحاولات النهوض
بالوطن من أزماته.
قصص نجاح سودانية
وفق معهد دراسات
التنمية البريطاني، فإن السودانيين في بلاد المهجر لم يتركوا شعبهم في الداخل يئن
تحت وطأة جرائم الحرب التي ترتكبها مليشيا «الدعم السريع»، ولكنهم فعلوا دورهم
بالمال والخبرات، وقدموا أكبر دعم لشعبهم من خلال الشباب السوداني المنخرط في
الأعمال الطوعية بالداخل، وقدموا نموذجاً لأبطال عبروا من جسر المعاناة إلى آفاق
الشهرة والتفوق في كل أنحاء العالم.
ونجح سودانيو
المهجر في تشكيل 700 غرفة طوارئ من الشباب يعمل في مجالات متعددة، من بينها توفير
الغذاء وتشغيل المطابخ الجماعية ومساندة النازحين والأسر الأكثر احتياجًا، إضافة
إلى تقديم المساعدات الغذائية، وإنشاء مساحات آمنة للأطفال، والاستعانة بالمعلمين
لتوفير البديل التعليمي المناسب للعملية التعليمية بعد أن دمرت الحرب مدارس
البلاد.
لم ينس سودانيو
المهجر أولئك المتأثرين نفسياً من جحيم الحرب في السودان، فقاموا أيضاً بتشكيل 90
غرفة للدعم النفسي والتعاون الاقتصادي تقودها نساء السودان الناشطات في دعم جودة
الحياة للسودانيين المتأثرين بالحرب.
حسن عبدالحليم يهزم الحرب واللجوء
في رد عملي على
الحرب، استخدم أ.د. حسن عبدالحليم عبدالله، تواضعه وعبقريته في الرد على دعاة
الهزيمة والتراجع عندما ضاقت الدنيا بعميد كلية التربية السابق في جامعة الخرطوم
بالسودان، غادر على الفور إلى مصر ليستقر به الحال في حي فيصل بالجيزة، ولكن غياب
فرص العمل في بلاد المحروسة جعلته يتخلى مؤقتًا من عمله الأكاديمي ويعمل كبائع
خضار أمام أحد مساجد الحي يبيع ويصلي هناك وسط ترحاب أبناء الحي بالعم حسن الذي
كان يذهلهم تواضعه ومعلوماته، ولم يكن قد كشف بعد عن حقيقة موقعه الأكاديمي.
كان العم حسن
الذي جاء هاربًا من سطوة مليشيا «الدعم السريع» يداوم كل يوم على الذهاب إلى بسطة
الخضار حتى يحصل على قوت أولاده ويعيش في كرامة، ولكنه أيضًا يبحث كل يوم بعين
الأكاديمي النابه عن فرصته في بلاد الغرب حتى جاءته الفرصة بإحدى جامعات ألمانيا،
فانتهزها على الفور وقدم أبحاثه ومستنداته، ولأنه أكاديمي عبقري يجمع بين صبر
الباحث وتميز الأكاديمي قُبِل في الجامعة الألمانية وانتقل على الفور من بائع خضار
أمام أحد مساجد حي فيصل الشعبي يرتدي الجلباب الشعبي السوداني إلى أستاذ مرموق في
الجامعة الألمانية متخصصًا في علوم الفيزياء ومنافسًا للقمم الأكاديمية في
الجامعات الألمانية.
شريف.. خبير المعلومات حوّل مطعمه إلى منتدى سياسي
من أجمل القصص
السودانية التي تقول حقيقة مطلقة مفادها أن الناجحين يصنعون تفوقهم أينما وجدوا
قصة م. شريف السوداني الذي لم تذكر المفوضية العليا للاجئين بقية اسمه حفاظاً -كما
تقول- عن سرية بيانات منسوبيها.
وشريف مهندس
تكنولوجيا معلومات وخبير مساعدات إنسانية يبلغ من العمر 47 عاماً شغل مناصب في
بعثة الأمم المتحدة في السودان ومنظمتي تيرفاند والمعونة الإسلامية، وكان يرأس قسم
تكنولوجيا المعلومات في مستشفى خيري بالخرطوم قبل اندلاع الحرب.
وهرب شريف من
هجوم التمرد على الخرطوم في رحلة شاقة استغرقت 9 أيام برفقة والدته وشقيقه، وصولاً
إلى الجارة مصر حيث استقر مع أسرته في مدينة الإسكندرية بعد أن فقَدَ جميع مدخراته
ووظيفته المرموقة بالأمم المتحدة.
وبعد مواجهته
صعوبات في العثور على عمل بمجال تكنولوجيا المعلومات لم يستسلم وقرر أن يستفيد من
خبرات ونصائح أصدقائه في افتتاح متجر وصناعة مأكولات وحلويات سودانية في
الإسكندرية، ونجح في تشغيل لاجئين آخرين معه، ولم يتوقف عند هذا الأمر، ولكنه
استغل تلك التجمعات وحوّلها إلى منتدى سياسي ونشر التوعية حول الأزمة السودانية.
وقد وثقت
المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قصته في أبريل 2024م، بوصفها
نموذجًا للاجئ استطاع توظيف مهاراته وروح المبادرة لديه في إنشاء مشروع اقتصادي ذي
أبعاد إنسانية.
من جحيم الحرب إلى روعة العطاء بتشاد
كان يمكن للأطباء
المتميزين فاطمة عبدالقادر، وزميليها حسن زكريا، ويعقوب إدريس الهروب من جحيم
الحرب في دارفور ومن مستشفى الجنينة التعليمي الذي كانوا يعملون به بحثاً عن جني
الأموال، خاصة أن الأطباء في زمن الحرب هم أكثر الفئات استفادة منها، ولكن إنسانية
هؤلاء غلبت عليهم فتجاوزت الضمير الإنساني الذي يبحث عن تحقيق السعادة للمصابين
والمظلومين والمقهورين من ظلم الحرب.
وهكذا خطط
الثلاثة لاستئجار منزل وتحويله إلى عيادة طبية شاملة لخدمة الجميع بلا استثناء،
وعندما حاصرتهم الحرب فروا إلى جمهورية تشاد، وهنا برز تحدٍّ آخر يتعلق باستعادة
دورهم المهني حيث قاموا على الفور بإجراء اتصالات وتنسيق مع المفوضية السامية
للأمم المتحدة ووزارة الصحة التشادية للحصول على ترخيص لمزاولة المهنة؛ وذلك
لإنقاذ الجرحى والمصابين من أبناء الشعب السوداني الذين نزحوا إلى مخيمات تشاد.
سودانيو أمريكا يعيدون الحياة لمستشفيات السودان
يمثل الأطباء
السودانيون في الولايات المتحدة أبرز المجموعات العلمية التي يفاخر بها كل سوداني
ليس لأنهم التجمع العربي الأكبر في أمريكا، ولكن أيضاً لأنهم شكلوا من أنفسهم جيشاً
وطنياً مخلصاً من واشنطن إلى الخرطوم ومن السودان والمخيمات ومراكز النزوح
المختلفة لتقديم أعلى خدمة طبية لمنكوبي الحرب.
ففي أمريكا أيضاً
أسس السودانيون جمعية الأطباء السودانيين الأمريكيين، وتجمع الأطباء السودانيين
بالولايات المتحدة الأمريكية، وتنافس أعضاء الجمعيتين في تقديم المال والخبرة
والدعم النفسي لأبناء السودان بعدما حاصرتهم وطاردتهم الحرب من مدينة إلى أخرى.
ومن أبرز
الأعضاء الفاعلين الذي أثبتوا وجودهم في أمريكا وتواصلوا مع ذويهم في السودان د.
ياسر يوسف، الأمين استشاري أمراض الدم والأورام، رئيس منظمة سابا، الذي قاد جهوداً
دولية لجمع التبرعات والمستلزمات الطبية للمستشفيات التي دمرها «الدعم السريع»
بالسودان.
وهناك د. محمد
عيسى، استشاري أمراض الجهاز الهضمي والكبد، الذي يعمل في مستشفيات بنسلفانيا
بأمريكا، وأوجدته الصدفة في السودان أثناء اندلاع الحرب وذاق مع شعبه مرارة الحصار
والهروب من مدينة إلى مدينة حتى عاد إلى أمريكا ليقود من هناك حملات جمع التبرعات
الطبية وحشد الدعم الدولي لإنقاذ المنظومة الصحية المنهارة بالسودان.
وتتسع دائرة
الشرف لتضم د. محمد ابنعوف، ويعمل كاستشاري وأستاذ في عدة مستشفيات وجامعات
أمريكية وجامعة الخرطوم، ود. نهلة جاد الله، الرئيس السابق لمنظمة ساما وممثلتها
في المبادرات الدولية، مثل مبادرة كلينتون العالمية، ود. محمد الماحل، ويشغل منصب
رئيس مجلس إدارة جمعية ساما، ود. صلاح الدين أبو سن، استشاري أمراض الكلى، طبيب
ممارس في مستشفيات أمريكية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً