الكتابة التاريخية لليافعين

محمد سعيد العريان.. رائد القصة التاريخية لليافعين

صورة مرسومة لمحمد سعيد العريان في شبابه

في فناء مدرسة المنيرة الابتدائية بالقاهرة أُحرقت قصةٌ للأطفال، بحضور مندوبٍ من دار المندوب السامي البريطاني. كانت القصة اسمها «الراية الحمراء»، وكانت تحكي فصلًا من ثورة 1919، وكانت واحدةً من ثلاث وعشرين قصة مدرسية ألّفها محمد سعيد العريان مع زميليه أمين دويدار ومحمود زهران في أوائل الثلاثينيات. ولنا أن نقف عند هذا المشهد وقفةً قصيرة قبل الدخول في التفصيل، فإن سلطة استعمارية لا تُجشِّم نفسها عناء إحراق ما تعدّه لهوًا للصغار، وإنما تحرق ما تعرف أنه يعمل؛ ومن هنا نفهم أن هذه المدرسة الأدبية لم تكن تكتب للأطفال ملحقًا تربويًّا على هامش الأدب، وإنما كانت تكتب في صميم معركةٍ على وعيٍ يتشكّل.

أولًا: العريان.. سبقٌ واعٍ

من المستقر عند مؤرخي أدب الطفولة العربية أن الريادة في مصر لكامل الكيلاني، وهو حكمٌ لا ينبغي أن نزاحمه ولا أن نلتمس لأديبنا موضعًا فيه؛ بل إن العريان نفسه تأسّى بخُطاه، كما تأثّر بالرافعي في العودة إلى بطون التراث التماسًا لمادة القصص؛ لكن الريادة لا تكون في المضمار الواحد ريادةً واحدة، ومن هنا ينبغي أن نميّز بين من افتتح الكتابة للطفل، ومن افتتح الكتابة لمن لم يعد طفلًا ولم يصر شابًّا بعد؛ فهاتان منزلتان متباينتان، وبينهما فرق كبير من حيث أفق الانتظار، والجمهور المختلف، والوسيط أيضا.

وقد فطن العريان إلى هذه المنزلة قبل أن يستقرّ لها اصطلاح. فهو يقسم الطفولة إلى ثلاث مراحل، كما تكشف دراسة زينب بيره جكلي، أولاها مرحلة الخيال الحرّ ما بين الخامسة والثامنة، وثانيتها مرحلة المغامرة والبطولة ما بين الثامنة والثانية عشرة، وثالثتها ما يعقب ذلك. وكان يعدّ المرحلة الثانية جسرًا يعتليه الطفل ليعبر به إلى الشباب، ومن أجل هذا وجّه إليها معظم إنتاجه، وأنفق فيها أخصب سنيّه. وهذه المرحلة هي التي نسمّيها اليوم منزلة اليافعين، ونضع لها في الدرس الغربي مصطلحًا قائمًا برأسه (Young Adult Literature)، فإذا نحن نظرنا في الأمر من هذه الزاوية وجدنا أن الرجل قد سبق إلى ميدانٍ لم يكن قد سُمّي بعد، وقد سبق إليه بوعي تام بخطورة هذه المرحلة العمرية التي فيها تتكون المفاهيم والتصورات عن العالم والحياة؛ ولذلك ربط اليافعين بالمادة التاريخية الخصبة التي ستشكل وعيهم وحسهم الوطني والقومي.

ثانيًا: تطويع الوثيقة لخدمة الحكاية

أوضح ما يمثّل هذا اللون قصته «العرب لاخريستوف كولمبس»، وقد نُشرت أعدادًا متتابعة في مجلة سندباد ثم جُمعت في كتاب. وسببُ تأليفها — كما يرويه هو — أنه قرأ في الأنباء أن بعض علماء الغرب كشفوا سبق العرب إلى الوصول إلى أمريكا، فعكف على البحث حتى وقف على خبر أحد ملوك مالي الذين خاضوا المحيط، فألّف قصته ليعرّف الناشئة فضل أمتهم، ولينتزع من نفوسهم عقدة النقص التي رانت على العرب تجاه أوروبا.

والقصة تنهض على ثلاث محاولات لاقتحام بحر الظلمات: محاولة عرب مالي وقد أخفقت، ثم رحلة فتية لشبونة، ثم رحلة كولمبس تحت راية إسبانيا. وهذه الحوادث ثابتةٌ في المظانّ، لكن ثمة فرق بين النص التاريخي والنص الفني، فبين ما كتبه الأديب وما تقرّره المصادر تباينٌ ليس بالهيّن؛ إذ يجعل العريان رحلة العرب في القرن الثالث عشر على حين يرويها الإدريسي في القرن العاشر، ويؤكّد دور العرب في حملة كولمبس على حين ينفيه موريسون نفيًا صريحًا. وهذا التباين لا يهدم القصة، لكنه يحدّد رتبتها: فهي عملٌ فني ذو أرضية تاريخية، لا وثيقةٌ يُحتجّ بها.

أما موضع الفنّ فيها فهو الخيط الخيالي الذي شدّ به الأقسام بعضها إلى بعض: شيخٌ هرِم ينتظر ابنًا رحل مع ملك مالي فلم يعد، وترجمانٌ عربي ألقاه الموج إلى جزيرةٍ نائية فصار لسانًا بين قومين، ثم يتبيّن أن الشيخ أبو الترجمان، فتُغلق الدائرة. ثم إفراني، البحّار العربي الذي هدّأ الثائرين على كولمبس، وضمن لهم رأسه إن لم تلُح اليابسة في ثلاثة أيام، وكان هو أوّل من رآها من برج المراقبة. وههنا يظهر الصنيع الفني على حقيقته: فالحادثة تاريخية، والوشيجة التي تربطها بأختها مُبتكَرة؛ ويمكن القول إن هذا هو تعريف القصة التاريخية للناشئة في أدقّ صوره، إذ ليست إحياءً للماضي كما كان، وإنما هي إعادةُ ترتيبٍ له كما يُفهَم.

ثالثًا: لغة جزلة وقيمة تربوية

وأمضى ما في هذه القصة عندي حوارٌ يدور على ظهر السفينة بين بحّارٍ إسباني يتّهم كولمبس بالدجل، وبحّارٍ عربي متطوّع يحاجّه في كروية الأرض، فيقول العربي: أرأيتم النملة تمشي على البرتقالة من جانب إلى جانب فتصل من غربها إلى شرقها؟ فينفجر الإسباني: اسكتْ أيها العربي، فما نحن نملٌ مثلك، ولا الأرض برتقالة! ثم يهمّ به ليضربه فيحول البحّارة بينهما.

انظر ما صنعه الأديب في هذه الأسطر القليلة: نقل نظرية كروية الأرض من مقام البرهان العلمي إلى مقام التمثيل الحسّي، فجعل الكون برتقالةً والناس نملًا، وهو تشبيهٌ يدركه ابن العاشرة إدراكًا مباشرًا لا يحتاج معه إلى شرحٍ ولا حاشية. ثم إنه لم يجعل الحجّة تنتصر بالإقناع بل بالغضب: فالخصم لا يجيب، وإنما يهمّ بالبطش — وفي هذا من الدلالة التربوية ما ليس في مواعظ الكتب، إذ يتعلّم الفتى أن العجز عن الجواب قد يلبس لبوس الشراسة.

وأسلوبه في هذه المرحلة يقوم على التكرار، والتفصيل، وتقسيم الجملة تقسيمًا موسيقيًّا، كقوله في فتية لشبونة وقد بلغوا جزيرة الغنم: أعشابٌ برّية نامية، وأشجارٌ ذات ثمارٍ غريبة، وقطيعٌ سارح بين كباشٍ ذات قرون ونعاجٍ ذات ألبان، سارحةٍ بلا راعٍ لا تخشى عصا الراعي ولا سكين الجزّار ولا عدوان الذئب. فأنت ترى التوازن العروضي في النثر، والتنوين المتوالي، والمدّ في أواخر الفواصل. وليس هذا التبسّط ضعفًا في الأداة، وإنما هو أشقّ ما يُطلَب من أديبٍ تعوّد الجزالة؛ ولذلك كان العريان يكتب الفصل ثم يقرؤه على أولاده الصغار ويسألهم عمّا فهموه، ليرى بعينه مدى الاستجابة قبل أن يدفع بالنصّ إلى المطبعة. وهذا إجراءٌ تجريبيّ في صميمه، سبق به كثيرًا مما يُتداول اليوم في اختبار النصّ على جمهوره.

رابعًا: العيب الذي هو علامة

وقد أخذت الدكتورة زينب على القصة مأخذًا فنيًّا وجيهًا، وهو أن مقدمتها التاريخية طويلة، وأن خاتمتها أقرب إلى خواتيم الكتب العلمية منها إلى خواتيم القصص، حتى صارت في مجموعها أدنى إلى الكتاب منها إلى الفنّ القصصي؛ ونقلت أن بنت الشاطئ دعت الأديب إلى أن يفرد هذه المصادر ببحثٍ علمي مستقل يبقى ذخرًا للباحثين.

والمأخذ صحيح، غير أنّ في الأمر ما يسترعي الانتباه. فأيّ مخرجٍ كان أمام رجلٍ يقدّم لناشئةٍ حكايةً تنقض روايةً راسخة في كتب التاريخ المدرسي كلها؟ ألم يكن سيُتَّهم بأنه يؤلّف على الأطفال أساطير تُرضي غرورهم القومي؟ ثم أين المفرّ من التوثيق وهو يعلم أن الطعن آتٍ لا محالة؟ إن ما عُدّ عيبًا فنيًّا هو في حقيقته عَرَضٌ لعلّة نوعية؛ فالقصة التاريخية لليافعين تقف أبدًا بين وثيقةٍ تطالبها بالسند وحكايةٍ تطالبها بالتشويق، ومن ثمّ فإن ثقل المقدمة عند العريان ليس سوء تقدير من كاتب؛ بل هو أثرٌ من آثار جنسٍ أدبي لم تكن أعرافه قد استقرّت بعدُ في العربية. ولو أنه — كما اقترحت الباحثة محقّةً — قدّم هذه المادة تحت عنوان «بين يدي القصة» لسلمت له القصة وسلم له التوثيق معًا.

وقد أفضى هذا الوعي بالمرحلة إلى ما هو أبعد من قصةٍ واحدة، فقد أصدر مجلة سندباد في الثالث من يناير 1952 وترأّس تحريرها إلى أن احتجبت في يوليو 1960، وجعل منها وسيطًا لا كتابًا: يُلخّص فيها ما مضى من الحلقة السابقة، ويُنهي كلّ عددٍ بلغزٍ أو مفاجأة، ويُنشئ لقرّائها ندوةً ومسابقاتٍ وبريدًا، ثم يخفّف من عناصر التشويق هذه حين يجمع المادة في كتاب، مراعاةً لاختلاف الوسيط. وهذا وحده درسٌ في صناعة الخطاب الموجَّه، يعزّ نظيره في زمانه.

ورغم قيممة قصص العريان التربوية ودورها الكبير في إثراء معجم الطفل واليافع العربي؛ فإن الدراسات العلمية والنقدية التي تناولت إنتاجه لا تزال قليلة شحيحة في العالم العربي. ويبقى بعد ذلك أن نُنصف الرجل من غير أن نُسرف، فنقول: إذا كان الكيلاني قد علّم الطفلَ العربي أن يقرأ، فإن العريان قد علّم اليافعَ العربي أن يقرأ تاريخه.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة