مخطط الاحتلال للمسجد الأقصى بعد رمضان

لفتَ إغلاق المسجد الأقصى المبارك في العشر الأواخر من رمضان الجاري بأوامر سلطات الاحتلال لأول مرةٍ في تاريخه منذ عام 1967 أنظارَ العالم العربي والإسلامي، وانتبه الكثيرون – وإن متأخراً – إلى ما يجري في المسجد في هذه الليالي، وخاصةً عندما استيقظ العالم الإسلامي على مشهدٍ مُريعٍ للمسجد الأقصى فارغاً تماماً في الجمعة الأخيرة من رمضان (الجمعة اليتيمة)، والتي كان يؤم المسجدَ فيها أكثر من 300 ألف مصلٍّ في العادة، وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان التي كان العدد فيها يصل إلى أكثر من 150 ألف معتكفٍ. ناهيك عن مشاهد القمع والقنابل الصوتية التي شاهدناها في هذه الليالي أمام أسوار البلدة القديمة التي طارد الاحتلال المعتكفين أمامها لتخفيض أعدادهم بقدر الإمكان.

يضاف إلى ذلك إجراءات الضغط والتضييق غير المسبوقة على دائرة الأوقاف الإسلامية التي باتت مشلولةً تقريباً وعاجزةً عن إدخال موظفيها للمسجد، حيث حدد الاحتلال عدد الموظفين المسموح لهم بالدخول للمسجد بخمسة وعشرين موظفاً فقط وباشتراط موافقته المسبقة عليهم، وأفاد تقرير خطير نشره موقع "ميدل إيست آي" أن موظفي قسم المخطوطات بإدارة الأوقاف الإسلامية أرادوا إدخال موظفٍ إضافي واحدٍ فقط للمسجد، فهددت شرطة الاحتلال بفتح المسجد فوراً لاقتحامات المستوطنين في حال أقدمت دائرة الأوقاف بزيادة موظفٍ واحد على العدد الذي حدده الاحتلال.

هذه الأحداث تشير كلها إلى أن المسجد الأقصى بات على أعتاب عملية محاولة حسمٍ جديةٍ لمصيره، وما جرى في شهر رمضان مقدمةٌ لهذه العملية التي يتوقَّع أن تبدأ بعد انتهاء الشهر مباشرةً.

لماذا نقول هذا الأمر؟

هناك عدة حقائق تشير إلى اتجاهٍ واحدٍ هو نية الاحتلال حسم قضية المسجد الأقصى نهائياً هذا العام؛ فالاحتلال بدأ مع نهاية عام 2025 سلسلة إجراءاتٍ تصب جميعها في هذا الاتجاه، منها مثلاً تعيين أفشالوم بيليد عضو تيار الصهيونية الدينية قائداً لشرطة لواء القدس، وهذا المتطرف جاء بأجندةٍ محددةٍ تتعلق بالمسجد الأقصى المبارك، لأن خلفية تعيينه جاءت على إثر الخلاف بين إيتمار بن غفير وقائد شرطة لواء القدس الأسبق أمير أرزاني الذي رفض السماح للمستوطنين بإدخال طاولاتهم وكراسيهم ومعداتهم إلى المسجد الأقصى خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى اضطرابات.



إضافةً إلى ذلك، فإن الخلاف الذي حصل في بداية شهر رمضان بين شرطة الاحتلال ورئيس مجلس الأوقاف في القدس، على خلفية "استدعاء" الشرطة للأخير إلى مقر الشرطة ورفضِه المثولَ أمامها، كان مؤشراً واضحاً لسعي الاحتلال لإعادة ترتيب الأوراق في المسجد الأقصى عبر هذه العملية الاستفزازية، فقد رد الاحتلال على رفض رئيس مجلس الأوقاف المثول أمام الشرطة بمنع نصب المظلات في المسجد الأقصى ومنع الإفطارات وسحور الحراس ومنع تجهيز عيادة المسجد الأقصى، أي بمعنىً آخر: منع الاحتلال إضفاء أي خصوصيةٍ على شهر رمضان المبارك لأول مرةٍ في التاريخ، واكتمل المشهد مع الإغلاق الكامل والمشدد للمسجد الأقصى بحجة الحرب الدائرة حالياً في الإقليم، وفي أهم أيام السنة بالنسبة للمسلمين في المسجد الأقصى: العشرِ الأواخر من رمضان. وأعلن الاحتلال بوضوح أن الإغلاق سيشمل منع صلاة العيد في المسجد الأقصى كذلك.

إن استدعاء ذروة التشديد والتضييق على المسلمين في أصعب الأوقات بالنسبة للاحتلال وهو شهر رمضان ولا سيما العشر الأواخر –بسبب الكثافة العددية للمسلمين في القدس في هذه الفترة– يعتبر اختباراً ميدانياً لقدرة شرطة الاحتلال على فرض ما تريد في أوقاتٍ تعدُّ في العادةِ أسهل وأخف عليها من شهر رمضان.

«الفصح العبري».. التهديد القادم ومخطط «ذبح القرابين»

فما دام الاحتلال قد تمكن من تنفيذ إرادته بالكامل وضبط رد الفعل الفلسطيني في وقت الذروة الذي يخشاه الاحتلال أكثر من أي فترةٍ خلال العام، فإنه سيكون بلا شكٍّ قادراً على تنفيذ إرادته في الأوقات الأخرى التي لا يكون فيها الوجود الإسلامي في الأقصى في ذروته. وهذه فرصةٌ أستبعِدُ ألا يحاولَ الاحتلالُ اقتناصَها والاستفادةَ منها فوراً وإلى أقصى درجة، خاصةً أنه مقبلٌ على الفرصة الذهبية بالنسبة له فيما يتعلق بالوجود الاستيطاني داخل المسجد الأقصى، وهي عيد الفصح العبري الذي يحل في الفترة من 2 إلى 9 أبريل القادم، أي بعد عشرةِ أيامٍ فقط من انتهاء عيد الفطر المبارك.

الفصح العبري يعتبر مركزياً في الشعائر التي تحاول جماعات المعبد المتطرفة تنفيذَها ضمن رؤيتها لإقامة المعبد المزعوم معنوياً داخل المسجد الأقصى قبل إقامته مادياً. وذلك لأنه يحتوي الطُّقس الأكثر أهميةً داخل المعبد وهو ذبح القرابين الحيوانية.

وهذه العملية حاولت جماعات المعبد تنفيذها داخل المسجد على مدار أكثر من عشر سنواتٍ دون أن تنجح في ذلك حتى اليوم، ولجأت بسبب ذلك إلى تنفيذ محاكاةٍ لطقوس ذبح وحرق القربان في كل عامٍ حول المسجد الأقصى وأحياناً أمام أسواره مباشرةً. لكن تطوراً خطيراً حدث العام الماضي سيشجعها على تنفيذ ما تريده هذا العام، حين نجح بعض أعضائها بالفعل في إدخال قرابين حيوانية (حية في حالتين ومذبوحة بالفعل في حالةٍ واحدة) إلى داخل حدود المسجد الأقصى قبل أن يمنعهم المسلمون من تنفيذ مخططهم قبل الوصول إلى المنطقة التي يريدونها وهي قبة السلسلة المجاورة لقبة الصخرة المشرفة، والتي يعتقدون أنها موقع "المذبح" في المعبد المزعوم.

إن نجاح هؤلاء في الوصول إلى داخل المسجد الأقصى العام الماضي، بالإضافة إلى وجود أفشالوم بيليد على رأس شرطة لواء القدس المسؤولة أصلاً عن المسجد الأقصى لدى الاحتلال هذا العام، يجعل من المنطقي القول إن هذا العام سيشهد على الأرجح محاولةً جديةً جداً لذبح القربان داخل المسجد الأقصى في عيد الفصح القادم، وربما بدعمٍ كاملٍ من شرطة الاحتلال.

خدعة «إعادة الفتح» لتكريس التقسيم الزماني والمكاني

وبناءً على ذلك، فإننا لن نستبعد أن يعلن الاحتلال إعادة فتح المسجد الأقصى المبارك قبيل بدء عيد الفصح العبري، أي في نهاية شهر مارس الحالي أو بداية شهر أبريل القادم مباشرةً، وربما مع بداية ذلك الأسبوع، على أن يفتحه للمسلمين والمستوطنين معاً –لأن الاحتلال بات يساوي تماماً بين الطرفين ويمنع فتحه للمسلمين فقط– حتى لو استمرت الحرب في تلك الفترة، ويكون بذلك قد مهد الطريق للمستوطنين لكي يقوموا بأداء طقوسهم المتعلقة بالقرابين خلال عيد الفصح العبري. وبالتالي فإننا نقول استباقاً لأية ادعاءاتٍ من أي جهة: إن إعلان الاحتلال فتحَ المسجد الأقصى لا يمكن أن يعدّ إنجازاً لأنه سيكون قد أغلِقَ بقرارِ الاحتلالِ وفُتِحَ بقرارِ الاحتلال كذلك، لا بضغطٍ من أحدٍ من المسؤولين في العالم العربي والإسلامي للأسف.

عقبات أمام المخطط.. اتساع الحرب أو انفجار الداخل

ولعل الاحتمال الذي قد يصعِّب هذه المهمة على الاحتلال قد يكون تصاعدَ الحرب بشكلٍ يتجاوز قدرة الاحتلال على تحمل كلفة فتح المسجد الأقصى والذهابَ بهذا الاتجاه التصادمي الحاسم. والاحتمال الثاني الذي قد يجعل مهمة الاحتلال صعبةً هي حدوث أمرٍ يتعلق بأمن الجبهة الداخلية للاحتلال مثل اضطرابات شعبيةٍ واسعةٍ في القدس والداخل استباقاً لمثل هذه العملية، بما يضرب الاحتلال في نقطة الضعف الأبرز لديه خلال الحرب الحالية؛ وهي الجبهة الداخلية الهشة. فمن المعروف أن الدول والكيانات في حالات الحروب والصراعات الكبرى تكون هشةً داخلياً، ولذلك فإن أي اضطرابٍ كبير على الأرض في القدس والداخل سيكون له أثر كبير على الاحتلال بحيث يسعى لتأجيل أي انفجارٍ داخلي لصالح تركيزه على أزمته الخارجية.

الردع الشعبي.. الخيار الوحيد لحماية الأقصى

المحصلة أننا مقبلون على أيامٍ صعبةٍ وحاسمةٍ أمام المسجد الأقصى المبارك، ولا يوجد طريقة لحمايته إلا استعادة حالة الردع الجماهيري الشعبي، بحيث يفهم الاحتلال وأجهزته عملياً –لا نظرياً فقط– أن أي اقترابٍ من المسجد الأقصى سيكون له ثمنٌ مرتفعٌ جداً لا يمكن للاحتلال أن يتحمله.

فإن لم يكن الأمر كذلك، فإننا نغامر في الحقيقة بأن نفقد المسجد الأقصى –لا قدّر الله– تماماً، فهل تحتمل أمتنا مصيبةً كهذه؟


اقرأ أيضاً:

إغلاق المسجد الأقصى هدف للحرب يجب إفشاله

هل بدأت المعركة الأخيرة للسيطرة على المسجد الأقصى؟

كيف تستغل الجماعات المتطرفة إغلاق «الأقصى» لتهويده؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة