«برلين ممداني»..

ممداني برلين: إليف إيرالب تترشح بقوة لمنصب عمدة العاصمة الألمانية

جمال خطاب

27 سبتمبر 2026

61

ممداني برلين: إليف إيرالب تترشح بقوة لمنصب عمدة العاصمة الألمانية

في أعقاب النجاحات الانتخابية الأخيرة التي حققها قادة تقدميون -مثل زهران ممداني في نيويورك، وعبدالرحمن السيد الفائز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ميشيغان- تشهد ألمانيا صعود نجمة تقدمية جديدة، فبعد فوز تاريخي في انتخابات الولاية في سبتمبر 2026م، برزت إليف إيرالب، القيادية في حزب «اليسار» (دي لينكه)، كمرشحة رئيسة لتولي منصب العمدة الحاكم لبرلين، وإذا نجحت في تأمين شركاء للائتلاف الحكومي، ستدخل إيرالب التاريخ كأول عمدة لبرلين من أصول مهاجرة؛ ما يمثل محطة فارقة في المشهد السياسي الألماني.

أصول تركية

ولدت إليف إيرالب في ميونيخ في يناير 1981م، لأبوين من أصول تركية؛ فقد وصل والداها إلى ألمانيا الغربية كلاجئ سياسي هرباً من الانقلاب العسكري الذي شهدته تركيا عام 1980م، وتنحدر والدتها من أضنة بينما ينحدر والدها من مدينة قيصرية، ونظراً لنشأتها في مدينتي دورتموند وهامبورغ قبل استقرارها في برلين عام 2010م، فقد تشكلت رؤية إيرالب للعالم في وقت مبكر من خلال واقعها الحياتي كمهاجرة في ألمانيا.

اتجهت إيرالب نحو العمل في مجال القانون بعد أن عانت من مظاهر الظلم والتمييز في طفولتها، حيث تأثرت بشدة بموجة العنف اليميني المتطرف الذي استهدف المهاجرين في ألمانيا خلال التسعينيات، وقبل توليها منصباً عاماً، عملت كمستشارة للسياسات القانونية للكتلة البرلمانية لحزب «اليسار»، وانخرطت بقوة في أنشطة المجتمع المدني خارج البرلمان، بما في ذلك العمل النقابي ومبادرات مناهضة العنصرية في حي كرويتسبرغ ببرلين.

وانضمت رسمياً إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي اليسار في عام 2017م، مدفوعة بقناعة مفادها أن السياسات الاقتصادية النيوليبرالية بحاجة إلى بديل قوي، وأن المجتمع يحتاج إلى حصن موحد في مواجهة حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني العنصري المتطرف، وانتخبت لعضوية برلمان ولاية برلين عام 2021م، وسرعان ما صعدت لتصبح نائبة زعيم الحزب في الولاية.

أهمية منصب عمدة برلين

يحظى منصب عمدة برلين بثقل سياسي وإداري هائل، نظراً لأن برلين تعمل كبلدية وولاية اتحادية (من بين 16 ولاية ألمانية) في آن واحد، ولذلك فمنصب عمدة برلين يجمع بين مهام عمدة المدينة ورئيس حكومة الولاية؛ وهو دور يوازي منصب رئيس وزراء الولاية، ويتولى شاغل هذا المنصب الإشراف على مجلس شيوخ برلين (حكومة الولاية)، وتحديد الخطوط العريضة لسياسة الولاية، وإدارة الجهاز الإداري المركزي لواحدة من أكثر العواصم الأوروبية تأثيراً في عالم الاقتصاد والسياسة.

ولذلك، يكتسب ترشح إيرالب أهمية بالغة نظراً لأن حزب «دي لينكه» خالف التوقعات وحل في المركز الأول في انتخابات الولاية التي جرت في سبتمبر 2026م، حيث حصد نحو 26% من الأصوات متفوقاً على كل من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ وحزب الديمقراطيين الاجتماعيين المنتمي لتيار يسار الوسط، وهما الحزبان اللذان طالما هيمنا على المشهد السياسي في المدينة.

وبصفتها زعيمة لأكبر حزب في برلمان الولاية (مجلس النواب)، فهي في وضع قوي لقيادة مفاوضات الائتلاف الجارية مع حزبي الخضر والديمقراطيين الاجتماعيين، وهي مفاوضات ضرورية لتوليها المنصب رسمياً.

داعية عدالة اجتماعية ومدافعة عن المهمشين

استند النجاح الانتخابي لإيرالب بشكل كبير إلى موقفها الحازم بشأن العدالة الاجتماعية، مع التركيز بشكل أساسي على أزمة السكن وتكاليف المعيشة الحادة في برلين، وانطلاقاً من كونها مستأجرة أيضاً، تعهدت بجعل المدينة ميسورة التكلفة من خلال التصدي للمضاربات العقارية، واقتراح فرض سقف للإيجارات على مستوى البلاد، والدعوة إلى نزع ملكية أكثر من 200 ألف شقة من الشركات العقارية الكبرى ونقلها إلى الملكية العامة.

وإلى جانب قضايا السكن، تتبنى رؤيتها السياسية قضايا حقوق الفئات المهمشة؛ إذ تدعم إيرالب بقوة مبادرة مدينة التضامن، التي تهدف إلى ضمان حصول جميع السكان على الخدمات العامة والحماية الاجتماعية بغض النظر عن وضعهم القانوني المتعلق بالهجرة.

وتشمل سياساتها إنهاء ممارسات التفتيش الشرطي التي تنطوي على وصمة تمييزية، وتوفير بيئة مرحبة باللاجئين، وتوسيع حقوق التصويت لتشمل الأشخاص ذوي الخلفيات المهاجرة، كما تولي إيرالب أولوية قصوى لتخليد ذكرى ضحايا العنف اليميني المتطرف -مثل ضحايا هجومي هاله وهاناو- مؤكدة أن وجود مجتمع مدني فاعل يعد أمراً جوهرياً لمكافحة الكراهية وحماية المجتمعات المستضعفة.

مناصرة للقضية الفلسطينية

بالإضافة إلى سعيها لتحقيق المساواة على الصعيد المحلي، عرفت إيرالب بمواقفها الصريحة والقوية بشأن حقوق الإنسان الدولية، ولا سيما القضية الفلسطينية؛ حيث أدانت علناً ممارسات حكومة بنيامين نتنياهو في قطاع غزة، وطالبت صراحة بمحاسبة الحكومة «الإسرائيلية» على أفعال ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.

ولطالما سلطت إيرالب الضوء على التبعات الإنسانية الجسيمة التي خلفها الصراع على الجالية الفلسطينية الكبيرة في برلين، وإذ تدرك أن العديد من السكان المحليين قد فقدوا أقارب لهم في الحرب أو يخشون على سلامتهم، فقد دعت إيرالب بفاعلية إلى إقرار برنامج حكومي يسمح للفلسطينيين بجلب عائلاتهم إلى برلين، وهو ترتيب سبق تطبيقه على اللاجئين السوريين والعراقيين والأفغان.

وعلاوة على ذلك، حذرت من تصوير الحرب على أنها صراع حضارات، معتبرة أن مثل هذه السرديات لا تؤدي إلا إلى تغذية العنصرية ضد المهاجرين، وفي الوقت نفسه، شددت على ضرورة التصدي الفعال لمعاداة السامية، والتعامل بجدية مع مخاوف الجالية اليهودية في برلين، والسعي لردم الهوة بين السكان اليهود والمسلمين والمسيحيين في أنحاء المدينة.

مسارات متوازية

يعكس صعود إيرالب بشكل وثيق المسارات السياسية لقادة مسلمين أمريكيين تقدميين مثل زهران ممداني، وعبدالرحمن السيد، فقد حقق السيد مؤخراً فوزاً في انتخابات تمهيدية شديدة التنافسية لمجلس الشيوخ الأمريكي في ولاية ميشيغان، رغم مواجهته لإنفاق هائل (بملايين الدولارات) من قبل خصومه، كما بنى كل من السيد، وممداني، حركات قوية تركز على قضايا الطبقة العاملة مع معارضة الحرب في غزة بصوت عال، وقد أشاد ممداني مؤخراً بفوز السيد، مسلطاً الضوء على التزامهما المشترك بقضايا الصحة العامة وإعادة قضايا الطبقة العاملة إلى صلب العمل السياسي.

وفي ألمانيا، عقدت وسائل الإعلام وإيرالب نفسها مقارنات صريحة بين حملتها وحركة ممداني الشعبية القاعدية.

وعقب نجاحها الانتخابي، أشارت إيرالب إلى ممداني باعتباره نموذجاً ملهماً ومباشراً لها، موضحة أن حملته أثبتت كيف يمكن لقضايا القدرة على تحمل التكاليف والعدالة الاجتماعية أن توحد المجتمعات الحضرية المتنوعة، ويشترك كلا القائدين في تبني إطار اشتراكي ديمقراطي، حيث يركزان حملاتهما على الضغوط الاقتصادية الجوهرية -مثل الارتفاع الجنوني في الإيجارات وتكاليف المعيشة- بدلاً من القضايا القائمة حصراً على الهوية.

وكما نجح ممداني، والسيد، في حشد الدعم عبر حملات ميدانية تعتمد التواصل المباشر لتحدي المؤسسات السياسية التقليدية، اعتمدت إيرالب وحزب اليسار على حملات تواصل مجتمعي مكثفة وتوسيع نطاق الوصول عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق هذا الفوز التاريخي.

وتمتد أوجه التشابه هذه لتشمل أيضاً صلابتهما الأيديولوجية، واجه القادة التقدميون الثلاثة تدقيقاً مكثفاً من قِبَل تيارات محافظة، كما كرسوا جهودهم للتصدي للخطاب المناهض للمهاجرين.

وفي حين لا يزال يتعين على إيرالب خوض مفاوضات ائتلافية معقدة لتولي منصب العمدة رسمياً، فإن صعودها السياسي يعكس توجهاً دولياً أوسع نطاقاً؛ إذ تمثل إيرالب جيلاً جديداً وقوياً من القيادات التقدمية، يجمع بين المطالب المحلية المتعلقة بالعدالة في السكن والعدالة الاجتماعية وبين موقف راسخ وثابت بشأن حقوق الإنسان على الصعيد العالمي.

الهوامش
  • 1 إليف إيرالب من برلين تتحدث عن الإيجارات والعنصرية ومواجهة اليمين المتطرف، وكالة «الأناضول».
  • 2 قد تحظى برلين بزهران ممداني بنسخة تركية متمثلة في إليف إيرالب، وذلك في ظل صعود حزب البديل من أجل ألمانيا على مستوى البلاد، «تركيا اليوم».
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة