ما أحوجنا في هذا الزمان إلى هداية القرآن!
قد وَضَحَ للمنصفين من العلماء والباحثين
أنّ الله سبحانه وتعالى لم يخلق هذا الخلقَ عبثًا، ولم يتخذه لهوًا ولعبًا: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) (الأنبياء: 16)، (وَمَا خَلَقْنَا
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) (الحجر: 85)، (أَفَحَسِبْتُمْ
أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون:
115)، (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) (القيامة: 36)، (وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56).
وسواء أُريد بالعبادة ظاهرها، أم معرفة
الله كما ذهب ابن عباس رضي الله عنهما فالمعرفة لا تكون بدون عبادة، والعبادة لا
تكون بدون معرفة.
لذلك كانت حاجةُ الناس إلى الاهتداء
بشريعة الذي فطرهم ضروريةً وفوق حاجتهم إلى كلّ شيء. ألَا ترى أن أكثر العالَم
يعيشون بغير طبيب مثلًا؟! فأهل البدو كلّهم، وأهل الكُفُور جميعهم، وعامّة بني آدم
لا يحتاجون إلى طبيب، وهم أصَحُّ أبدانًا وأقوى طباعًا ممن هو متقيّد بالطبيب من
أهل المدن الجامعة.
ولقد فطر اللهُ بني آدم على تناول ما
ينفعهم واجتناب ما يضرّهم، وجعل لكلّ قوم عادةً وعُرْفًا في معالجة ما يهجم عليهم
من الأدواء، حتى إنّ كثيرًا من أصول الطب إنما أُخذت من عادات الناس وعُرفهم
وتجاربهم.
أمّا الشريعة فقائمة على معرفة الإنسان
مواقع رضا الله وسخطه في أعماله الاختيارية، ولا طريق لهذه المعرفة إلّا الوحي
المحض، بخلاف الطب فمبناه على تعرُّف المنافع والمضار التي للبدن وعليه، وأساسها
التجارب والاختبار، وغاية ما يُقَدَّر في جهل تلك المنافع والمضار موت البدن
وتعطيل الروح عنه، وأمّا ما يُقَدَّر عند فقدان الشريعة ففساد النَّفْس، وتنكُّبها
الصراط السويّ، وانغماسها في حمأة الرذائل؛ مما يُودِي بها وبالمجتمع الذي تعيش
فيه، وشتان بين هذا وهلاك البدن بالموت.
فالناس أحوج ما يكونون إلى معرفة ما جاء
به الرسول صلى الله عليه وسلم، والقيام به، والدعوة إليه، والصبر عليه، وجهاد من
خرج عنه حتى يرجع إليه، وليس للعالَم صلاح بدون ذلك البتة، ولا سبيل إلى الوصول
إلى السعادة والفوز الأكبر إلا بالعبور على هذا الجسر، وتاريخ الأمم الإسلامية
أيام اعتصامها بحبل الدين وتهاونها به، وما نراه في الأمم الغربية من الأمراض
الاجتماعية والخُلُقية المستعصية مع سبقها وعلوّ كعبها في شؤون المادة شاهدٌ على
ذلك.
وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو
الكتاب الكريم والسُّنة الصحيحة، وذلك هو الإسلام وهو دين الله وشريعته في جميع
الأمم منذ بدء الخلق حتى تقوم الساعة، وقد أخبر الله بذلك في غير موضع من القرآن: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ
الْإِسْلَامُ) (آل عمران: 19)، فدِينُ الإسلام هو دين الأوّلين والآخِرين
من النبيين والرسل، وقوله تعالى: (وَمَنْ
يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: 85)، عامّ في كلّ زمان ومكان؛
فنوحٌ وإبراهيم ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى والحواريون كلهم دينهم الإسلام، وهو
عبادة الله وحده لا شريك له والاستسلام له ظاهرًا وباطنًا، وعدم الاستسلام لغيره،
كما قد بيَّن ذلك القرآنُ. فدِينُهم كلّهم واحد وإنْ تنوَّعت شرائعهم، قال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ
شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) (المائدة: 48)، وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه
وسلم: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ
عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء
الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ {18} إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئاً
وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ
الْمُتَّقِينَ) (الجاثية).
ولقد جاء القرآن الكريم والسُّنة الصحيحة
بشرائع الإسلام الظاهرة وحقائق الإيمان الباطنة؛ ففي مسلمٍ عن عمر رضي الله عنه أن
جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال:
«الإسلام أنْ تشهدَ أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة،
وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت؛ والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدَر خيره وشرّه؛ والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه،
فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
فمَن لم يقم بشرائع الإسلام الظاهرة
امتنع أن يحصل له حقائق الإيمان الباطنة، ومَن حصلت له حقائق الإيمان الباطنة فلا
بد أن يحصل له حقائق شرائع الإسلام الظاهرة، فإنّ القلبَ مَلِكٌ والأعضاء جنوده؛
ومتى استقام المَلِك وصَلح استقامَت جنوده وصَلحت، في الصحيحين عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: «ألَا إنّ في الجسد مضغةً، إذا صَلحَت صَلح لها سائر الجسد،
وإذا فَسدَت فَسد لها سائر الجسد، ألَا وهي القلب».
وإنّ أصلَ الإيمان والتقوى الإيمانُ برسل
الله أجمعين، ومِلاكُ ذلك الإيمانُ بخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم؛ فالإيمان به
يتضمن الإيمان بجميع كتب الله ورسله.
وأصل الكفر والنفاق هو الكفر بالرسل وبما
جاؤوا به، وذلك يستوجب العذاب الأكبر، وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه لا يعذِّب
أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة، قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الإسراء: 15)، (وَمَا
كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو
عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا) (القصص: 59).
فالقانون السماوي سبب السعادة، ومن الخطأ
الاعتياض عنه بالقانون الأرضي الإنساني الذي لا يخلو وإن توافقت عليه الآراء من
أغلاط وأخطاء، لا سيّما إذا كان ممن لا علم عندهم بمعاني كتاب الله، وسُنَّة
نبيِّه الداعي إلى الله على بصيرة.
اقرأ
أيضاً:
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً