محمد يوسف حبلص.. تضافر المعجم والدلالة والتربية في الدرس اللغوي

محمد يوسف حبلص.. تضافر المعجم والدلالة والتربية في الدرس اللغوي

ليست كلُّ سيرةٍ تُكتب تُحيي، ولا كلُّ ترجمةٍ تُسطَّر تُبقي، وإنما تحيا السيرُ حين تكون امتدادًا لنبضٍ في القلب، وصدى أثرٍ في الروح، وذكرى لا تُستعاد بالحبر، بل تُستحضر بالحضور، كذلك هو الحديث عن بعض الأساتذة الذين لا يمرّون في حياتنا مرورَ العابرين، بل يُقيمون فيها إقامةَ المعنى، ويصيرون جزءًا من تكويننا، وركنًا من وعينا، ومصدرًا من مصادر رؤيتنا للعالم واللغة والحياة.

ومن هؤلاء من لم يكن يدرّس علمًا فحسب، بل كان يصنع عقلًا، ويربّي ذَوقًا، ويَغرس في طلابه من روحه قبل أن يملأهم من مادته؛ فتخرج من مجلسه وقد تغيّر فيك شيء، لا تعرف له اسمًا دقيقًا، لكنه يبقى معك، ويكبُرُ فيك مع الأيام!

وفي طليعة هؤلاء يقف أستاذنا الدكتور محمد يوسف حبلص، الذي عرفناه في قاعات دار العلوم، فكان لنا أبًا قبل أن يكون أستاذًا، ومربّيًا قبل أن يكون معلِّمًا، وصاحبَ أثرٍ لا يُمحى؛ فقد امتزج في شخصه العلمُ بالأخلاق، والمنهجُ بالذوق، والدقةُ بالإنسانية، حتى غدا تجربةً حيّة لا تُقرأ في كتاب، بل تُعاش في الذاكرة، وتُستلهَمُ في الحياة!

إن أستاذنا الجليل لم يكن حضورُه في القاعة حضورَ من يُلقي مادةً، بل كان حضورَ من يُنشئ عقلًا، ويوقظ حسًّا، ويزرع في النفس تقديرَ العلم وهيبتَه، دون أن يفقد دفءَ القرب، ورقّةَ التعامل، ولطفَ المعشر؛ فكُنتَ ترى فيه توازنًا نادرًا بين الجلال والبساطة، وبين الهيبة والألفة، حتى كأنما اجتمع فيه ما تفرّق في غيره من الأساتذة!

ولعلّ أجمل ما يُلخِّص هذه الشخصية ما جرى على لسان أستاذه الكبير وأستاذنا الدكتور كمال محمد بشر – في طُرفةٍ تحمل من الدلالة أكثر مما تحمل من الدعابة، كما أخبرنا هو بنفسه – حين سُئل عن معنى “حبلص”، فأجاب: إنها مركبة من «حُبّ» و«لصّ»، أي: أنه يسرق الحب من قلوب الناس كما يفعل اللص! وما كانت تلك الكلمة إلا شهادةً صادقةً من عالمٍ كبيرٍ في حق تلميذٍ صار بدوره عَلَمًا؛ إذ لم تكن تلك “السرقة” إلا حسنَ خُلُق، وصفاءَ نفس، ورفقًا في المعاملة، جعل محبته تستقر في القلوب استقرارًا لا يُستأذن فيه.

إن الكتابة عن أستاذٍ كهذا ليست عاطفة ولا مجاملة أو ذكريات فقط، بل هي لونٌ من الوفاء الذي يقتضيه العلمُ قبل العاطفة، ويستدعيه الحق قبل الذكرى؛ لأنها كتابةٌ عن جيلٍ من الأساتذة الذين جمعوا بين أصالة التكوين، وعمق الدرس، وسعة الأفق، ونبل الرسالة، فكانوا بحقٍّ جسورًا حيّة بين تراثٍ عريق، وواقعٍ متجدد، ومستقبلٍ مأمول.

ومن هنا، فإن هذا المقال -الذي استقيتُ مادتَه منه شخصيًّا دون أن يعلم أني سأكتب عنه، ومن آخرين- ليس سيرةً بالمعنى التقليدي، ولا عَرْضًا ببليوغرافيًّا لأعمالٍ ومؤلفات، بل هو محاولةٌ لقراءة هذه الشخصية من داخلها: في إنسانها قبل علمها، وفي أثرها قبل أخبارها، وفي مشروعها قبل عناوينها؛ لنقف على ما الذي يجعل أستاذًا من هذا الطراز يبقى في الذاكرة حيًّا، وفي القلوب حاضرًا، وفي العقول ممتدًّا، ما بقي للعلم قدر، وللأستاذية معنى، وللوفاء مكان.

من دارِ العلوم.. تشكُّلُ الهوية وبناءُ المسار

لم يكن دخولُ أستاذنا الدكتور محمد يوسف حبلص إلى دار العلوم انتقالًا عاديًّا من مرحلةٍ تعليمية إلى أخرى، بل كان – في حقيقته – دخولًا إلى عالمٍ كاملٍ سيصوغ شخصيته، ويُعيد تشكيلَ نظرتِه إلى اللغة والعلم والحياة؛ فقد جاء من مسار التعليم العام، حاملًا أدواتٍ ذهنيةً منضبطة، واستعدادًا معرفيًّا مفتوحًا، ثم وجد في دار العلوم البيئة التي تجمع بين صرامة التراث ومرونة الحداثة، فكان هذا اللقاء هو اللحظة المؤسسة في تكوينه العلمي.

ولد عام 1950م، في مدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ في مصر، وتعلم حتى تخرّج في كلية دار العلوم عام 1973م، في زمنٍ كانت فيه هذه الكلية العريقة ما تزال تحتفظ ببريقها القديم، ومكانتها بوصفها معقلًا يجمع بين علوم العربية في أصولها العميقة، واتجاهات الدرس اللغوي الحديث في أفقه الواسع، والعلوم الإسلامية بفروعها وحقولها، ومنهجية تدريسها التي تشكل العقل والمنهج قبل الحفظ والمعلومات؛ ولم يكن غريبًا – والحالُ هذه – أن يُعيَّن معيدًا بها فور تخرّجه؛ إذ بدت ملامح النبوغ مبكرة، واستبانت فيه قابلية التكوين العلمي الجاد.

ثم جاءت مرحلة الدراسات العليا لتضعه في تماسٍّ مباشر مع أعلامٍ كبارٍ من أساتذة العربية؛ فكانت رسالة الماجستير بإشراف أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين، بما يمثّله من عمقٍ في النظر القرآني واللغوي، واتساعٍ في الأفق الفكري، ثم كانت رسالة الدكتوراه بإشراف أستاذنا الدكتور كمال محمد بشر، أحد أبرز أعلام الدرس اللغوي الحديث في العالم العربي، وهنا تكتمل صورة التكوين: جذورٌ ضاربة في التراث، وعقلٌ منفتح على مناهج العصر، وتوازنٌ دقيق بين الأصالة والتجديد.

ولم يكن هذا التكوين -مزدوج الاتجاه- مجردَ تحصيلٍ علمي، بل تحوّلَ – مع الزمن – إلى منهجٍ في التفكير، وسِمَةٍ في الشخصية؛ فدارُ العلوم لم تكن عنده كليةً يَدْرُسُ فيها، بل كانت – كما عبّر هو نفسه في غير موضع – “بصمةً خاصة”، و“عالمًا له نكهتُه”، و“دوحةً ظليلة” تَكوَّن فيها الوجدان كما تَكوَّن العقل، وتشكّلت فيها الذائقة كما تشكّلت المنهجية، وهذا - لا ريب فيه - يشعر به كلُّ أبناء هذه الدار المباركة، وأنا منهم!

ومن هنا نفهم سرّ ذلك التوازن الذي لازم شخصيته فيما بعد؛ فهو لا يقف عند حدود التراث وقوف المقلّد، ولا ينطلق إلى الحداثة اندفاع المنبهر، بل يجمع بينهما جمعًا واعيًا، يلتقط من الأول جذوره وعمقه، ومن الثانية أدواتِها ومناهجَها، ليخرج بمزيجٍ علميٍّ خاص، هو أقرب ما يكون إلى “الخلطة الدرعميّة” التي كان يُفاخر بها - كما نفاخر، ويرى – كما نرى! - أنها تمنح صاحبها تميّزًا لا يخطئه السمع ولا البصر.

وهكذا، لم تكن دار العلوم محطةً في سيرته، بل كانت أصلًا في هُويته؛ منها بدأ، وبها تشكّل، وإليها ظلّ يعود – فكرًا ووجدانًا – كلما أراد أن يعرّف نفسه، أو يحدّد موقعه، أو يستعيد جذوره الأولى التي نبت منها هذا الأستاذ الذي جمع بين العلم والتربية، وبين اللغة والحياة.

بين الأساتذة الكبار.. تَشكُّلُ العقل والمنهج

إذا كانت دارُ العلوم قد منحت أستاذنا الدكتور محمد حبلص الإطار العام لتكوينه، فإن الأساتذة الكبار الذين تلقّى عنهم العلم هم الذين صاغوا تفاصيل هذا التكوين، ورسموا ملامحه الدقيقة، حتى غدا عقلًا مركّبًا لا يُختزل في اتجاهٍ واحد، ولا يُحصر في مدرسةٍ بعينها.

في طليعة هؤلاء – وسيأتي مزيدُ بيان عن غيرهم - يبرز الأستاذ الدكتور كمال محمد علي بشر، الذي مثّل عنده بوابةَ الدرس اللغوي الحديث، بما فيه من صرامةٍ منهجية، ودقةٍ تحليلية، وانفتاحٍ على المدارس اللسانية المعاصرة؛ غير أنّ العلاقة بين التلميذ وأستاذه لم تكن تلقّيًا سلبيًّا، بل كانت حوارًا ممتدًّا، وامتدادًا علميًّا حيًّا، حتى إن أستاذنا حبلص كان يحدّثنا عنه في سياق تاريخ علم اللغة، ونحن في السنة الثانية (1995م)، بوصفه أحد أعلام هذا الحقل، ثم كانت المفارقة الجميلة أن نلتقي به - نحن أنفسنا - في السنة التالية، في قاعة الدرس، فيُدرّس لنا كتابه “علم اللغة الاجتماعي”، فكأنما انتقلت السلسلة العلمية من جيلٍ إلى جيل أمام أعيننا، لا في الكتب وحدها.

وعلى الضفة الأخرى من التكوين، يقف الأستاذ الدكتور محمود قاسم، بما يمثّله من عمقٍ فلسفي، ونزوعٍ إلى التفكير العقلي الحر، وقد ظلّ أثرُه حاضرًا في رؤية حبلص للمعرفة، بوصفها بناءً مترابطًا تتداخل فيه اللغة بالفلسفة، والتاريخ بالتحليل، والعقل بالاستنباط، ولم يكن إعجابه به إعجابَ تلميذٍ بأستاذ، بل صار تقديرَ عقلٍ لعقل، ورؤيةٍ لرؤية، كما يظهر في استحضاره الدائم لمواقفه الفكرية، وقراءاته المقارنة بين التراث الإسلامي والفكر الغربي.

ثم يأتي الأستاذ الدكتور محمد كمال جعفر، ليضيف إلى هذا التكوين بعدًا آخر، هو البعد الوجداني الروحي؛ فقد كان – كما يصفه حبلص – يخاطب في طلابه القلب قبل العقل، ويحلّق بهم في فضاء الأخلاق والمعاني، حتى كأن محاضراته كانت “سيمفونيةً” تعزف على أوتار الروح، وهنا يكتمل التوازن: عقلٌ يُدرّب على الاستدلال، وقلبٌ يُربّى على التذوّق، ونفسٌ تتشكل بين هذين الجناحين.

وهذا التعدّد في منابع التكوين لم يَنتج عنه تشتّت، بل أفضى إلى تركيبٍ فريد؛ إذ استطاع حبلص أن يجمع بين هذه الاتجاهات في نسيجٍ واحد: من كمال بشر أخذ المنهج والدقة، ومن محمود قاسم أخذ العمق الفلسفي والجرأة العقلية، ومن محمد كمال جعفر أخذ الحسّ الإنساني والذوق الروحي، ثم صهر ذلك كله في شخصيته العلمية، ليخرج بنموذج الأستاذ الذي يُحسن التفكير كما يُحسن الشعور، ويُتقن التحليل كما يُجيد التربية.

ولعلّ هذا ما يفسّر تلك السمة التي لمسها طلابه فيه، وأنا منهم: أنه لم يكن يدرّس علم اللغة بوصفه مادةً جافة، بل بوصفه كيانًا حيًّا، تتداخل فيه الأصوات بالدلالات، وتتقاطع فيه البنية بالمعنى، وتنبض فيه اللغة بروح الإنسان وثقافته وتاريخه، فهو ابنُ مدرسةٍ علّمته أن العلم ليس معلوماتٍ تُحفظ، بل منهجٌ يُبنى، وشخصيةٌ تتكوَّن، ورسالةٌ تُحمل.

وهكذا، فإن النظر في شيوخه ليس استطرادًا في السيرة، بل هو مفتاحٌ لفهمه؛ لأن أستاذنا حبلص – في نهاية المطاف – لم يكن فردًا معزولًا، بل كان - ولا يزال - حلقةً في سلسلةٍ علميةٍ ممتدة، حملت إليه تراثًا عميقًا، وسلّمته أمانةً ثقيلة، فحملها بدوره، وأدّاها في طلابه علمًا ومنهجًا وأثرًا.

حكاياتُ الدرس.. حين يتحوّلُ العلمُ إلى حياة

لم يكن مجلسُ أستاذنا الدكتور محمد يوسف حبلص قاعةً تُلقى فيها المعلومات، ثم تنقضي بانقضاء الزمن، بل كان عالمًا حيًّا تتداخل فيه المعرفة بالحكاية، والعلم بالابتسامة، والمنهج بالإنسان؛ حتى ليغدو الدرس تجربةً تُعاش، لا مادةً تُحفظ.

ومن أبدع ما يعلق بالذاكرة من تلك المجالس، تلك اللحظة التي كان يحدثنا فيها – ونحن في السنة الثانية – عن أستاذه الدكتور كمال بشر، في سياق حديثه عن تاريخ علم اللغة، فيقدّمه لنا لا بوصفه اسمًا في كتاب، بل باعتباره شخصيةً حيّةً نابضة، لها أثرها في العلم ومسارها في الفكر؛ كنا نصغي إليه، وكأننا نقترب من عالمٍ بعيد، أو نطلّ على جيلٍ سابق من خلال نافذة الأستاذ.

ثم لم تلبث المفارقة أن اكتملت صورتها، حين فوجئنا – في السنة التالية، كما أشرت قبل قليل – بأن اسم كمال بشر نفسه يتصدّر جدولنا الدراسي، وأننا سنجلس بين يديه، لندرس عليه كتابه الفريد “علم اللغة الاجتماعي”! هنالك شعرنا أن ما كنّا نسمعه لم يكن حكايةً عن الماضي، بل أضحى امتدادًا حيًّا لسلسلة العلم، وأن الأستاذ الذي يحدثنا عنه أستاذُنا، سيصير بين أيدينا أستاذًا مباشرًا لنا؛ وكأننا نرى بأعيننا كيف تنتقل الأمانة من جيلٍ إلى جيل، لا عبر الكتب وحدها، بل عبر الرجال.

وفي هذا المناخ القريب الدافئ، لم تكن شخصية حبلص بعيدةً عن طلابه، ولا متعاليةً عليهم، بل كان يملك تلك القدرة النادرة على كسر الحواجز دون أن يُسقط الهيبة، وعلى تقريب المسافة دون أن يُفقد الوقار، ومن ألطف ما يُروى في هذا الباب تلك الطرفة التي جرت بينه وبين أستاذه كمال بشر –والتي أشرنا إليها منذ قليل- حين سئل عن معنى “حبلص”، فتبسَّم بشر ضاحكًا وقال: هي مركبة من كلمتين: حبّ ولصّ.. يعني أنك تسرق الحب من قلوب الناس كما يفعل اللص!

وما كانت تلك الدعابة إلا ترجمةً صادقةً لواقعٍ معيش؛ فقد كان أستاذنا – بحق – يملك مفاتيح القلوب، بسماحته، وبشاشته، ورقّته في التعامل، وسماحته مع طلابه وإعلانه حبَّه لهم، حتى ليجد الطالب نفسه قريبًا منه دون تكلّف، ومحبًّا له دون طلب، كأنما أُخذ قلبه أخذًا رفيقًا لا يُقاوم.

وهنا تتجلّى قيمة هذه الحكايات الصغيرة؛ فهي – على بساطتها – تكشف عن جوهرٍ عميق في شخصيته: أن العلم عنده لم يكن جدارًا متعاليًا يفصل بين الأستاذ وطلابه، بل كان جسرًا يصل بينهم؛ وأن الدرس لم يكن مقامَ تلقين، بل مقامُ تفاعل، تُصاغ فيه العقول، وتُربّى فيه النفوس، وتُنسج فيه تلك الخيوط الخفية من الألفة والاحترام، التي تبقى في الذاكرة أطول مما تبقى كثير من المعلومات.

وهكذا، تحوّلت قاعة الدرس معه إلى مساحةٍ إنسانيةٍ رحبة؛ فإذا خرجنا منها لم نخرج بحصيلةٍ علميةٍ فحسب، بل خرجنا أيضًا بدرسٍ أعمق: أن الأستاذ الحقّ ليس من يملأ العقول وحدها، بل من يملأ القلوب والأرواح سواءً بسواء.

صانعُ العقول.. منهجُه في تعليمِ اللغة

لم يكن أستاذنا الدكتور محمد يوسف حبلص من أولئك الذين يكتفون بنقل المادة العلمية إلى طلابهم، أو يكتفون بأن يخرج الطالب من الدرس حافظًا لمجموعةٍ من التعريفات والقواعد، كما أشرنا قبل قليل - بل كان يرى – بوعيٍ راسخ – أن تعليم اللغة ليس تلقينًا، وإنما هو بناءٌ للعقل، وتشكيلٌ للذوق، وتدريبٌ على النظر والتحليل.

كان يبدأ من الفهم ويعود إليه، ويجعل منه محور العملية التعليمية كلها؛ فلا يرضى من الطالب أن يردّد عبارةً لم يستوعبها، ولا أن يحفظ مصطلحًا لم يتذوّق معناه.. كان يفتح النصوص، ويعيد تفكيكها، ويقود طلابه خطوةً خطوة، حتى يشعر كل واحدٍ منهم أنه شريكٌ في الوصول إلى المعنى، لا مجردَ متلقٍّ سلبيّ له، ومن هنا كان الدرس عنده عملية اكتشاف، لا عملية استظهار.

وفي هذا السياق، كان يُحسن الربط بين التراث والحديث ربطًا حيًّا لا تَصَنُّعَ فيه؛ فلا يقدّم التراث بوصفه ماضيًا منقطعًا، ولا الحداثة بوصفها قطيعةً معه، بل يجمع بينهما في رؤيةٍ تكاملية، تُظهر كيف سبق علماؤنا إلى كثيرٍ من القضايا التي يعالجها اللسانيون المحدثون، وكيف يمكن للعقل العربي أن يستوعب المنجز الحديث دون أن يفقد جذوره، ولم يكن هذا الربطُ تنظيرًا مجردًا، بل كان يتجلى في أمثلته، واستحضاراته، وإحالته الدائمة إلى نصوص التراث جنبًا إلى جنب مع المناهج الحديثة.

أما الذوق اللغوي، فقد كان عنده مقصدًا تربويًّا لا يقلّ أهميةً عن المعرفة العلمية؛ إذ كان يدرك أن اللغة لا تُفهم بالعقل وحده، بل تُتذوَّق بالقلب أيضًا؛ لذلك كان يحرص على أن ينشّئ في طلابه حسًّا لغويًّا مرهفًا، يميزون به بين دقيق التعبير وجليله، وبين صحيح الاستعمال وسقيمه، حتى يغدو الطالب – مع الوقت – قادرًا على أن “يشعر” باللغة، لا أن “يعرفها” فحسب.

ولم يقف أثره عند حدود القاعة الدراسية، بل امتدّ إلى فضاءات النشاط الطلابي، حيث كان يرى أن تكوين الطالب لا يكتمل إلا بالممارسة والتجربة، فشارك في الإشراف على الجمعيات العلمية والأسر الطلابية، ورعى أنشطة اللغة العربية، من الخطابة والمطارحات الشعرية إلى مسابقات التحدث بالفصحى، وأسهم في إقامة “أسبوع الفصحى” الذي تحوّل إلى مناسبةٍ علميةٍ وثقافيةٍ جامعة، يتبارى فيها الطلاب، وتلتقي فيها العقول، وتتجلّى فيها اللغة في أجمل صورها.

كما كان له دورٌ بارز في تنمية مهارات الطلاب، لا من خلال التوجيه النظري فحسب، بل عبر المتابعة القريبة، والإرشاد الأكاديمي، وتشجيع الموهوبين، وصقل قدراتهم في الشعر والكتابة والخطابة، حتى غدا كثيرٌ من طلابه قادرين على التعبير بثقة، والتفكير بوعي، والحضور العلمي بتميز.

وهكذا لم يكن حبلص معلّمَ لغةٍ فحسب، بل كان صانعَ عقولٍ، ومربّي أذواق، وباني شخصيات؛ يعلّم الطالب كيف يفكّر قبل أن يعلّمه ماذا يقول، وكيف ينظر قبل أن يطلب منه أن يحكم، حتى إذا تخرّج الطالب من بين يديه، خرج وفي داخله شيءٌ من “روح الأستاذ”، لا من علمه فقط.

مشروعُه العلمي.. من الدلالة إلى المعجم

إذا تجاوزنا فضاء القاعات الدراسية، وتأملنا إنتاج أستاذنا الدكتور محمد حبلص، تكشّف لنا مشروعٌ علميٌّ متماسك، لا يقوم على التراكم الكميّ فحسب، بل على رؤيةٍ ناظمةٍ تجعل من اللغة كيانًا حيًّا في الاستعمال، لا مجرد نظامٍ مجرّدٍ في الذهن، ويمكن ردّ هذا المشروع – في جوهره وعند تأمله بدقة وعمق – إلى ثلاثة محاور كبرى: الدلالة، والمعجم، واللغة في سياقها الاستعمالي، وهي محاور تتشابك عنده لتصوغ رؤيةً لغويةً عميقة، تجمع بين التراث العربي ومناهج اللسانيات الحديثة.

ففي كتابه "البحث الدلالي عند الأصوليين" يقدّم واحدةً من أبرز محاولات الكشف عن أصالة التفكير الدلالي في التراث العربي، حيث ينقل الدلالة من كونها موضوعًا حديثًا مستوردًا، إلى كونها علمًا له جذوره الراسخة في كتب الأصوليين، ولم يكن عمله مجرد عرضٍ تاريخي، بل قراءة تحليلية تكشف عن وعيٍ مبكر بنظرية السياق، وبأثر الدلالة في توجيه الحكم الشرعي، حتى بدا جليًّا أن ما بلغه المحدثون في هذا الباب قد سبقت إليه عقولٌ أصوليةٌ دقيقة، وبهذا أسهم الكتاب في لفت الأنظار إلى جانبٍ مهملٍ من تراثنا، وفتح الباب أمام دراساتٍ لاحقةٍ واصلت هذا المسار.

أما في "نظرية الخليل المعجمية" فقد انتقل من الدلالة إلى بنية المعجم، ليقرأ تراث الخليل قراءةً تتجاوز الوصف إلى التنظير؛ فلم يعد الخليل عنده مجرد واضعٍ لأول معجم، بل صاحب نظريةٍ متكاملة في تصور النظام المعجمي، تقوم على أسسٍ صوتيةٍ وكميةٍ وتقليبيةٍ وجذرية، وهنا تتجلّى قدرة حبلص على النفاذ إلى العمق البنيوي في التراث، وربط ذلك بمفاهيم حديثة، حتى بدت نظرية الخليل –في قراءته– وكأنها توازي في دقتها بعض النماذج اللسانية المعاصرة، بل تتقاطع معها في غير موضع.

وفي كتابه "أثر الوقف على الدلالة التركيبية" يتجلى الحسّ الصوتي الدلالي في أرقى صوره؛ إذ يتناول ظاهرة الوقف بوصفها عنصرًا فوق تركيبيٍّ يوجّه المعنى، ويعيد تشكيل العلاقات داخل الجملة، وهنا يلتقي التراث القرائي –في مباحث الوقف والابتداء– مع التحليل الصوتي الحديث، ليكشف عن دور النبر والتنغيم والفاصلة الصوتية في إنتاج الدلالة، حتى يغدو النص الواحد قابلًا لوجوهٍ متعددة من الفهم تبعًا لطريقة أدائه، وهذا العمل –في عمقه– تأكيدٌ على أن الصوت ليس وعاءً للمعنى فحسب، بل شريكٌ في صناعته.

ثم يأتي "مدخل إلى علم اللغة" ليعبّر عن الوجه التعليمي في مشروعه، حيث يسعى إلى تأسيس الطالب على وعيٍ علميٍّ منضبط بمفاهيم اللغة وعلومها؛ فيعرّفه بطبيعة اللغة ووظائفها، ومستويات تحليلها، ومناهج دراستها، وعلاقتها بالعلوم الأخرى، ولم يكن هذا الكتابُ مجردَ مقررٍ دراسي، بل محاولة لصياغة مدخلٍ عربيٍّ رصين إلى علم اللغة، يوازن بين العرض المبسّط والعمق المنهجي، ويهيّئ الطالب للانتقال من التلقي إلى الفهم، ومن المعرفة إلى التحليل.

أما كتابه "معاجم العربية ومصادرها"، وهو الذي درَسناه عليه في العام الدراسي 1995-1996م، فيمثّل حلقةً أساسية في بناء الوعي المعجمي؛ إذ لا يكتفي بتعريف الطالب بأنواع المعاجم وتاريخها ومدارسها، بل يفتح أمامه أبواب المكتبة اللغوية العربية، قديمها وحديثها، ويعرّفه بمظانّ المادة اللغوية، ويغريه بالعودة إلى الأصول الكبرى، من سيبويه إلى السيوطي، ومن كتب الموضوعات إلى المعاجم الحديثة، وبهذا يتحول المعجم – في نظر الطالب – من أداةٍ للبحث عن معنى كلمة، إلى مدخلٍ لفهم نظام اللغة كله.

وإذا نظرنا إلى هذه الأعمال في مجموعها، بدا واضحًا أن خيطًا ناظمًا يجمعها: إعادة وصل ما انقطع بين التراث والدرس اللغوي الحديث، وبناء رؤيةٍ تجعل من اللغة نظامًا حيًّا يتفاعل فيه الصوت والدلالة والمعجم في سياق الاستعمال، وهذا هو سرّ تماسك مشروعه؛ فهو لا يكتب في موضوعات متفرقة، بل يتحرك داخل أفقٍ علميٍّ واحد، تتكامل فيه الجزئيات لتخدم تصورًا كليًّا للعربية، بوصفها تراثًا حيًّا، ونظامًا مفتوحًا، وأداةً للفكر والحضارة معًا.

الأستاذُ العربيُّ الممتدّ.. من القاهرة إلى الخليج

لم يكن أستاذنا الدكتور محمد يوسف حبلص حبيسَ القاعة في دار العلوم، ولا مقصورَ الأثر على طلابٍ بعينهم في مكانٍ بعينه، بل كان نموذجًا للأستاذ العربي الذي تتجاوز رسالتُه الحدودَ، وتمتدّ تجربتُه عبر الجغرافيا، حاملةً معها روحَ الدرس، ومنهج التكوين، وأمانة العلم.

فبعد أن ترسّخت أقدامه في دار العلوم، بدأ امتداده العلمي خارج مصر؛ فكانت جامعة الإمارات العربية المتحدة محطةً مهمّةً في مسيرته، قضى فيها سنواتٍ مثمرةً (1997–2001م)، لم يكتفِ خلالها بالتدريس، بل انخرط في عمق العمل الأكاديمي؛ فشارك في تطوير المناهج، ولا سيما في مادة علم اللغة، مستصحبًا خبرة دار العلوم، ومتكئًا على ما استقرّ في هذا العلم من قضاياه واتجاهاته، كما أسهم في وضع برنامجٍ علميٍّ لمهارات اللغة لطلاب الإعلام والتجارة، فكان بحثه في “مهارات الاتصال” ثمرةً لهذا التفاعل بين النظرية والتطبيق.

ولم يقف عطاؤه عند حدود القاعة، بل امتدّ إلى الأنشطة العلمية والثقافية، فكان عضوًا في اللجان الثقافية، ومحكّمًا للأنشطة الطلابية، ومشاركًا في حلقات البحث، حتى غَدَتْ تجربتُه هناك تجربةً متكاملة، تجمع بين التعليم والتطوير والإسهام المؤسسي.

ثم تواصل هذا الامتداد في المملكة العربية السعودية، حيث عمل في أكثر من مؤسسةٍ علمية، من جامعة الملك عبد العزيز بجدة إلى جامعة الملك فيصل بالأحساء، ثم كانت تجربته الأطول في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (2009–2020م)، التي قضى فيها أكثر من عقدٍ من الزمن، أستاذًا ومشرفًا ومشاركًا في بناء البرامج العلمية، وهناك أسهم في توصيف مقررات الدراسات العليا، وانفرد بوضع بعض مقرراتها، وشارك في تطوير الأداء الأكاديمي، وحضر وفاعل في الندوات والمؤتمرات، حتى صار جزءًا من النسيج العلمي لتلك المؤسسات.

وفي هذه الرحلة الممتدة –التي قاربت ربع قرن من العطاء خارج مصر- لم يكن أثره أثرَ ناقلٍ للمعرفة فحسب، بل بات أثرَ مؤسّسٍ ومربٍّ؛ فقد أشرف على عشرات الرسائل العلمية، وناقش مثلها، وشارك في تحكيم البحوث والكتب في عددٍ كبير من الجامعات العربية، فأسهم في تشكيل أجيالٍ من الباحثين، وصقْلِ أدواتهم، وتوجيهِ مساراتهم العلمية.

كما كان له دورٌ واضح في ترسيخ منهج علميٍّ متوازن في دراسة اللغة، يجمع بين أصالة التراث ودقة المنهج الحديث، فانتقل هذا التصور – عبر طلابه – إلى بيئاتٍ علميةٍ متعددة، ليصير جزءًا من الوعي اللغوي المعاصر في أكثر من بلد.

وهكذا يتجلّى حبلص في هذه المرحلة أستاذًا عربيًّا بحق؛ لا تَحُدّه الجغرافيا، ولا تقف رسالته عند حدود المؤسسة، بل يحمل علمَه حيث حلّ، ويترك أثره حيث أقام، حتى غدا امتدادُه من القاهرة إلى الخليج امتدادًا لروحٍ علميةٍ واحدة، تؤمن بأن العربية ليست مادةً تُدرّس، بل رسالةٌ تُحمل، وعلمٌ يُبنى، وأمةٌ تُصان.

الوفاءُ العلمي.. ذاكرةٌ لا تَنسى أساتذتَها

في زمنٍ تتسارع فيه الأسماء، وتبهت فيه الذاكرة العلمية، يبرز أستاذنا الدكتور محمد يوسف حبلص نموذجًا نادرًا لعالِمٍ يحمل في داخله ذاكرةً حيّةً لا تَنسى أساتذتَها، ولا تنفصل عن جذورها، ولا تدّعي استقلالًا وهميًّا عن السلسلة التي أنجبته.

تكشف منشوراته وتعليقاته – تلك الخواطر التي تبدو عابرة في ظاهرها – عن عمق هذا الوفاء؛ فهو حين يتحدّث عن أعلامٍ مثل تمام حسان، وأحمد مختار عمر، والسعيد بدوي، لا يذكرهم بوصفهم مراجع علمية فحسب، بل بوصفهم محطاتٍ مضيئةً في تشكيل الوعي اللغوي المعاصر؛ حيث يروي لقاءه بخبيرٍ أجنبي في جامعة الإمارات، فيسأله عن أبرز المراجع في اللغة العربية، فيذكر له هذه الأسماء، وكأنه يقدّم خلاصة تجربة جيلٍ كامل، ثم تأتي شهادة الخبير لتؤكد أن هذه الأعمال ليست محلية الأثر، بل حاضرة في الدرس اللغوي العالمي.

وفي حديثه عن أساتذته في دار العلوم، يتجاوز حدود التقدير إلى ما يشبه الاعتراف بالجميل العلمي؛ فهو يستحضر حسن الشافعي ومحمود قاسم – أشرنا له سابقًا - لا باعتبارهما أستاذين في الفلسفة فقط، بل بحسبانهما عقلًا حرًّا أسهم في إعادة قراءة التراث الإسلامي في ضوء الفكر الإنساني، ويستحضر كمال بشر – كما سبق ذكره - لا مجرد عالمٍ في اللسانيات، بل بوصفه حلقةً أساسية في نقل الدرس اللغوي الحديث إلى العربية، مع احتفاظه بصلته بالتراث.

بل إن نظرته إلى دار العلوم نفسها تكشف عن هذا الوعي؛ إذ يراها “خلطةً سحرية” تجمع بين أجود ما في التراث، وأفضل ما في الحضارة المعاصرة، وتمنح خريجها “بصمةً خاصة” يعرف بها نفسه حين يلتقي أبناءها، وهذه العبارة – على بساطتها – تختزل فلسفة كاملة في الانتماء العلمي: أن تكون امتدادًا لا قطيعة، وجسرًا لا حاجزًا.

ولعلّ أجمل ما في هذا الوفاء أنه لم يكن حنينًا عاطفيًّا إلى الماضي، بل كان وعيًا منهجيًّا بدور السلسلة العلمية في بناء المعرفة؛ فالعلم عنده لا يُولد من فراغ، ولا يقوم على فردٍ معزول، بل يتشكّل عبر أجيالٍ متعاقبة، يتسلّم فيها اللاحقُ من السابق، ثم يضيف إليه، ويُورّثه لمن بعده.

ومن تمام وفائه العلمي: أنه لم يكن يرى نفسه صنيعةَ أستاذٍ واحد، ولا ثمرةَ تأثيرٍ منفرد، بل كان واعيًا بأنه تخرّج في سلسلةٍ علميةٍ واسعة، تداخلت فيها الحقول، وتكاملت فيها المناهج، وتشابكت فيها آثار اللغة والشريعة والفلسفة والأدب والنحو والتاريخ؛ ولذلك حين سألتُه عمّن تأثر بهم، لم يتحدث بلغة المفاخرة، بل بلغة التواضع والاعتراف بالجميل، وصرّح تصريحًا كاشفًا بأنه لا يكاد يوجد أستاذ لم يتأثر به.

وإذا كنا قد أشرنا في مواضع سابقة من هذا المقال إلى بعض أعلامه الذين أكثر من ذكرهم والوفاء لهم، فإن جوابه الأخير لي يوسّع الدائرة ويكشف عن أفقٍ أرحب من التلقي؛ إذ يضم إلى أولئك أسماءً أخرى كان لها أثرها في تكوينه، مثل: عبد الصبور شاهين، ورمضان عبد التواب، وسعيد بدوي، وعلي النجدي، وعبد العليم إبراهيم؛ فضلًا عن شيوخه في قسم الشريعة، مثل: عبد العظيم معاني، وعبد الله شحاتة، ومحمد بلتاجي حسن، وعبد المجيد محمود، ثم أساتذته في أقسام الأدب والنحو والتاريخ، وعلى الأخص: محمد عيد، ومحمد حماسة، وشعبان صلاح، وأحمد كشك، إلى جانب من ذكرهم من أساتذة الفلسفة ممن كان لهم أثر في وجدانه وعقله، وغالب هؤلاء التقينا مع أستاذنا حبلص في التتلمذ لهم!

ولعل أبلغ ما في هذا الجواب أنه لم يذكر هذه الأسماء ذكرَ العابر، بل ذكر بعضها بعباراتٍ تكشف عن دَينٍ معنويٍّ يراه في عنقه لهم، حتى قال عن أستاذه د. سعد مصلوح إن له في عنقه مكرمة أو دَينًا لا يملك سداده؛ فحقه عليه أكبر من أن يُوفَّى، وأعمق من أن يُسدَّد، وهنا يتجلّى معنى الوفاء العلمي في أصفى صوره: أن يظل الأستاذ حاضرًا في ضمير تلميذه بعد عقودٍ من الدرس، لا اسمًا في فهرس، بل بوصفه أثرًا في التكوين، ونورًا في الطريق.

ولا يقف هذا الوفاء عند حدود الذاكرة الشخصية، بل يمتد عنده إلى وعيٍ مؤسسيٍّ نادر؛ إذ لا يكتفي بحفظ الجميل لمن أخذ عنهم، بل طلب مني أن أقوم على مشروعٍ يحفظ ذاكرة دار العلوم نفسها، ويوثّق أعلامها، ويستكتب أبناءها، ويوظف الوسائط الحديثة في صون هذا التراث العلمي الرفيع، وبهذا لا يكون وفيًّا لأشخاصٍ فحسب، بل للسلسلة كلِّها، وللمؤسسة التي أنجبتها، وللروح الدرعمية التي ظلّ يحملها ويحيا بها.

وهكذا، فإن أستاذنا حبلص لم يكن فردًا منقطعًا في مسار العلم، بل كان – في وعيه وسلوكه – ابنَ سلسلةٍ علميةٍ ممتدة، عَرَفَ قدرَها، وحَفِظَ جَميلَها، وأدرك أن الوفاء لها ليس مجرد ذكرٍ للأسماء، بل استمرارٌ للمنهج، وصيانةٌ للروح التي صنعت هذا العلم.

دارُ العلوم في وجدانه.. أمٌّ لا تغيب

حينما أهديت كتابي: "نظرية الجبر في الفقه الإسلامي" لمكتبة الكلية، وهو رسالتي للماجستير، كتبتُ عليه إهداء قلت فيه: "إلى أمي الثانية دار العلوم: وفاء واعتزازًا"، ولم تكن دارُ العلوم في حياة أستاذنا الدكتور محمد يوسف حبلص مؤسسةً تعليميةً عَبَرَهَا ثم مضى، بل كانت – في أعمق مستويات تشكيل الوعي – أمًّا رؤومًا آوته، وربّته، وصاغت ملامحَ روحِه قبل عقله؛ ولذلك لم يكن حديثُه عنها حديثَ سيرةٍ، بل ظل حديثَ انتماءٍ، ولا وصفَ مكانٍ، بل بات وصفَ هوية.

في كلماته التي بثّها في منشوراته، تتجلّى هذه العلاقة الحيّة؛ فهو لا يذكرها إلا وقد أضفى عليها صفات الكائن الحي: "أمّنا الرؤوم"، و"دوحةٌ ظليلة"، و"نبعٌ رقراق"؛ وهي تعبيرات تكشف عن أن الدار لم تكن عنده جدرانًا وقاعات، بل ظلتْ فضاءً حاضنًا، يمدّ أبناءه بالعلم كما يمدّهم بالدفء، ويمنحهم المعرفة كما يمنحهم الشعور بالانتماء.

ومن هذا الفهم العميق، تشكّلت رؤيته لهوية “الدرعمي”؛ تلك البصمة الخاصة التي كان يراها في كل من تخرّج في هذا الصرح، ليست بصمةً شكلية، ولا مجرد اشتراكٍ في شهادة، بل مزيجٌ فريد يجمع بين رسوخ التراث ووعي الحاضر، ودقة المنهج ورهافة الذوق، فكان يرى أن خريج دار العلوم يمكن أن يُعرَف في حديثه، وفي طريقته في التفكير، وفي نَفَسه العلمي، كأنما يحمل توقيعًا خفيًّا لا تخطئه العينُ الخبيرة.

وقد صاغت هذه البيئةُ شخصيتَه صياغةً مركّبة؛ فمنها أخذ احترام التراث، لا بوصفه ماضيًا يُقدّس، بل بكونه رصيدًا يُفهم ويُفعَّل؛ ومنها أخذ الانفتاح على مناهج العصر، دون ذوبانٍ أو تبعية؛ ومنها تعلّم أن العلم ليس تخصصًا ضيقًا، بل أفقٌ واسع تتداخل فيه اللغة بالفلسفة، والمعرفة بالتربية، والمنهج بالإنسان.

ولعلّ السرّ في ذلك كلّه أن دار العلوم –كما فهمها وعاشها، وكما فهمها كلُّ خريج عظيم فيها– لم تكن تُخرّج متخصّصين فحسب، بل كانت تُخرّج شخصياتٍ علميةً مكتملة، قادرةً على الجمع بين العقل والذوق، وبين التحليل والبيان، وبين الأصالة والتجديد، ومن هنا ظلّ حبلص –على امتداد مسيرته– وفيًّا لهذه الروح، يحملها معه حيثما حل وارتحل، ويُعيد إنتاجها في طلابه، كأنما يورّثهم شيئًا من “أمّه” التي ربّتْهُ.

وهكذا بقيت دارُ العلوم في وجدانه أصلًا لا ينفصل، وذاكرةً لا تغيب، وهويةً تتجدّد؛ كلما تحدّث عنها تحدّث عن نفسه، وكلما وصفها وصف المسار الذي صنعه، حتى غدت العلاقة بينه وبينها علاقةَ منشأٍ ومصير، لا علاقةَ مرحلةٍ عابرة في طريق الحياة، وإنني أعترف وأعلن أن من أهم ما حببني في فضيلته هو حبه لدار العلوم!

العالمُ الإنسان.. بين العلم والتربية

لم يكن أستاذنا الدكتور محمد يوسف حبلص عالمًا يُعرَف بنتاجه العلمي فحسب، بل كان – في جوهره – مربّيًا يصوغ الإنسان قبل أن يملأه معرفة؛ ولذلك اتخذت علاقته بطلابه طابعًا خاصًّا، يتجاوز حدود التلقين الأكاديمي إلى دائرة الرعاية الإنسانية والمادية، حيث يلتقي العلم بالخلق، والمعرفة بالتوجيه.

كان قريبًا من طلابه قرب الأب الحاني، لا قرب الأستاذ المتعالي؛ يعرف أسماءهم، ويتابع أحوالهم، ويستشعر طاقاتهم، فيلتقط الموهبة في مهدها، ويغذّيها، ويدفع بها إلى الظهور، فلم يكن يكتفي بأن يرى الطالب مجتهدًا في درسه، بل كان يريده صاحب شخصيةٍ لغويةٍ حيّة، قادرةٍ على التعبير، وواعيةٍ بأدواتها، واثقةٍ من حضورها المتكامل.

ومن هنا كان اهتمامه واضحًا برعاية المواهب، ولا سيما في مجالات الشعر، والخطابة، والكتابة؛ فكان يُشرف على الأنشطة الطلابية، ويشارك في تحكيمها كما أشرنا سلفًا، ويوجّه أصحابَها توجيهًا دقيقًا يوازن فيه بين التشجيع والتقويم، حتى لا تذبل الموهبةُ بالإهمال، ولا تنحرف بغير توجيه، وقد كان حضورُه في مثل هذه الأنشطة حضورَ المربّي الذي يرى في كل طالب مشروعًا قابلًا للنمو، لا مجرد رقمٍ في سجل.

كما كان له دورٌ بارز في تنشيط الحياة الثقافية داخل الكلية، من خلال إشرافه على الجمعيات العلمية، ومشاركته في إقامة الفعاليات اللغوية، مثل مسابقات الفصحى، والمطارحات الشعرية، وأسابيع اللغة، التي تحوّلت – في عهده كما أشرنا له – إلى مواسم علمية وتربوية، تلتقي فيها العقول، وتُصقل فيها الألسنة، وتُربَّى فيها الملكات.

ولم يكن هذا الدور التربوي حكرًا على النشاط المباشر، بل امتدّ إلى كتاباته ومقالاته التي تناولت قضايا تغطي: السلوك، وأدب الحوار، وقيم العلم؛ فقد شارك في إعداد نشرات تربوية موجّهة للطلاب، تناولت موضوعات مثل: أدب الحوار في الإسلام، ودور المرأة في التربية، والأوقاف وأثرها في المجتمع، والعلم بين المفهوم والدلالة.. وهذه الكتابات – وإن بدت خارج الإطار اللغوي المباشر – تكشف عن وعيٍ شامل بوظيفة العالم، الذي لا يكتفي بتعليم التخصص، بل يُسهم في بناء الإنسان المتوازن.

وهنا تتجلّى صورة “العالم الإنسان” في أبهى صورها؛ عالمٌ لا يرى في طلابه متلقّين، بل يعاملهم بوصفهم أمانةً تربوية، ولا يرى في العلم غايةً قائمة بذاتها، بل وسيلةٌ لإصلاح النفس، وتهذيب السلوك، وبناء الوعي، ومن ثمّ فإن أثره في طلابه لم يكن أثر معرفةٍ عادية، بل أثرُ تربيةٍ باقية، تستمرّ معهم بعد انتهاء الدرس، وترافقهم في مساراتهم العلمية والإنسانية، ودليل ذلك أني أكتب عنه اليوم بعد ثلاثين سنة من تدريسه لنا!

وهكذا اجتمع في شخصه ما قلّ أن يجتمع في الكثيرين: دقّة العالم، ورفق المربّي، وحرص الأب؛ فكان –بحق– نموذجًا للعالم الذي يُنير العقول، ويُهذّب القلوب، ويترك في تلامذته أثرًا لا يزول.

في ميزان العلم.. ماذا يمثّل حبلص؟

إذا أردنا أن نضع أستاذنا الدكتور حبلص في موضعه الصحيح من خارطة العلم، فإننا لا نكون بإزاء باحثٍ في فرعٍ من فروع اللغة فحسب، بل أمام نموذجٍ علميٍّ مركّب تتداخل فيه الأدوار، وتتآلف فيه الاتجاهات، حتى يصعب اختزاله في توصيفٍ واحد.

فهو –من حيث التخصص –لغويٌّ دلاليٌّ معجميّ؛ اشتغل بالدلالة في عمقها النظري، وربطها بأصولها التراثية عند الأصوليين، وكشف عن حضورها الفاعل في توجيه المعنى، ثم انتقل إلى المعجم، فقرأه قراءةً بنيويةً واعية، تستخرج نظامه الداخلي، وتربطه بوظائفه الاستعمالية، دون أن يَغْفُلَ عن البعد الصوتي الذي يرفد الدلالة ويوجهها، وهذا التداخل بين الدلالة والمعجم والصوت يكشف عن رؤيةٍ شمولية للغة، لا ترى فيها وحداتٍ منفصلةً، بل تلحظ نظامًا متكاملًا تتفاعل أجزاؤه في إنتاج المعنى.

وهو –من حيث الوظيفة– أستاذٌ تعليميٌّ بامتياز؛ لم يكن همه أن يضيف إلى المكتبة كتابًا، بل أن يضيف إلى القاعة عقلًا، وإلى الطالب منهجًا، فكتب في التأسيس، ودرّس بروحٍ بنائية، وأسهم في تطوير المناهج، وصاغ مقررات، وأشرف على أجيال، حتى غدا أثرُه في التعليم لا يقلّ عن أثره في البحث، بل ربما تجاوزه؛ لأن التعليم عنده كان صناعةً للإنسان، لا مجرد نقلٍ للمعرفة.

وإذا تجاوزنا حدود التخصص والوظيفة، أمكن القول إنه يمثّل – في عمقه – امتدادًا حيًّا لمدرسة دار العلوم؛ تلك المدرسة التي تجمع بين التراث والحداثة، وبين البيان والعقل، وبين الدقة المنهجية والذوق اللغوي؛ فقد حمل هذه الروح معه، أينما حلّ: في القاهرة، وفي الخليج، وفي كل بيئةٍ علميةٍ عمل فيها؛ فكان أشبه بجسرٍ ينقل خصائص هذه المدرسة إلى فضاءاتٍ أوسع، وساحات أرفع.

وفي الوقت نفسه، يجسّد نموذج الأستاذ المربّي؛ الذي لا يقف عند حدود البحث، ولا ينحصر في إنتاج المعرفة، بل يشتغل على بناء الطالب، ورعاية موهبته، وتوجيه سلوكه، وتشكيل ذائقته؛ ومن هنا، فإن أثره لا يُقاس بعدد كتبه، ولا بعدد أبحاثه، بل بعدد العقول التي أسهم في بنائها، والشخصيات التي شارك في صياغتها، والمناهج التي وضعها وقوَّمها.

ولذلك، فإن أدقّ توصيفٍ له أنه ليس مجرد باحثٍ في اللغة، ولا أستاذٍ يدرّسها، بل هو – بحق – “مُنشئُ بيئةٍ علمية”؛ يصنع المناخ الذي ينمو فيه العلم، ويهيّئ الأرض التي تُنبت الفكرة، ويغرس في طلابه روح السؤال، ومنهج النظر، وأدب الاختلاف، وهذه مرتبةٌ أعلى من البحث والتدريس معًا؛ لأنها تتعلّق بصناعة السياق الذي يولد فيه العلم، لا بصناعة نتائجه فقط.

وهكذا إذا وُزن أستاذنا حبلص بميزان العلم، بدا أنه حلقةٌ واصلة، وبانية، ومجدّدة في آنٍ واحد: واصلةٌ بين التراث والحداثة، وبانيةٌ للعقول والبيئات، ومجدّدةٌ في طريقة النظر إلى اللغة بوصفها نظامًا حيًّا، لا مادةً جامدة، وهذا – في حقيقته – هو سرّ بقاء أثره، واتساع حضوره، وامتداد تأثيره فيمن عرفه ودرَس عليه.

خاتمة.. الأستاذُ الذي يبقى

وفي ختام هذه السطور والكلمات، لا يبقى من الأستاذ إلا ما أبقاه في غيره؛ فالعلم – مهما كُتب في الكتب – يظلّ أثرُه الأصدق هو ما استقرّ في العقول، وما نبت في القلوب، وما تحوّل في حياة الطلاب إلى وعيٍ ومنهجٍ ومسار، ومن هنا فإن أستاذنا الدكتور محمد يوسف حبلص لا يُقاس أثرُه بعدد مؤلفاته فقط، على جلالها، ولا بعدد أبحاثه، على عمقها، بل يُقاس – قبل ذلك وبعده – بما خلّفه من أجيالٍ تحمل شيئًا من روحه، وتمضي بشيءٍ من منهجه.

لقد مرّت السنواتُ، وتباعدت المجالس، وتفرّق الطلاب في دروب الحياة، لكنّ أثره بقي ساكنًا فينا؛ في طريقة فهمنا للغة، وفي حسّنا الدلالي، وفي تعاملنا مع معاجم العربية بمدراسها المختلفة، وفي ذائقتنا التي تعلّمت أن تُميّز، وفي وعينا الذي أدرك أن العلم ليس كلماتٍ تُقال، بل رؤيةٌ تُبنى، وكأنّ ما غرسه فينا لم يكن درسًا عابرًا، بل ظل جذورًا تمتدّ في أعماقنا، تنمو كلما احتجنا إلى العلم، وتُثمر كلما واجهنا سؤالًا.

ثم تبقى تلك الحقيقة الهادئة التي لا تُكتب في المناهج، ولا تُدرّس في القاعات: أن بعض الأساتذة لا يدرّسوننا فحسب بل يسكنون وجداننا، ويقيمون في ذاكرتنا إقامةً لا تزول؛ فإذا ذكرنا العلم حضروا، وإذا استدعينا المعنى كانوا جزءًا منه، وإذا سرنا في طريق المعرفة وجدنا آثار أقدامهم تسبقنا، وكأنهم ما زالوا معنا يعلّموننا، ويوجّهوننا، ويأخذون بنواصينا إلى سواء الصراط!

نسأل الله أن يبارك في عمر أستاذنا الدكتور محمد يوسف حبلص، وأن يمدّه بالصحة والعافية، وأن يجعل ما قدّمه من علمٍ وتوجيهٍ وتربيةٍ في ميزان حسناته، وأن يكتب له القبول في الأرض والسماء، وأن يجزيه عن طلابه وعن العلم خير الجزاء.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة