متلازمة «النسخ العكسي».. حين تُزور فطرة الأمة وشيفرتها
حين يتأمل
الباحث في طبيعة فيروس «HIV» خارج الجسد، يصيبه العجب، فهذا الكائن
الفتاك هو في حقيقته فيروس «مُغَلَّف» وهش للغاية؛ إذ تكفي مواد تعقيم بسيطة أو
تعرضه للجفاف لتعطيل غلافه وتفكيكه، فهو أضعف من أن يواجه الجسد في معركة مكشوفة.
لكن، كيف لهذا
الكائن الضعيف ظاهرياً أن يهزم الجسد القوي؟ السر يكمن في إستراتيجية خبيثة تُدعى «النسخ
العكسي»، تبدأ المأساة حين يرتبط الفيروس بـ«غشاء الخلية المناعية القائدة» (CD4)، لينقل
مادته الوراثية (RNA) إلى داخلها.
ولتقريب الصورة،
تخيل أن الخلية مكتبة ضخمة لا تقبل أرشفة الكتب إلا إذا كانت مكتوبة باللغة
الإنجليزية (DNA)، بينما يحمل الفيروس شفرته في كتاب مكتوب
باللغة الفرنسية (RNA)، لو دخل الفيروس كما هو، لرفضته المكتبة
فوراً، لذا، يستخدم الفيروس إنزيم النسخ العكسي بمثابة مترجم فوري؛ حيث يقوم
بترجمة كتابه الفرنسي إلى الإنجليزية بمجرد دخوله، ثم يدس هذا الكتاب المترجم خلسة
بين رفوف المكتبة الأصلية (نواة الخلية).
بسبب هذا التنكر
المتقن، يعجز أمناء المكتبة (آليات الخلية) عن تمييز الكتاب الدخيل، بل ويقومون
بحسن نية بنسخه وتوزيعه آلاف المرات ظناً منهم أنه جزء من كتب المكتبة الأصلية،
وهو ما يحول الخلية إلى مصنع للفيروسات يؤدي في النهاية إلى تدميرها.
الإسقاط الحضاري
أما على الصعيد
الاجتماعي، فإن ما يمكن تسميته بـ«الإيدز الحضاري» يتسرب إلينا متخفياً خلف ذات
الآليات الماكرة:
1- الخديعة
الكبرى: هشاشة الذات وقوة «المُضيف» تماماً كالفيروس البيولوجي، تبدو المشاريع
الفكرية المعادية لهوية الأمة في جوهرها أفكاراً هشة؛ فهي نبتة مبتوتة لا تصمد
أمام نور الوحي ولا أمام منطق الفطرة السليمة في أي مناظرة حرة ومكشوفة، لكن مكمن
الخطر لا ينبع من قوتها الذاتية المعدومة، بل من قدرتها الخبيثة على التسلل إلى «غرفة
القيادة» واستعارة أدواتنا نحن لتدمير حصانتنا، فتضربنا بسيفنا لا بسيفها.
2- آلية
الاختراق: من الخداع السطحي إلى بطانة السوء، تبدأ مرحلة الاختراق حين تنجح هذه
الأفكار في الالتصاق بجسد القيادة (الفكرية أو السياسية)، متخذة شكل «بطانة من
دونكم»، كما حذر التنزيل الحكيم بدقة إعجازية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ
تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً) (آل عمران: 118)، هذه «البطانة» هي المعادل الموضوعي للغلاف الفيروسي
المخادع؛ فقد يكونون مستشارين أو خبراء يحملون أسماءنا وملامحنا، لكنهم يحملون رؤى
دخيلة (RNA فيروسي) تتناقض جذرياً مع مصالح الأمة
العليا، والسر في نجاح دخولهم أنهم يقرعون أبواب المؤسسات بصفتهم مطورين لا غزاة،
فلا يستنفر الجهاز المناعي للمجتمع لطردهم.
3- النسخ العكسي
الحضاري: تزوير الشفرة الأصلية (DNA) هنا تحدث
الجريمة الكاملة، فكما يستخدم الفيروس إنزيم «الناسخ العكسي» ليحول شفرته الغريبة
(RNA) إلى جزء أصيل من حمض الخلية النووي (DNA)، تقوم هذه «البطانة
المخترِقة» بما هو أخطر؛ «شرعنة الانحراف».
إنهم لا يكتفون
بطرح الأفكار الشاذة، بل يعملون بذكاء لترجمتها وتحويلها إلى نصوص قانونية ومناهج
مُقرة، وبمجرد أن تتحول الفكرة الدخيلة إلى قانون ملزم أو منهج مقرر، فإنها تندمج
في النواة الصلبة للأمة، حينها، تبدأ مؤسسات الدولة نفسها –وبحسن نية– في حماية
هذه الأفكار الدخيلة وترويجها، ظانةً أنها تطبق القانون، بينما هي في الحقيقة تنسخ
الفيروس الذي سيقتلها، ويتجلى هذا التزوير الجيني في مسارين خطيرين:
أولاً: في المناهج.. تزوير الوعي:
بدلاً من أن
تنتج المدرسة طالباً يعتز بدينه وهويته (وفق «DNA» الأصلي
للأمة)، يتم حقن مفاهيم دخيلة في صلب المناهج (الجندر، تمييع العقيدة، الاستلاب
الحضاري)، يتم ذلك ببراعة شيطانية؛ فتصدر هذه المناهج ممهورة بختم وزارة التربية
الوطنية وشكلها الخارجي رسمي، لكن شفرتها الداخلية فيروسية بامتياز، تهدف لتخريج
جيل غريب عن ذاته، منسحق أمام الآخر.
ثانياً: في الإدارة.. النسخ العكسي الإداري وفخ الهويات القاتلة:
لا يقتصر
التزوير على الأفكار، بل يضرب أطنابه في مفاصل الإدارة، فالدولة في أصلها الجيني (DNA) تقوم على
مبدأ الكفاءة؛ (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ
الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26)، لكن، حين يُصاب المسؤول بفيروس الانتماءات الفرعية
(حزبية، طائفية، عشائرية)، يحدث خلل في غرفة القيادة، يقوم هذا المسؤول باستبدال
شفرة الولاء الضيق بشفرة الكفاءة، والنتيجة؟ بدلاً من أن تُنتج الإدارة موظفين أكفاء
يخدمون الوطن (بروتينات نافعة)، تبدأ في نسخ وتعيين جيش من الأقارب والمحاسيب (نسخ
فيروسية) لا يملكون مهارة ولا أمانة، فيُقصي الكفاءات الوطنية لأنه يراها ليست
منّا.
ويُمكّن
للرويبضة لأنه من جماعتنا، يظن هذا المسؤول واهماً أنه حقق نصراً لعشيرته أو حزبه،
بينما هو يمارس هزيمة حضارية شاملة؛ لأنه يُفرغ مؤسسات الدولة من محتواها ويحولها
لهياكل تخدم أجندات ضيقة، وتلك هي بداية السقوط.
والنتيجة
النهائية تحويل الخلية إلى مصنع للهدم الذاتي بعد دمج الشفرة -المزورة في التعليم
والإدارة، تبدأ الخلية المخدوعة (المجتمع والدولة) بتنفيذ التعليمات الجديدة بجدية
تامة، إنها تستنزف مواردها وطاقتها لتصنيع مخرجات تضر الجسد ولا تنفعه.
وفي الواقع
المشاهد، نرى مؤسسات إعلامية وثقافية وتربوية في بلادنا، تُنفق المليارات من
ميزانيات الدولة، لإنتاج محتوى يُدمر القيم، أو لتوظيف جيوش من العاطلين المقنعين،
المفارقة المؤلمة هنا: المؤسسة مؤسستنا، والموظفون أبناؤنا، والمال مالنا، لكن
المنتج النهائي عدونا، وهذا هو التفسير العلمي والاجتماعي الدقيق لقوله تعالى: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ) (الحشر: 2)؛ فقد تمت إعادة برمجة البيت ليقوم بهدم نفسه ذاتياً
وبأدواته الخاصة.
استدراك ضروري
بين اللقاح
النافع والفيروس المُغير يجب التمييز بدقة بينهما؛ علمياً؛ يدخل اللقاح سيتوبلازم
الخلية لتقوية المناعة دون المساس بالنواة، بينما يقتحم الفيروس النواة ويدمج نفسه
في أصل التكوين الوراثي مشوهاً الذات.
وحضارياً؛ هذا
هو الفرق الجوهري بين الاستفادة والتبعية، فاللقاح الحضاري هو استيراد أدوات القوة
(كالتقنية والإدارة) لتقوية الدولة دون المساس بنواة الهوية، أما الفيروس الحضاري
فهو استيراد المفاهيم التي تعبث بالنواة الصلبة (كالعقيدة والأسرة)؛ ما يحول الأمة
من مستفيد سيد إلى تابع ممسوخ، فالأمة الحية تفتح نوافذها لنور العلم، لكنها
توصدها دون رياح تغيير الفطرة.
نحو مناعة شاملة وتعقيم للنواة
إن وعينا بهذه
الآلية يفرض تعقيم النواة عبر فحص البطانة؛ فمن عزز الانتماء والأمل فهو منا، ومن
زرع الإحباط وثقافة التبعية فهو فيروس يجب عزله، فالمناعة الحقيقية لا تقاس بحماية
الحدود الجغرافية فحسب، بل بحماية العقول؛ حمايتها من فيروس التبعية الماسخ
للهوية، وحمايتها في الوقت ذاته من فيروسات الداخل: اليأس الذي يشل الإرادة، والتطرف
والكراهية التي تحول طاقة الجسد إلى عنف يفتك به بدلاً من أن يبنيه.
اقرأ
أيضاً:
بصيرة الفؤاد
في مواجهة «إيدز الحضارة»