بين العزلة والإبداع

"الرافعي" والأوجاع الخمسة.. أحزان مطوية في حياة صاحب "وحي القلم"

صورة تعبيرية عن الرافعي وهو مهموم أثناء الكتابة.

الرافعي.. يقول أصدقاؤه إنهم وجدوا على مكتبه - حين فاضت روحه - ورقة بيضاء كان يتجهَّز لبدء تحبيرها. ربما كتب فيها جملة أو اثنتين. لكن شيئًا ما جرى، شيئًا ما أوقف الأنفاس الطيبة وجمّد القلم في دواته، فغادر الرجل ساحات الضجيج في هدوء، مفارقًا دنيا الناس للمرة الثانية! حاملًا في قلبه حاجات وآمالًا وأوجاعًا خمسة.

لماذا يحبون الرافعي؟

لأنه حالة خاصة جدًّا، مِداد استثنائي، في عصر استثنائي، بسيرة استثنائية. لقد سكن روحه "خليط" عجيب من الإنسانية والالتزام الأدبي والإحساس بالآخرين رغم حواجز الكبرياء التي راكمتها نفرات العزلة وسطوة الموهبة وأكدار الحياة. وإذا تجاوزنا معاركه الخشنة مع الأقران وزملاء المهنة وأمراء الكتابة من أبناء جيله؛ فإن الرجل كانت تسكنه أفكار إنسانية منيرة، ورسالة حافزة للمروءة والدفاع عن الدين، وكلمات لها أجنحة الطيور وطهارة الملائكة. ويمكننا القول إن المقعد الذي حجزه الرافعي لذاته وسط الكبار في عصره كان وليد خمسة أوجاع هصرت روحه في البدء وألقت حولها شباك الألم، لكنها في النهاية جهزته للحياة ثم للرحيل.

مع الصمم.. من أسكت الصخب؟!

كان هذا وجعه الأول والأكبر ومغادرته الأولى لدنيا الناس. كان القضيب الحديدي الذي غُرس في كيانه، وكسر ضلع المرح في صدره، وأربك البهجة التي كان يرجوها. يقول أحد أصدقائه المقربين واصفًا بداية تسلل العلّة إلى بدنه: "أحسَّ الرافعي آثار هذا الداء تُوقِر أذنيه، فأهمَّه ذلك همًّا كبيرًا، ومضى يلتمس العلاج لنفسه في كل مستشفى وعند كل طبيب، ولكن العلَّة كانت في أعصابه فما أجدى العلاج عليه شيئًا، وأخذت الأصوات تتضاءل في مسمعيه عامًا بعد عام كأنها صادرة من مكان بعيد... حتى فقدتْ إحدى أذنيه السمعَ ثم تبعتها الأخرى، فما أتمَّ الثلاثين حتى صار أصمَّ لا يسمع شيئًا مما حواليه، وانقطع عن دنيا الناس".

داء أكبر من سائر الأدواء، حوى في جرابه كل آلام العلل، جرِّبه بنفسك إن أردتَ، ضع أصبعيك في أذنيك، أو قطعتين قطنيتين. آه لقد انعزلت، سُجنت في زنزانة لا تتعدى مساحتها حدود البدن الهزيل. إنه شيء أقسى من العمى والشلل والملل، لقد أصاب جوهر العافية، لقد منعه أن يَسمع.

وختام الأستاذ محمد سعيد العريان (1905-1964م) للمشهد الأقسى في كتابه "حياة الرافعي" يختصر أشياء كثيرة في جملته الوافية "وانقطع عن دنيا الناس". كان ذلك هو الوجع فوق الوجع. صحيح تسامى على علته وحاول أن يتجاوز الورطة بالتجاهل والنسيان. لكن مَن ذا يستطيع أن ينسى نعمة الأنس بالناس وألحان الكون!

ويدلنا أكثر على حجم ما قاساه الرافعي من ذلك الداء، وكذلك أمنيته المُلحَّة بزواله، أنه - كما يقول تلميذه الأستاذ العريان: "كان يؤمن إيمانًا لا شك فيه بأن يومًا ما سيأتي فيرتدُّ إليه سمعه بلا علاج ولا معاناة؛ لأن بشيرًا من الغيب هتف بهذه البشرى في نفسه، فهي لا بد واقعة"!

وإضافة إلى الورقة البيضاء التي وجدوها على مكتبه بعد رحيله، كانت هناك رسالتان تتحدثان عن تلك الأمنية، أولاهما من صديقه "فليكس فارس" يُشير عليه بتجربة ليرد عليه سمعه الذي فقده منذ ثلاثين سنة أو يزيد، ورسالة أخرى من صديقه المرحوم حافظ عامر فيها شيء يشبه ذلك! ويقول أحد تلاميذه: "أحسبه قال لي مرة أو مرات وكنت جالسًا أتحدث إليه: ارفع صوتك بالحديث لعل الساعة الموعودة قد حانت، فأسمع ما تقول".

مع مي.. والحب المستحيل

قالوا إنه لم يكن يحب إنسانة بعينها، بل كان الحب عنده للحب ذاته، وسيلة متسامية يريد بها أن يُحيي في نفسه معنى ويحشده ليستطيع أن يكتبه. وهذا الكلام منطقي للغاية ويمكن تصديقه عن الرافعي، وقد حاول الأستاذ عباس خضر (1908-1980م) في مجلة الرسالة وفي كتابه "غرام الأدباء" أن يجيب عن السؤال بصيغة قريبة: "إن الرافعي رحمه الله كان يبحث عن الشعر والفن في الحب، فالحب عنده وسيلة إلى تصوير عواطفه، وتسجيل خواطره، فلم يكن الرافعي يبحث عن الحب نفسه، وإنما لغاية فيه". فقد كان يدرك الرافعي أن "علة الصمم" ستجعل الحب مستحيلًا، أو على الأقل باشتراطات صعبة؛ لذا عاش الحبَّ للحب ذاته كما يظهر في سيرة حياته. لكن حالة واحدة لم يستطع الأستاذ محمد سعيد العريان أو الشيخ حسنين مخلوف (1890-1990م) أو سائر تلامذته وأصدقائه أن ينكروها. إنه حبه للأديبة اللبنانية "مي زيادة"(1886-1941م)، لقد صار ضيفًا في صالونها وكسر من أجلها عُزلته وجاهد نفسه رغم علتها فقط لكي يراها.

يقول الروائي محمد جبريل (1938-2024م) في مقدمة "إعجاز القرآن": "كانت تملكه هذه الجميلة! - وكان حبُّ الرافعي لميٍّ عاصفًا، وإن لم يغادر داخل نفسه. كان حبًّا من طرف واحد، لم يبح به إلا لرسائل أحزانه"!

ويقول العريان حول محنة الحبِّ في حياة أستاذه "ولما وقع في حب (فلانة!) ونال منه الوجد بها، لجأ إلى العرافين في أمل يأمله، فكتب تميمة فعلَّقها في خيط فربطها في سارية بأعلى الدار تتلاعب بها الريح. قال: ولكن أمورًا عجيبة مفزعة وقعت لي ولأهلي ولسكان الدار جميعًا في خلال اليومين اللذين كانت التميمة معلقة فيهما؛ فأيقنت أن ذلك من ذلك؛ فإن لكل تميمة غايتين: إحداهما ما تأمل وثانيتهما مما تخاف، وكان ما وقع لي وما يتهددني من شر أكبر عندي من الأمل الذي أرجو؛ فندمت على ما كان، وتسللت إلى السطح فحللت رباط التميمة وفضضت خاتمها".

مع المعجبين والمثقفين.. الصمت رفيقًا!

هذا وجع آخر ثقيل مكتوم؛ ألم الخمول رغم الشهرة والانتشار، فالاسم الأدبي لامعٌ وازنٌ يعرفه الكبار والصغار، لكن في الوقت نفسه الصُّحبة قليلة والرفقة نادرة والمعجبون يصعب عليهم أن يبادلوه الكلام أو يبادرون بإبداء الإعجاب إذا رأوه؛ حيث محدثه لا يمكن أن يحادثه إلا بالكتابة ثم يرد هو عليه بالكلام. لقد قعدت به حالته الصحية ومنعته مجبرًا عن خوض غمار الصالونات وصناعة الصحبة ومجاراة المعجبين، وتبعًا لذلك بقي طيلة عمره هناك في مدينة بعيدة عن ضجيج العاصمة، ولم يفعل ما فعله أقرانه مثل طه حسين والعقاد والمازني.

والمرات القليلة التي سافر فيها الرافعي مغادرًا طنطا إلى القاهرة كان يسافر فقط من أجل "مي" وصالونها، فيرتدي أفضل ما لديه، وتستقبله الأديبة باعتباره واحدًا من أهم كتاب العربية. وكانت إصابته بالصمم تلزمه الجلوس في صمت، لا يشارك - إلا نادرًا - في المناقشات. أي كان يجلس صامتًا مراقبًا بعينيه دون مداخلة أو مزاحمة في النقاش.

بل الأصعب من ذلك أن صوته أيضًا لم يكن يجد البراح المناسب للتعبير؛ حيث كان الداء قد امتدَّ إلى صدره فعقد عقدة في حبال الصوت كادت تذهب بقدرته على الكلام، ولكن القدر أشفق عليه أن يفقد السمع والكلام في وقت معًا – بحسب تعبير الأستاذ العريان: "فوقف الداء عند ذلك، ولكن ظلت في حلقه حُبسة تجعل في صوته رنينًا أشبه بصراخ الطفل، فيه عذوبة الضحكة المحبوسة استحيت أن تكون قهقهة".

مع الشهادات.. الورقة الغائبة

في المجتمعين المصري والعربي في ذلك التوقيت – ولا يزال - لم يكن الإخفاق في نيل الشهادة الحكومية العالية أمرًا هينًا يمكن أن يُتغاضى عنه في استكمال مسوغات القبول الاجتماعي، ولم تكن الموهبة والثقافة وحدهما جديرتين بأن تثبتا للشخص كفاءة يستحق بها التقديم والصدارة إلا في شخصيات استثنائية. ويؤكد ذلك أن الشيخ عبد الرزاق - والد مصطفى صادق الرافعي – نفسه مرَّ بتجربة شبيهة متعلقة بالشهادة، ولما رأى أن غيابها يُعرضه لازدراء الأقران اضطر أن يجاهد ليحصل عليها حتى نالها بالفعل، وفي ذلك يقول الأستاذ سعيد العريان: "إن الشيخ عبد الرزاق الرافعي — على علمه وفضله ومكانته، وعلى أنه كان رئيسًا للمحكمة الشرعية في كثير من الأقاليم — لم تكن معه شهادة «العالِمية» حتى جاء إلى طنطا، ولأمر ما نشب خلاف علمي بينه وبين بعض علماء طنطا حفزه وهو شيخ كبير إلى طلب الشهادة، فتقدَّم إلى امتحانها ونالها، لغير غرض تسعى إليه إلا أن يستكمل براهينه في جدال بعض العلماء".

وقد واجه الرافعي مأزق الشهادة بعدما أقعده مرضه عن استكمال مشواره فيها، ولم يستطع أن يتفرغ للتحصُّل عليها بعد ذلك، ولا يمكن تجاهل أن عدم حصوله على الشهادة كان أحد الأوجاع.

مع الوظيفة.. حر في قفص

كأي مبدع كانت الوظيفة بالنسبة للرافعي قضبانًا وجدرانًا تحبس الإبداع خلف عقارب الساعة من الحضور إلى الانصراف. وقد خاض بسبب استيائه من المكتب الحكومي ومواعيد العمل المزعجة معركة كبيرة مع رئيسه المباشر في المحكمة الأهلية بطنطا، والذي اشتكاه بدوره إلى الوزارة بسبب تأخيراته عن العمل؛ فتدخلت الوزارة لتحسم الأمر وكاد يستقر القرار على فصله نهائيًّا. لكن الحظ الطيب أسعفه بأن كان المُكلَّف بالتحقيق معه هو الأديب الرقيق حفني ناصف (1855-1919م) الذي كان يعرفه جيدًا، ويقدر الأدب والأدباء، فحفظ التحقيق، وكتب إلى الوزارة "إن الرافعي ليس من طبقة الموظفين الذين تعنيهم الوزارة بهذه القيود … إن للرافعي حقًّا على الأمة أن يعيش في أمن ودعة وحرية، إن فيه قناعة ورضًى، وما كان هذا مكانه ولا موضعه لو لم يسكن إليه، دَعوه يعش كما يشتهي أن يعيش، واتركوه يعمل ويفتن ويُبدع لهذه الأمة في آدابها ما يشاء أن يُبدع، وإلا فاكفلوا له العيش الرخيَّ في غير هذا المكان!".

ومن الناحية المادية القلقة التي لا تغطيها الوظيفة الحكومية ذات الجنيهات الأربعة، ظلت الأحوال صعبة، ورغم ذلك لم يسعَ الرافعي إلى الكتابة بالأجر لإحدى المجلات ليحافظ على ما تبقى من حريته. لكنه فوجئ ذات يوم بمن يُخبره أن ولده الدكتور محمد الذي كان يدرس الطب في جامعة ليون بفرنسا على نفقة الملك، قد نُزعت عنه النفقة بتحريض من الإبراشي باشا، وكان ذلك قبل أن يحصل الشاب على الشهادة النهائية بشهور قليلة. يقول العريان: "فحمل الرافعي بذلك من الهمِّ ما حمل؛ إذ لم يكن له طاقة مالية تعينه على الإنفاق على ولده في فرنسا، فمن ذلك أجاب «الرسالة» إلى ما طلبتْه، كان ذلك في ربيع سنة ١٩٣٤. فظل يكتب لها كل أسبوع مقالة أو قصة، لا يفتر عن هذا الواجب إلا أن يمنعه المرض أو تشغله شاغلة من شواغل الحياة، ومات وهو يتهيأ لكتابة مقالته الأسبوعية، ولكن القضاء عاجله فخلَّفها على مكتبه ورقة بيضاء".

الموت راضيًا

لقد طوى الرافعي أوجاعه بين جناحيه، بالتأكيد تألم كثيرًا. لكن طبطبة حانية ظلت تمسح على جبينه، تؤنسه من وحشة الصمم وسجن الوظيفة والعشق المعطل، وغير ذلك من الأوجاع.

لقد استتر من كل ذلك بالرضا، وبالانحناء المبتسم أمام موج الأقدار. وعندما كتب مقالته "حديث قِطَّين"، فَطِن تلميذه إلى الخيط الواصل بينه وبين القطِّ فقال: "إن فيها شيئًا من خُلُق الرافعي لم يكن يعرفه إلا الخاصة من أصحابه، ذلك هو طبيعة الرضا بما هو كائن، فقد كان ذلك من ألزم صفاته له، فكان دائمًا باسمًا منبسط الوجه، يُقنع نفسه في كل يوم بأنه في أسعد أيامه، فمن ذلك كان يحاول أن يجعل من كل ألم يناله لذةً يُشعر بها نفسه، ومن كل فادحة تنزل به خيرًا يترقبه ويهيئ له، ولعل أحدًا لا يعرف أن الرافعي لم يكن يرى في تلك العلة التي ذهبتْ بسمعه وهو لم يزل غلامًا، إلا نعمةً هيأتْه لهذا النبوغ العقلي الذي أملى به في تاريخ الأدب فصلًا لم يُكتب مثلُه في العربية منذ قرون!".

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة